بيان الكتب: كثيرة هي الأقلام الأنثوية الجديدة، التي دخلت عالم الأدب في الآونة الأخيرة، بعضها موسوم بملكة الإبداع، والبعض يحاول امتلاكها عبر صقل التجربة، والباقي لا يأبه بالفشل والتقريع ونتساءل في إطار هذه الترسيمة أين تقع المجموعة الشعرية الأولى لندى منزلجي «قديد فل للعشاء» التي صدرت لتوها عن دار المدى بدمشق، ومن خلالها كيف تصعد هذه الشاعرة السورية الجديدة إلى سماء الشعر، وما هي أدوات تحليقها ؟ منذ العنوان نلمس خصوصية الصوت، فالفل لا يقدد وهذه الاستعارة تعني أن الحياة قد غادرتها الأفراح والروائح، وباتت تعوم على بحر الذكريات وأحلام اليقظة، وهذا العنوان الذي ينهض ما بين تجريد عال وحسية صرفة، يسحب مناخه وتقنياته على قصائد المجموعة كلها ونقتبس المقطع التالي للتدليل : بي حنين / أرتضيه / أتقلب في باطن مخمله على سواد وثير/ يقرأ منه العابرون / قبل أن تطفو أهازيجي في الهواء / يسقط قلبي ثقيلا على الأرض. قصائد المجموعة الثماني والعشرين متوسطة الطول، مشدودة الخيوط، تجيد سبك الصور ونحت البلاغات بلغتها الرشيقة المصقولة والمصنعة بعناية محترف، قصائد توقظها تفاصيل الحياة العادية، من مقعد الدرس وأطباق الطعام إلى وحشة الجدران، لكنها حين تعتلي زهرة الحواس، تكنس عنها غبار المعتاد، وتدخل في مجرات المجاز، تدور وتلتف، ترسم ظلالا وأبعادا تخص أعماق الأنا الشاعرة وحدها، وتميز صوتها عن الآخرين: أرتب في صحن المقبلات حدودي / كي لا أضيع فيك. تمسك الشاعرة بتلابيب اللغة تقلبها كيف تشاء، تعجنها وتطبخها على نارها الهادئة، أنثى تفوح من كلماتها روائح شبق عصي، تواريه بين السطور وخلف التشابيه والاستعارات، فيبدو محرضا قويا لاستدارات القصيدة : آهة تتفتق خيوطها / فاندلق عذبا / طعم العسل / ذاكرة. أنثى تقص حكايا عشقها وعزلتها وهمومها الخاصة، لكنها لا تنسى في بعض مقاطع شعرها أن تخطو بعيدا خارج دوائر الذات والجسد : المدينة/ التي/ أضمر اسمها / عاصمة الزجل/يشطرها بحر / يطير فوق صحاريها حمام/يولد أطفالها /في أفواههم ملاعق ملح/ يطبقون عليها بإحكام/إلى الأبد. تتناوب القصائد تقنيتا القص والتداعي، فتتركان للمكان والزمان حرية التنقل، وتتركان للكلمات والصور حرية الحركة والعبور بين الحالات، وبذلك تتكاثف مرشحات القصيدة وتتعدد تضاريسها ومناخاتها ما بين : الإفصاح والتورية، البسيط والرمز، الواقعي والمتخيل، ليصبح الاسترسال والتطويل عاملا جذب، يتدفق عبرهما المعنى ومضة قصيرة تستدرج الأخرى، جمل مختزلة وأفعال وحيدة تربط أطراف القصيدة وحالاتها : حائر بي/ يتنزل من عليائه/ كي أرتقيه وإذ تقودنا ندى في مجموعتها البكر، إلى جنتها وجحيمها الداخليين، فإنها تفعل ذلك بكثيرمن الحساسيات الشعرية المرهفة، التي توحي ولا تفصح عبر بحثها الحثيث وعثورها على معادلات شديدة العذوبة والرقة للقول والتوصيف دون تكلف في اللغة أو افتعال للمشاعر، وليس في الختام أفضل من شهادة شاعر كبير مثل نزيه أبو عفش في شاعرة تعلن للتو دخولها إلى ساحة الشعر، إذ كتب في تقديم هذه المجموعة: «قصائدها ليست مجرد وعد بالانتساب إلى عائلة الشعر إنها منذ الآن حاضرة في وسط البيت نجمة ولؤلؤة تزين شجرة العائلة». تهامة الجندي