بيان الكتب: جي كوك هو استاذ في الفلسفة وأحد اعضاء لجنة تحرير مجلة ايسبري الشهرية للدراسات والتي تأسست منذ عقد الثلاثينيات في القرن الماضي العشرين، له عدة مؤلفات من بينها: «العلمانية والجمهورية» و «قل لي ماذا تتأمل؟» و «هل تمنع الديمقراطية التربية؟» و «الديمقراطية والدين والتربية». اما ايزابيل ريشبي فهي تعمل في اطار احد مراكز الدراسات السياسية، كما انها احد الكوادر النشيطة في منظمة العفو الدولية. «البربرية» تمثل في العقل الغربي احد اكثر اشكال الهمجية تطرفا؟ وكان قد تم الصاق مثل هذه الصفة لمختلف اصناف الغزاة، واذا كانت المجتمعات الغربية تعتبر نفسها ذروة في التمدن، بالمعنى المناقض للبربرية، فان مؤلفي هذا الكتاب يريان ان المجتمع الغربي ليس محصنا ضد اسوأ اشكال العنف، فالديمقراطية هشة ثم اذا كان تسارع التاريخ يمكن ان يؤدي في احيان كثيرة الى تنامي موجات فجائية من العنف كما شهد العالم مؤخرا، فان هناك بعض الظواهر التي تتنامى ببطء كبير وتمس دوائر عديدة من المجتمع مما يمكن ان يكون له آثاره على تضاؤل فاعلية القيم الديمقراطية. هذه «الظواهر» لها دلالاتها في الحقبة الراهنة داخل المجتمعات الغربية .. وهذه الدلالات يحددها مؤلفا هذا الكتاب اثناء حوارهما ـ الكتاب بصيغة حوارات ـ في شيوع حالة من التشكك حيال العمل السياسي، وتدهور موقع المؤسسات التعليمية والتربوية وتدهور دورها ايضا. وفي الاخطار التي تمثلها التكنولوجيات العلمية المتقدمة على دفع الانسان كي يصبح اشبه بـ «الآلة» منه الى الانسان، وفقدان سلم القيم المشتركة لاغلبية نقاط ارتكازه الاساسية، اي بتعبير آخر فقدان المرجعيات، وتراجع النزعات الانسانية في العالم .. ان هذه الظواهر التي تبدو مؤشراتها جلية اليوم في اغلبية المجتمعات الصناعية المتقدمة بشكل خاص، انما تشكل في واقع الامر «الرهانات» الاساسية لهذه البلدان بالنسبة للمستقبل. ان المؤلفين وعبر بحثهما في ميادين متنوعة تطال التربية والسياسة والمجتمع والثقافة وغيرها، يحاولان رصد اللحظات ـ المنعطفات التي يمكن ان تؤدي الى انحرافات خطيرة .. هذه اللحظات ـ المنعطفات تحديدا هي ما اطلقا عليها «خطوات صغيرة نحو البربرية» كما جاء في عنوان الكتاب «وهذه الخطوات» هي التي تحدد وجهة المسارات التي يتعلق بها مستقبل أمم وشعوب كما انها تؤثر مباشرة في نمط حياة البشر يقول المؤلفان: ان البربرية يمكنها ان تهزم الحضارة بواسطة هذه الخطوات الصغيرة القائدة نحو الهوة التي كان قد تم تجاهلها قبلا. القاعدة الاساسية التي يركز عليها مؤلفا هذا الكتاب تكمن في التأكيد على ضرورة فهم التاريخ في حركيته وعبر عملية «تكدس» ذلك ان الاحداث الكبرى، وبما في ذلك آخرها في 11 سبتمبر 2001، انما هي في الغالب تتجه مسيرة غير مرئية ولا يتردد المؤلفان في التأكيد بان مثل هذه «الاحداث» التي تعبر عن «تسارع كبير» في حركة التاريخ انما تشكل تهديدا حقيقيا لـ «افضل مافي الحضارة» بالمقابل يتم في تحليلات هذا الكتاب استبعاد مقولة ان «التاريخ يكرر نفسه وذلك لان البربرية التي يمكن ان تستجد لاتستأنف العمل بنماذج الماضي وانما هي تخترع باستمرار نماذج جديدة .. وربما اكثر «فداحة». وعلى مدى صفحات هذا الكتاب تتردد فكرة بصيغ مختلفة ومفادها ان «الديمقراطية» تمتلك خصائص هشاشتها وانها «قد تمشي بخطوات حاسمة نحو موتها» وضمن النهج نفسه من التفكير والتحليل لايبدو ان هناك اية مسيرة باتجاه «التقدم» انما هي خالدة وابدية وبالتالي غير قابلة للنكوص والانكفاء على مثل هذه «الفرضية» يقول المؤلفان: ان القيم التي تبدو لنا اليوم بانها قد اصبحت جوهرية ونهائية في الوعي الكوني ـ يونيفرسال ـ انما يمكن ان تواجه ايضا عزوف الجماهير عنها لذلك قد يكون من المهم اكثر من اي يوم مضى امتلاك «رؤية واضحة» للانسان وايضا « رؤية واضحة» للرهانات السياسية» و «الاخلاقية» وذلك من اجل امتلاك افضل السبل للمحافظة على الديمقراطية هذا ما يتطلبه الموقف «المسئول» حيال المستقبل «المجهول» ولأنه «مجهول» ينبغي تهيئة افضل السبل من اجل ولوجه وازالة العقبات و «الالغام» منه، ان مثل هذا التحضير والتهيئة يستدعيان «ثقافة جديدة تقوم على الالتزام الذي لايستهدف تغيير العالم جذريا، وانما وبكل تواضع المساهمة في تحسينه، كما يقول المؤلفان. تتوزع «حوارات» هذا الكتاب بين سبعة فصول تبحث في القيم الانسانية المشتركة وتطور الديمقراطية وآليات تشكل القيم الانسانية والنزعة الانسانية في مواجهة الرهانات «البيولوجية الاخلاقية» و«البربري واللاانساني والشر» و «الأمل دون يوتوبيا» وأخيرا حضارة وبربرية. إن مختلف التحليلات المقدمة تقوم على أساس البناء الذي أوجدته الحداثة التي غدت وبما حققته من مكتسبات، بمثابة التعبير عن خطاب كوني يؤكد بالاحرى على وجود الآخر وليس على نفي هذا الوجود. ويعتبر المؤلفان بأن الحداثة هي في نهاية المطاف بمثابة محصلة للمسيرة الانسانية التي قامت على أساس أفكار عصر التنوير.. لكن الحضارة التي انتجتها الحداثة والممثلة بأفضل شكل في الحضارة الغربية. إن الحضارة في مفهوم مؤلفي هذا الكتاب تمثل نقيض «البربرية» لكن مفهوم «الحضارة نفسه يعاني في هذه الحقبة من حالة «كسوف» بحيث انه أضاع الكثير من دلالاته الواضحة. أصبح السائد الآن هو الحديث عن ثقافات متعددة، وهي ثقافات متكافئة من حيث مكانتها للمعنيين بها. وبمقدار ما تحقق هذه الثقافة من انسجام بين مختلف مكوناتها إنما تقترب من موقع «الحضارة». لكن من الواضح بأن جي كوك يستخدم في اجاباته وتحليلاته المقدمة ثلاثة تعابير تتقاطع في دلالاتها وهي «الثقافة» و«المجتمع» و«الحضارة». وإذا كان من الشائع استخدام تعبير الحضارة للدلالة على وجود نقاط مشتركة بين عدة ثقافات كان كوك يميز بين معنيين متباينين. وفي المعنى الأول تتم الدلالة على البعد الانساني الذي تحمله ثقافة ما وحيث تمثل التعددية مصدر غنى. المعنى الثاني يدل على البحث عن وحدة الانسانية في صيغة كونية تسمح بتعايش المجتمعات والثقافات على الكوكب الذي نعيش فيه. وضمن هذا الاطار، يتم البحث في العلاقة بين «خصوصية» الثقافات و«كونية» القيم التي تدعو لها. إن الكونية ـ يونيفرسال ـ تجد صيغتها الجنينية عبر خصوصية الثقافات. يقول كوك: وبهذا المعنى يعتبر بأن الاختراعات التكنولوجية التي شهدت ولادتها في حضن الثقافات المصرية القديمة أو الثقافة الصينية إنما تحتوي على بعد كوني لأنها تدل على تقدم العقل الانساني. وبهذا المعنى ايضاً تمثل الثقافة نوعا من البناء الانساني، فكل عمل انساني هو ايضا عمل ثقافي، حيث انه يرمي الى تغيير الحالة الطبيعية للأشياء. وكان مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس قد بحث طويلا في الفرق بين «النييء» و«المطبوخ» على أساس ان الأول هو حالة طبيعية بينما الثاني هو «فعل ثقافي». وعلى صعيد العلاقة بين الثقافة والمجتمع تبدو أية ثقافة بمثابة فعل اجتماعي، وفي الوقت نفسه ثقافية بالدرجة الأولى. وفي المحصلة تقوم الثقافة بمهمة تأمين لحمة المجتمع، وبالمقابل لا يؤمن أي فعل ثقافي بقاءه واستمراره الا عبر المجتمع نفسه. إن المهمة الأساسية لأية ثقافة، كما يقدمها كوك تتمثل في التعبير عن وظيفة مزدوجة، فهي من جهة تؤمن «بناء صورة جماعية للانسانية» وتساعد من جهة اخرى «مجموعة ابناء المجتمع في الاستمرار بالحياة المشتركة». هذه الوظيفة المزدوجة تتطلب تأمين خمسة أبعاد أساسية للثقافة يتم تحديدها بالبعد الاقتصادي، بالمعنى العريض للتعبير فإذا كانت احتياجات الحياة هي ذات أصل «طبيعي» فإن وسائل تلبيتها هي بالاحرى «ثقافية». البعد الثاني يتعلق بالمعارف، إذ ان الانسانية تقيم مجموعة معارفها على قاعدة الواقع. والبعد الثالث يشمل وسائل التعبير والاتصالات ذات الطابع الثقافي مثل اللغة والفنون، وبعد رابع يخص مجمل صيغ الحياة الاجتماعية مثل الروابط العائلية والاجتماعية والقوانين وأشكال الحياة السياسية، أما البعد الخامس والأخير فيخص مجمل العناصر الرمزية لما يعطي معنى للحياة الانسانية مثل المعتقد الديني والايديولوجيات والفلسفات ومنظومات القيم الاخلاقية. وما يتم التأكيد عليه ضمن هذا النهج من التحليل هو القول بأن «رجحان» أي بعد على حساب الابعاد الأخرى إنما يمكن ان يؤدي الى صيغة ما من الشمولية «التوتاليتارية». إن مثل هذا الخلل هو الذي يمكن ان يحمل في طياته التوجه نحو «البربرية». هكذا مثلا منحت الستالينية لأصحاب القرار السياسي ان يكونوا ايضا أصحاب القرار في المشارب العلمية ايضا مما أدى عمليا الى تدمير البحث العلمي. والمطلوب في مواجهة مثل هذا «الانجراف» هو ايجاد نوع من التوازن بحيث يمكن لكل بعد من أبعاد الثقافة ان يتطور حسب «الصيغ الخاصة به». بالمقابل هناك سؤال كبير طرحته «الحداثة» على المجتمعات الغربية المتقدمة ويمكن صياغته بالشكل التالي: هل ماتت فكرة التقدم؟ إن العديد من الباحثين الذين يسوقهم «كوك» في اجاباته على «ايزابيل ريشبي» يؤكدون بأن الايمان بمستقبل افضل دائماً إنما قد انهار بعد ان استمر في القرب عدة قرون بدءا من الثورة الصناعية الكبرى في القرن السابع عشر وحتى نهايات القرن العشرين. ويكمن السبب الأساسي في هذا الانهيار الى ادراك الاسقاطات السلبية للتقدم وخاصة تلك المتعلقة بالتكنولوجيات وهذا ما يتم التعبير عنه كثيرا عبر القول بأن هدف العلم كان ولفترة عدة قرون هو السيطرة على الطبيعية بينما اصبح المطلوب اليوم هو السيطرة على العلم ذاته؟ وخاصة في عدة مجالات حيوية في مقدمتها التقنيات البيولوجية وعلوم المورثات وضمن هذا الاطار يمكن القول ايضا بأن «البربرية» التي شهدها القرن العشرين الاوروبي انما جعلت من التكنولوجيات والعلوم وسيلة كي تكون اكثر مضاء وفاعلية بعيدا عن كل «الوعود» التي ارتبطت بالتقدم العلمي، التكنولوجي وضمن هذا الاطار ايضا يتم اعتبار الارهاب بمثابة «صيغة جديدة للفكر الشمولي، التوتاليتاري» ولعل احد اكثر التوجهات الشمولية خطرا على المستقبل هو ما نشهده وباسم العولمة من انتقال من «الحضارات» بصيغة «الجمع» الى محاولة فرض الحضارة بصيغة «المفرد».