بيان الكتب: «ومن الحب ما قتل».. ينطبق هذا القول ـ مع بعض التجاوز طبعا ـ على العلاقة التي ربطت بين مؤلف هذا الكتاب الصحفي الجزائري محمد عباس والشخصية موضوع الكتاب وهي الرئيس الراحل محمد بوضياف.. لقد بدأت هذه العلاقة فعليا غداة حوادث اكتوبر 88 بالجزائر حيث تعرف عباس على «المناضل الكبير» بوضياف وهو ما اسفر عن خمسة أحاديث مطولة. كان اخرها في 2 مارس 1992. وازاء حالة الاعجاب والتقدير الشديدين بشخصية بوضياف فقد راح المؤلف يتطوع بقيادة حملة تدعو الى عودته الى الجزائر، واتخذت الحملة شكلا منظما تحت عنوان «الف بطاقة من اجل عودة المجاهد محمد بوضياف» وهو ما جعله محط الانظار لدى قيادة النظام في الجيش للخروج من مأزقها فكان الاستدعاء وما تلى ذلك من احداث مأساوية انتهت باغتياله! وعلى مدى ثمانية فصول مادتها الأساسية احاديث وحوارات مختلفة بعضها اجراها المؤلف وبعضها الاخر لصحفيين اخرين يستعرض محمد عباس موضوعه عارضا لقصة حياة ونضال بوضياف. وهي تكشف عن حس وطني وكفاح من اجل الاستقلال.. فقد شارك بدور كبير في مناهضة الاستعمار الفرنسي من خلال المنظمة الخاصة، الجناح لحزب الشعب الجزائري، ثم ازاء اختلاف الفرقاء بعد الاستقلال اسس اول حزب معارض في سبتمبر 62 هو حزب الثورة الاشتراكية واتخذت معارضته لـ «بن بيلا» اشكالا مختلفة بين السرية والعلانية واعتمد نضاله مبدأ النضال الجماهيري السلمي بالارتكاز اساسا على العمال والفلاحين والفئات الدنيا من البورجوازية. ومع الانقلاب على «بن بيلا» وارتياحه لهذا التطور «يونيو 65» فقد واصل نضاله بروح بالغة الحرص على مصالح الجزائر وشعبها تارة بواسطة حزبه وتارة بالتنسيق مع اطراف معارضة اخرى. غير انه مع مطلع السبعينيات وفيما بدا يأسا من مسيرة الحياة السياسية بالجزائر قرر الاستقرار بمدينة القنيطرة المغربية بعد سنوات من الطواف بين أوروبا والمغرب ليعيش من جديد حياة الكد والعمل. وفي البداية حاول ان يمتهن الفلاحة لكن تجربته لم تكن مشجعة وهكذا قام سنة 72 بشراء معمل للاجر بضواحي القنيطرة قام على ادارته بنفسه. ورغم ذلك لم يتراجع اهتمامه بالجزائر فقد كان دائم الانشغال بالجزائر، وظل هذا الهم يلازمه حتى بعد ان انقطعت علاقاته برفاقه في حزب الثورة الاشتراكية عام 1980، حيث كان بمثابة حركة اقلية تعمل في الخفاء ودون امكانيات في ظل انسداد منافذ الحوار السياسي، وهو ما دعاه في ذلك العام الى تجميد نشاطاته في انتظار ظروف افضل بعد نقد ذاتي وصارم ومراجعة عميقة للنفس. ويعرض المؤلف لبعض جوانب شخصية بوضياف فيشير الى انه على عكس ما يتوقع الكثيرون الذي كانوا يعتقدون انه اقرب الى الالحاد قام باداء فريضة الحج عام 87، وخلال رحلته هذه رفض عرضا للقنصلية الجزائرية بالاقامة في مكان مناسب على نفقة السفارة، وكذلك الامر في المدينة المنورة. انطلاقا من هذا الجزء الذي يعد تمهيديا ينطلق بنا المؤلف من مادية حوارية ـ وليست معدة خصيصا للكتاب ـ الى المرحلة الاهم في حياة بوضياف بل والجزائر.. هي التي بدأت بأحداث اكتوبر 1988 وتواصلت تجلياتها بأشكال مختلفة حتى وصلت بالبلاد الى مرحلة اشبه بالحرب الأهلية. لقد عاشت الجزائر ابتداء من 15 اكتوبر 1988 حوادث دامية استمرت قرابة اسبوع بالجزائر العاصمة وعدد من المدن الكبرى، وهي حوادث اثارت بوضياف في منفاه ورأى فيها انتفاضة شعبية حقيقية، وبحسه الوطني عبر عن خشية ان تدخل البلاد في دوامة العنف الرهيبة التي لا تبقي ولا تذر، وهو ما كان. وكان بوضياف يرى في الاحداث ـ حسبما يشير الكتاب ـ برهان على ان الشعب الجزائري لا يزال حيا ومستعدا للكفاح في سبيل حقوقه ومستقبل ابنائه، ويؤكد ان مفتاح المستقبل في الجزائر انما يكمن في اقامة نظام على اساس من الديمقراطية الواعية والمثقفة. واذا كانت احداث اكتوبر قد ادت الى ما هو معروف على مستوى الجزائر فانها بالنسبة لبوضياف كانت البداية الحقيقية لعودته الى الحياة السياسية ثم اغتياله. فقد تواصلت حالة عدم الاستقرار حتى انفجرت مع الانتخابات التشريعية في 26 ديسمبر 91 والتي فازت فيها جبهة الانقاذ الاسلامية وتم استبعادها وهنا يشير وزير الدفاع اللواء خالد نزار الى ان خلية الازمة التي تم تشكيلها بعد الانتخابات توقعت استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد فكان أمامها خياران وهما اما اعلان حالة الطوارئ مع تولي الجيش مقاليد الحكم مباشرة او اعتماد حل مرحلي بقيادة جماعية اكثرها من المدنيين وكانت الافضلية للخيار الثاني.. لكن السؤال كان: من يترأس القيادة الجماعية؟ فكان الاختيار لرجل لا يثير حفيظة اية جهة. بمعنى آخر ان بوضياف كان ورقة اللواء نزار الاولى والاخيرة، وهو ما كان. غير ان بوضياف اوقع العسكريين في ورطة برفضه خاصة ان ذلك جاء مباشرة بعد اعلان استقالة الرئيس الشاذلي مساء السبت 11 يناير 1992 ما أدى اللواء نزار الى ممارسة كل الضغوط الممكنة لإثناء بوضياف عن موقفه وهو ما كان. لقد كان بوضياف غير مرتاح لهذه التطورات غير انه يبدو ان العسكر كانوا يدركون نقطة ضعف لديه اشار اليها اخوه في حديث له وهو ان بوضياف اكد له انه لن يعود الى الجزائر إلا كرئيس.. وفي مشهد الرحيل من المغرب راح يؤكد لزوجته شكوكه قائلا: «كل هذه الحفاوة لن تمنعهم من اغتيالي.. فلا ثقة لي في هؤلاء.. كل املي ان يمهلوني بعض الوقت». وظل متصورا انه في مهمة مؤقتة لذا كان يفكر دائما في العودة الى القنيطرة.. فكان وصوله الجزائر في 16 يناير 92 متصورا ان مهمته تنحصر في «وضع القطار على السكة» وتأهيل حكومة من الشباب لتسليم قيادة القاطرة على ان يعود بعد ذلك من حيث أتى. وبدأ بوضياف بالفعل يشعر بخطورة الوضع بعد شهرين ونصف تقريبا، حتى انه عاد في تلك الفترة الى القنيطرة وفكر في عدم الرجوع الى الجزائر وبالفعل اغتيل بعد 40 يوما بالضبط من رحلته الى القنيطرة. لقد شعر بوضياف حسب سياق حديث زوجته بما يدبر له في عنابة حيث اغتيل.. فقد اتصل به احد الافراد سرا وطلب منه عدم السفر الى عنابة لان حياته ستكون في خطر. ويعرض المؤلف لبعض الجوانب التي تؤكد المؤامرة ومنها اطلاق النار على سيارة الاسعاف التي اقلته الى المستشفى، فضلا عن كونها سيارة اسعاف حقيقية، الى جانب انها ضلت الطريق الى المستشفى ليكون آخر من يصل من المصابين بغية ان يلفظ انفاسه الاخيرة في الطريق. ولكن لماذا الاغتيال؟! هنا يشير محمد عباس الى ما يعتبره ثلاث قضايا ساهمت في قتل بوضياف وفي فكرة التجمع الوطني، التغيير، الفساد. فلقد كان بوضياف يؤمن بفكرة التجمع الوطني ووجه للشباب الدعوة للانخراط في التجمع باعتباره اداة للتغيير الجذري، وهو حركة شعبية تشكل اطارا لمعركة حاسمة في سبيل التجديد والتغيير الجذري وهو ما قد يكون الجهاز العسكري معه يشكل خطرا عليه. اما بالنسبة للتغيير.. فقد كان بوضياف يحمل في ذهنه مشروعا طموحا بعد ان أقنعه من اعاده بأنه «رئيس كامل الصلاحيات» وكان ينظر للتغير باعتباره فرصة تاريخية لخلاص الجزائر، ويشمل هذا التغيير الاشخاص والمؤسسات التي يمكن ان تتحول بدورها الى عنصر فاعل في حركية التغيير. وأكد على هذا الاساس عزمه مراجعة الدستور وتنظيم انتخابات رئاسية ثم تشريعية مشيرا الى اعداء التغيير، مؤكدا على انه على يقين ان بعض المسئولين لا يريدون مصلحة الامة لان لهم امتيازات لا يريدون التخلي عنها. وكان مقررا لمسلسل التغيير ان يبدأ في الحكومة والمؤتمر التأسيسي لحركة التجمع الوطني.. لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.. فقد توقف المسلسل قبل ان يبدأ. اما الفساد فقد كان بوضياف شديد الانشغال بالفساد المستشري في اجهزة الحكم وكان يرى في هذه المعضلة احد العوامل الرئيسية في الازمة الجزائرية. في البداية حاول التظاهر بمهادنة المفسدين، ثم اتخذ خطابه لهجة واضحة وصريحة، منددا بالقوى التي تعرقل جهود السلطة من احداث التغيير الحقيقي المطلوب. فكان الاغتيال الذي جرت محاولة إلصاقه بتيار سياسي معين، وليدفع بوضياف بذلك حياته ثمنا لأفكار اعتقد بصحتها وطريق آمن بأنه الوحيد لخلاص الجزائر. مصطفى عبدالرازق