لم تعرف مسيرة الأدب في تاريخ هذه الأرض، امة عنيت ببلاغة الكلام وفصاحة البيان، كالأمة العربية، على مدى عمرها الطويل العريق، الممتد عبر التاريخ قبل الاسلام وبعده. وقد وجه المثقفون والمتعلمون اهتمامهم نحو البحث والتأليف لأول مرة، الى الكتاب الكريم (القرآن)، الذي حمل الاعجاز الباهر والبلاغة العالية، التي تأخذ بالاسماع، فكانت البداية ممثلة بكتب «غريب القرآن، وقراءاته، ومجازه، وتفسيره، وكتب معاني الحديث ومجازه وغريبه». ثم اتجه البحث الى الشعر وشروحه ومعانيه، واشتهر في هذه المسيرة الابداعية عدد غير قليل من الخطباء والكتاب، تميزوا بالبراعة والاجادة، فكانوا المثل الانموذج في اساليبهم البلاغية الرصينة، واستعمالاتهم الفصيحة المتقنة. لكن الاستفادة من تلك النماذج البيانية، كانت محصورة بفئة معينة من المتعلمين، هي اضيق الفئات عددا، واقلها انتشارا في تلك العصور، اما الغالبية العظمى من الناس، ونعني بها اولئك الذين لم تتح له فرصة التعلم، او لم يكونوا متجهين نحو التخصص في هذا الفن، والتعمق في اجادته، فبقيت غير قادرة على الكتابة وحسن الصياغة. وقد احس احد عشاق الكلمة البليغة بهذا النقص، او بهذه المشكلة التي يعاني مشقتها هؤلاء، فانبرى للقيام بسد هذا الفراغ، فوضع كتابا يرجع اليه الناس في لحظات الحاجة، ليجدوا فيه مايريدون ، ويتعلموا منه او يقتبسوا منه ما يشاؤون، مما يحقق اغراضهم في هذا المجال، وييسر عليهم ذلك كل التيسير، فكان كتاب الفصول الأدبية. مؤلف كتاب «الفصول الأدبية» «ابو القاسم الصاحب اسماعيل بن عباد» المولود سنة «326 هـ ـ والمتوفى سنة 285 ه». نشأ كاتبنا وشب في «اصبهان» واتصل في مطلع شبابه بأبي الفضل «محمد بن الحسين» الشهير «بابن العميد» وزير ركن الدولة بن بويه. ثم اختاره ابن العميد كاتبا له، كما ان الامير «ابا منصور» مؤيد الدولة، قد اختاره، كاتبا ومرافقا له، حينما زار بغداد سنة 347 ه. وانطلاقا من الثقافة الادبية المتعددة الاطراف والجوانب، برع «ابن عباد» في حقلي النثر والشعر، ومارس التأليف في تلك المجالات التي درسها واتقنها واجاد فيها، وقد طبع له من المؤلفات في الحقول الأدبية، اكثر من خمسة عشر كتابا، ويذهب الدكتور، شوقي ضيف الى ان «ابن عباد» كان أحد اساتذة البلاغة في عصره، بينما قال « الثعالبي» ان «الصاحب ابن عباد» بلغ من البلاغة ما يعد من السحر. اما مضمون كتاب «الفصول الادبية» فقد ورد في صفحته الاولى انه: «من كلام الشيخ الفاضل الاديب الوزير ابي القاسم اسماعيل ابن عباد الصاحب». وقد قسم المؤلف كتابه الى خمسة عشر بابا، تبعا للمناسبات المختلفة المتعددة في اغراضها. فقد جاء الباب الاول في التلطف، والباب الثاني في التسبب، والثالث في التشوق والفراق، والرابع في المواصلة واستدعاء الكتابة، والخامس في انقطاع الكتب والسادس في التهاني والسابع في التعازي، والثامن في الوصية، والتاسع في الفتوح والعاشر في الاعتذار .. الخ. وهكذا جاءت المواضيع في ابواب مختلفة تبعا لاختلاف هذه المواضيع، كما انه قسم كل باب من الأبواب، الى فصول، فقد قسم الباب الاول، وهو باب التلطف الى خمسة عشر فصلا، ذاكرا في احد هذه الفصول، فصل في توجيه التلطف الى من هو مثلك، وفصل آخر الى من هو دونك، وكذلك في الباب الثاني، الذي قسمه الى اربعة عشر فصلا، فذكر فصلا في التسبب الى من هو دونك، وفصل آخر الى من هو مثلك. اما في الباب السادس، وهو باب في التهاني، فقد جعل المؤلف الفصول باسماء معينة تبعا للغرض في التهاني، فهناك تهنئة بالقضاء، وتهنئة بالسلامة الى مثلك والى من هو دونك. اما في الباب السابع، والذي جاء في التعازي، فقد جعله المؤلف في خمسة عشر فصلا وفيه فصل بالتعازي الى من هو مثلك، والى من هو دونك. ولعلنا في شرح المؤلف في صدر كتابه، نلمس الدوافع الى وضع كتابه، فندرك الغرض الاساسي الذي دفع المؤلف لتقديم كتابه، فهو يقول: «فإني وجدت كل منحل باسم الكتابة، وداخل هذه الصناعة محتاجا الى لباس جمال من البلاغة والى زيادة بيان من الفصاحة، ليكون ذلك اعم فضيلة، ورأيت الناس على تباعد منازهم وتفاوت مراتبهم، وتباين طبقاتهم، لا يحيطون باستكمالها ولا يستغنون عن شيء من استعمالها، ولم يكن من قوة طبائعهم استيفاؤها، ولا في جودة قرائحهم استيداعها». إعداد ـ محمد سطام الفهد