بيان الكتب: حقق علم الوراثة في السنوات الأخيرة طفرة كبيرة جدا.. الأمر الذي جعله عاملا مشتركا في جميع الأمراض والصفات الطبيعية والمرضية. ومع تقدم هذا العلم أصبح من الضروري الاجابة على التساؤلات الكثيرة الملحة التي تفرض نفسها حول دور الوراثة في كثير من النواحي في حياة الانسان الطبيعية والمرضية وكيفية الوقاية من الأمراض الوراثية. وفي محاولة جادة للاجابة على هذه التساؤلات الملحة.. تقدم لنا الدكتورة إكرام عبدالسلام كتابها المهم: الوراثة بين الصحة والمرض. تؤكد المؤلفة في البداية أن كثيراً من الصفات الوراثية سواء الطبيعية أو المرضية.. تتأثر بالعوامل البيئية.. ومن أمثلة الصفات الوراثية التي تتأثر بالعوامل البيئية: الذكاء، طول القامة، ضغط الدم، تصلب الشرايين، بعض أمراض القلب، السكر، قرحة المعدة، بعض أنواع التهاب المفاصل، الحساسية، الربو الشعبي، الأمراض النفسية مثل انفصام الشخصية وعيوب القلب الخلقية.. ويمكن التعرف على هذه الصفات بحدوثها في الأقارب بنسبة أكثر من حدوثها في غير الأقارب.. وتزداد نسبة حدوثها بازدياد نسبة القرابة.. ويساعد دراسة التوائم في تحديد نسبة الوراثة في هذه الأمراض.. إذ أن التوائم غير المتماثلين يختلفان عن بعضهما مثلما يختلف الاخوات.. في حين أن التوائم المتماثلين يتفقان تماما في صفاتهما الوراثية.. وبالتالي فإن الصفات الوراثية التي لا تتأثر بالعوامل البيئية تظهر في التوأمين المتماثلين بنفس الدرجة.. أما الصفات الوراثية التي تتأثر بالعوامل البيئية فتختلف باختلاف البيئة لكل فرد من التوأمين.. وتختلف نسبة ظهور هذه الصفات باختلاف قوة تأثير العامل الوراثي.. فالصفات التي تتحكم فيها الجينات الوراثية بنسبة أكبر من العوامل البيئية مثل: أمراض انفصام الشخصية والربو الشعبي والسكر.. تظهر حتى مع وجود عوامل بيئية بسيطة.. ويكثر انتشارها في الأقارب.. أما الأمراض التي يكون تأثير العامل الوراثي فيها ضعيفا: مثل أمراض عيوب القلب الخلقية وقرحة المعدة.. فلا تظهر إلا اذا تعرض الشخص أو الجنين لعوامل بيئية شديدة.. وغالبا ما تظهر بنسبة بسيطة في الأقارب. ومعرفة طبيعة المرض الوراثي له أهمية خاصة في الوقاية.. إذ أن هذه الأمراض يختص كل منها بعوامل بيئية معينة تساعد على ظهوره.. ولذلك يمكن تجنب هذه العوامل البيئية أو بعضها حتى لا يظهر المرض أو يظهر بصورة بسيطة.. فمثلا اذا أمكن معرفة أن الشخص عنده استعداد وراثي للاصابة بمرض السكر يمكنه تفادي التعرض للضغط النفسي أو الارهاق أو السمنة الزائدة أو الاكثار من أكل السكريات.. وبالمثل في الذين عندهم استعداد وراثي للاصابة بأمراض القلب أو تصلب الشرايين يمكنهم تفادي الارهاق والضغط النفسي وأكل الدهنيات. وتتحدث المؤلفة عن أكثر الأمراض الوراثية شيوعا.. موضحة أنها تنحصر في ثلاثة أمراض خطيرة: - أنيميا البحر الأبيض المتوسط، الثلاسيميا: وهي أحد أمراض الدم الوراثية.. وتنتشر بكثرة في البلاد المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط مثل: ايطاليا واليونان وقبرص وشمال افريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.. وينتج المرض من طفرة في الجينات التي تكون الجلوبين، يتكون الهيموجلوبين من جلوبين وحديد، تؤدي الى تكوين هيموجلوبين غير طبيعي وغير قادر على حمل الاوكسجين بكمية كافية الى أنسجة الجسم المختلفة.. ويرث الطفل عادة هذه الجينة المرضية من كلا الوالدين.. وغالبا ما يكونان أقرباء فيصاب بالمرض في حين أن الوالدين حاملا المرض لا تظهر عليهما أعراض إلا بالتحاليل المتخصصة. والطفل المصاب لا تظهر عليه أعراض المرض عادة إلا بعد ستة شهور من عمره.. فيبدأ في الشحوب التدريجي أو الفجائي الشديد.. ويحتاج لنقل دم متكرر بما فيه من خطورة انتقال بعض الفيروسات في الدم مثل: فيروس الكبد الوبائي ب أو ج أو فيروس الايدز.. كما أن تكرار نقل الدم يؤدي الى ترسيب مادة الحديد في أعضاء الجسم المختلفة مثل: الكبد والبنكرياس والقلب.. مما يتسبب في اصابة المريض بالبول السكري أو الهبوط في القلب. - التخلف العقلي: وهو ليس مرضا واحدا.. ولكنه عرض لعدة أمراض ذات بعد طبي واجتماعي.. ويتميز في القصور في الاداء نتيجة تأخر ملحوظ في العناية بهذه الفئة وتغير الفهم الخاطئ من عزل الطفل المتخلف الى محاولة اختلاطه بالمجتمع لتصبح حياته شبه طبيعية.. وبذلك تغير المفهوم لدرجات التخلف من بسيط 5070% ومتوسط 3549% وشديد 2034% وشديد جدا أقل من 20%.. الى نسبة المساعدة التي يحتاجها هذا الطفل.. فأصبح التخلف العقلي يقسم الى درجات حسب الاحتياج للمساعدة على فترات متباعدة.. أو الاحتياج للمساعدة المحدودة.. أو الاحتياج الى مساعدة متشعبة.. أو الاحتياج الى مساعدة دائمة. وأسباب التخلف العقلي كثيرة ومتشعبة.. منها الوراثية.. ومنها البيئية.. وقد ترجع أسبابه الى ما قبل الحمل اذا كان أحد أو كلا الوالدين حاملا لجينات بها طفرة مرضية أو حاملا لاختلال كروموزومي إما وراثي أو نتيجة تقدم سن الأم أو الأب. - الطفل المنغولي: له ملامح مميزة في الوجه واليدين.. مع قصر القامة نتيجة اختلال في الكروموزومات التي تحمل وتحتوي خلايا جسمه على 47 كروموزوما بدلا من كونها 46 في الشخص الطبيعي.. وذلك نتيجة زيادة في الكروموزوم رقم 21.. ومعظم حالات الطفل المنغولي تكون نتيجة طفرة تؤدي الى اختلال في انقسام الكروموزومات أثناء تكوين بويضة الأم في حوالي 80 الى 90% من الحالات.. وغالبا ما يكون سن الأم فوق 35 سنة أو الأب فوق 45 سنة. وتشير المؤلفة الى عدد من النصائح الهامة التي تفيد في تجنب الاصابة بالأمراض الوراثية: - أولا: قبل الزواج، حيث يجب على المقبلين على الزواج طلب الاستشارة الوراثية من المتخصصين خاصة اذا كان بينهما قرابة.. وكلما زادت القرابة زادت الحاجة للاستشارة.. لأنهما في هذه الحالة يشتركان في نسبة أكبر من الجينات الوراثية.. خاصة اذا تكرر زواج الأقارب في عائلتيهما في الأجيال السابقة.. ويمكن للمستشار الوراثي باستعراض شجرة العائلتين وعمل التحاليل اللازمة اكتشاف اذا كان أحد أو كلا الطرفين حاملا لأي جينة مرضية. - ثانيا: قبل الحمل: إذا لم يتيسر طلب الاستشارة الوراثية قبل الزواج.. فيجب طلبها قبل الحمل خاصة في زواج الأقارب.. أو اذا كانت الزوجة قد تعرضت للاصابة بأمراض فيروسية أو تناولت عقاقير بصفة منتظمة.. مثل أدوية الصرع.. أو اذا كانت تعاني من مرض البول السكري.. أو اذا كانت مختلطة بحيوانات أليفة مثل القطط والكلاب. - ثالثا: اثناء الحمل: اذا حدث الحمل ولم يكن الوالدان قد طلبا استشارة وراثية قبل ذلك.. فالوقت ليس متأخرا.. وما زال هناك متسع للاستفادة من الاستشارة الوراثية.. هذا يبدو ضروريا اذا كان سن الأم عند الحمل أكثر من 35 سنة.. لأن ذلك يزيد من احتمال اصابة الجنين بأمراض اختلال الكروموزومات وأشهرها مرض الطفل المنغولي.. ومع تقدم الهندسة الوراثية أمكن الآن التشخيص المبكر للجنين من أي مرض وراثي. - رابعا: بعد الولادة: فحص المولود فحصا طبيا دقيقا يعتبر من واجبات طبيب الأطفال الذي حضر الولادة.. ولكن على الأم ألا تتأخر في طلب النصيحة اللازمة اذا لاحظت أية ظواهر غير طبيعية على الطفل مثل: الزرقة أو التشنجات أو اليرقان، الصفراء، أو ضعف بكاء الطفل وضعف حركته أو ضعف قدرته على امتصاص الثدي أو وجود اسهال شديد مستمر خاصة بعد الرضاعة.. فقد تدل هذه الأعراض على وجود مرض وراثي أو عيب خلقي. - خامسا: في السن المدرسي: يجب على الأم عدم اهمال تأخر الطفل في التحصيل المدرسي.. خاصة اذا كان ذلك مصحوبا بالحركة الزائدة وعدم التركيز أو ضعف الذاكرة.. فقد يكون ذلك نتيجة اختلال في الكروموزومات أو نتيجة مرض وراثي.. كذلك يجب عدم اهمال الهدوء الزائد أو الانطواء. مصطفى علي محمود