بيان الكتب: روبير سوليه من مواليد مدينة القاهرة حيث عاش حتى بلغ السابعة عشرة من العمر غادر بعدها الى باريس للاقامة «نهائيا» سبق له ونشر العديد من الاعمال التي اعاد فيها كلها رسم الاجواء المصرية كما عاشها وحملها في ذاكرته. كما يبدو في رواياته «الطربوش» و«مملوكة» و«المزاج» روايته الاخيرة التي نشرها خلال العام الماضي، وله ايضا عدة كتب اخرى ابرز فيها هواه المصري مثل «علماء نابليون» و«مصر الهوى الفرنسي» و«حجر رشيد». الكتاب الجديد «قاموس الحب في مصر» يأتي ضمن النهج نفسه وكانت دار نشر «بلون» قد اختارت روبير سوليه كي يقوم بكتابة هذا «القاموس» كعمل في سلسلة تحمل العنوان نفسه وقد صدر منها حتى الآن ، بالاضافة الى هذا الكتاب عمل آخر هو «قاموس الحب في الهند» الذي اعده جان كلود لاكاريير الذي كان قد كتب سيناريو «مهابهاراتا» و«قاموس الحب في اليونان» الذي كتبه جاك لاكاريير الذي قدم عملاً رائعاً عن مكانة الحب في بلاد سقراط وافلاطون. وفي هذا الكتاب القاموس يحاول «روبير سولييه» ان يعطي تعريفاته وتحليلاته لموقع الحب في البلاد التي ولد أو امضى فيها سنوات شبابه الاولى، هذا مع العلم بأنه من اصول سورية كاثوليكية يونانية وكان قد غادر مصر منذ سنوات الخمسينيات في القرن الماضي. يبدأ سوليه حديثه في «الحب بمصر» عن «الاسماعيلية» الحي القاهري الذي يبدأ اسمه بحرف الالف.. وهو الحي الذي كان روبير قد رأى النور فيه هذا بالطبع شكل مناسبة للحديث عن ذكريات بعيدة محفورة في وجدان صاحبها الذي يكتب بكثير من الحب والحنين الى ملاعب الطفولة.. وينتهي الكتاب بالحديث عن سعد زغلول احد اكبر شخصيات الشارع المصري الحديث واحد آباء النزعة الوطنية المصرية كما يقدمه المؤلف. وما بين الاسماعيلية وسعد زغلول يتحدث روبير سوليه عن اشياء كثيرة تلخص في واقع الامر التاريخ المصري عبر بعض المحطات الرئيسية، انه يرسم كواليس الحياة السياسية والاجتماعية المصرية وخاصة في ظل الخديوي اسماعيل الذي اراد ان يجعل من العاصمة القاهرة مدينة تضاهي باريس «انفتاحا على العالم الخارجي» وعلى «التنوير».. كما ازدان بربط البحر الابيض المتوسط بالبحر الاحمر.. ومن هنا جاء مشروع شق قناة السويس الذي اشرف على تصميمه وتنفيذه جزئيا المهندس الفرنسي فيردناند ديلسبس. وحول الاسكندرية يرسم المؤلف صورة لحياة الناس في المدينة وطريقة اختيار الشركاء لمن سوف يعيشون معاً.. كما يتعرض لدور بعض النسوة ذوات السن المتقدمة في تأمين الزيجات ومحاولة جمع القلوب انهم بشر عاديون تشكل العواطف احد نقاط الارتكاز الاساسية في حياتهم، لكن سوليه يقدم حياة الناس وعلاقاتهم ضمن سياق تطورها التاريخي. ومن السمات الاساسية التي يتميز فيها هذا العمل «الموسوعي» واقع ان مؤلفه يكتب بكثير من البساطة والعمق في الوقت نفسه. اذ يبدو من الواضح بأنه يكتب من موقع الذي يعرف الموضوع الذي يتحدث عنه وان كان الطابع الشخصي يتدخل احيانا كثيرة.. لكن هذا لا يمنع تقديم روبير سوليه للمعلومات الضرورية التي قد يريد القاريء الغربي غير المختص معرفتها عن مصر وحضارتها العريقة. ولعل ما يقدمه المؤلف تحت باب «مزاج» وعلى مدى صفحات قليلة فقط ما يبين بوضوح الذهنية التي كتب فيها روبير سوليه هذا القاموس عن الحب في مصر. تجدر الاشارة هنا الى ان المؤلف كان قد اعطى عمله الروائي الأخير عنوان «مزاج» وضمن اطار الحديث عن المزاج السائد في مناخ الحب بمصر يتعرض المؤلف لعدد من المفاهيم الاساسية كما عرفتها الحقب المتعاقبة مثل مفهوم «المتعة في الحب» و«المشاركة» وكل شيء بـ «مزاج» ولكن دون نسيان «الواجب». «قاموس الحب في مصر» هو كتاب عن التاريخ المصري عبر تطور مفاهيم الحب والعلاقات الانسانية في بلاد وادي النيل.. ولكنه ايضا وربما اساسا كتاب يسمح لصاحبه بأن يفصح عن «حبه» لمصر التي لاتزال تعيش. كما يبدو من خلال القراءة بين السطور في اعماقه.. وبهذا المعنى انه لا يكتب عنها من موقع الحنين فقط، وانما بالاحرى على اساس انتمائها لـ «الذاكرة الحية» وهذا ما برهن عليه روبير سوليه في جميع اعماله الروائية ودراساته العديدة