بيان الكتب: ايف سنتومير هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس الثامنة وهو أحد الباحثين في مركز «مارك بلوك» في برلين سبق له وقدم كتاباً تحت عنوان «الديمقراطية المستحيلة، السياسة والحداثة لدى ويبر وهيرماس. أما «ماريون جريت فهي تقوم الآن بتحضير أطروحة دكتوراه حول «الديمقراطية التشاركية في الأرجنتين والبرازيل في معهد الدراسات العليا لأمريكا اللاتينية في جامعة السوربون الثالثة. أصبحت «بورتو اليجر» منذ عام 2000 بمثابة ملتقى لأولئك الذين يناضلون من أجل عولمة أخرى غير هذه السائدة ذات البعد الليبرالي المتطرف واقتصاد السوق والتي تخدم بشكل خاص مصالح بعض القوى والمراكز السياسية الأمريكية تحديداً وكذلك مصالح الشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي ترى في العولمة مجالا لغزو أسواق جديدة بعيداً عن أية عملية ضبط حقيقية. «بورتو اليجر» هي مدينة برازيلية اكتسبت منذ عام 2000 أهمية دولية متعاظمة، بلد صغير في البرازيل الكبيرة ذات الـ 160 مليون نسمة و «أرض التناقضات» كما يقول المؤلفان. انها أحد أكثر بلدان العالم تفاوتاً من حيث توزيع الثروة فيها فـ «الثروة الفاحشة» تتجاور مع «الفقر المدقع» والذي تسارع ايقاعه خلال العقود الأخيرة المنصرمة وفي عام 1990 مثلاً كان هناك 10% من الاغنياء الكبار يكسبون عملياً ما يعادل كل دخل بقية السكان. وفي عام 1988 فاز «حزب العمال» برئاسة بلدية «بورتو اليجر» في سياق أزمة مالية حادة كانت تعاني منها مختلف البلديات البرازيلية كانت المطالب الاجتماعية كثيرة وملحة وكانت المدينة تمتلك بالفعل بنية اجتماعية اقتصادية سليمة أكثر من غيرها من مدن البلاد لا سيما وأنها كانت قد شهدت منذ عام 1983 قيام اتحاد جمعيات احياء «بورتو اليجر» الذي جمع حركات المدينة الرامية إلى القطيعة مع الجمعيات الأخرى التقليدية القائمة على أساس القرابة والزبائن». باختصار أصبحت هذه المدينة تسمى «المدينة الحمراء» كما جاء في عنوان أحد فصول هذا الكتاب. مدينة «بورتو اليجر» هذه اختارت انتهاج ما أسماه مؤلفا الكتاب بـ «الديمقراطية التشاركية» وكانت هذه «الديمقراطية» منذ بداياتها بعيدة عن الاطروحات الايديولوجية المسبقة إذ تحلت بتوجه عملي «براجماتي» يشارك فيه المعنيون بصورة مباشرة أي بتعبير آخر جعل الديمقراطية أكثر جذرية ـ راديكالية، تعتمد على نوع من «مجالس الأحياء» التي تشكل نمطاً مختلفاً من الديمقراطية المباشرة هكذا غدت تجربة هذه المدينة البرازيلية وحيدة من نوعها في العالم من حيث الديمقراطية المطبقة فيها، إذ ان العلاقة تتقوى وتتعزز بين ممثلي المدينة وبين ناخبيهم بينما تتعاظم في المناطق الأخرى ظاهرة الابتعاد وازدياد الهوة بين رجال السياسة وعالمهم وبين المواطنين العاديين واهتماماتهم. ثم ان الميزانية التشاركية لمدينة «بورتو اليجر» التي أثارت بعض الأمل لدى شرائح من المعنيين بها مباشرة انما قد خلقت أملاً لدى أولئك الذين لا يروق لهم نموذج الديمقراطية التمثيلية البرلمانية السائدة في الغرب عامة. إن مؤلفي هذا الكتاب يحللان التجربة التي عاشتها ولا تزال تعيشها المدينة، وذلك بقصد استخراج الدروس منها، انهما يضعان الميزانية التشاركية في سياقها الاجتماعي في اطار السياسية البرازيلية العامة، وهما يعودان في شرحهما إلى الفترة الجنينية من تشكل هذه التجربة ثم شرح آليات عملها. إن الهدف وراء مثل هذا العمل يكمن في تبيين الكيفية التي تستطيع عبرها هذه الديمقراطية التشاركية الاجابة عن التحديات التي تواجهها المجتمعات الاستهلاكية عامة، ولكن هل يمكن بالفعل قيام ديمقراطية تشاركية حقيقية لا تؤدي على المدى المتوسط أو البعيد الى تشكل مجموعات صغيرة تحتكر لصالحها الخاص ما تعطيه السلطة من امتيازات؟ وهناك سؤال آخر يتعلق بامكانية الجمع بين تنشيط الحركات المنبثقة عن «المجتمع المدني» وبين تجنب وقوع هذه الحركات في «فخ البيروقراطية» وبالتالي قطعها عن أصولها الحقيقية؟ على مثل هذه التساؤلات كلها يؤكد المؤلفان على ان تجربة «بورتو اليجر» تقدم تقسيما جديدا للسلطات لا يكون المواطنون ممثلين فيه بمن ينوب عنهم وإنما يدلون هم بأنفسهم بآرائهم مباشرة في الأمور التي تخص مدينتهم وبالتالي تبدو التجربة المعنية بمثابة «مختبر» حقيقي يسمح بتصور امكانية قيام نماذج أخرى من الديمقراطية غير تلك السائدة في الغرب اليوم. أصبحت «بورتو اليجر» بعد سنوات من اتباع خطة مساهمة السكان باعداد الميزانية البلدية مباشرة مثالاً احتذى به عدد آخر من المدن البرازيلية والأمريكية اللاتينية وذاعت شهرتها في العالم أجمع، ثم استقبلت في شهر يناير 2002 وللمرة الثانية «المنتدى الاجتماعي العالمي الذي شكل لقاء القمة بين جميع اولئك الذين يعارضون «العولمة الليبرالية الجديدة التي تعقد قممها في مدينة «دافوس» السويسرية. وفي المحصلة أصبحت «بورتو اليجر» كما يقدمها مؤلفا هذا الكتاب بمثابة «مركز العالم الآخر وأعلنت عن نفسها باعتزاز بأنها عاصمة الديمقراطية». وفي معرض تحليل الأسباب التي أدت إلى اكتساب هذه المدينة البرازيلية مثل هذه المكانة يقدم المؤلفان ما يسميانه بـ «أزمة شرعية النظام السياسي» وشيوع الاطروحات «النخبوية» واقصاء عدد من أصحاب الشأن المعنيين، وخاصة النساء، عن مواقع المسئولية والفعل في مجتمعاتهم بالمقابل يدافع المؤلفان عن فكرة رددها بعض المفكرين الأمريكيين منذ عقد الخمسينيات الماضي، ومفادها ان العالم قد «عانى من قادته أكثر مما عانى من جماهيره»، كما يؤكدان بأن مفهوم «التقدم» الذي تم ربطه حصراً بـ «ممثلي الشعب» وبـ «شرائح التكنوقراطيين» إنما قد أدى أحياناً إلى كوارث حقيقية و«غالباً» إلى قيام مجتمعات تسير بـ «سرعتين». وإذا كانت «بورتو اليجر» قد استقبلت قبل أسابيع قليلة وللمرة الثانية تجمع انصار نمط آخر من العولمة فإن هذا يعود أولاً إلى الفاعلية التي أظهرتها التجربة الديمقراطية التشاركية التي عاشتها، وفي الواقع هناك تمايز بل وخلاف بين رؤيتين للعولمة وحيال بعدها الاجتماعي تحديداً ذلك ان العولمة الليبرالية الجديدة لا تأخذ في اعتبارها إلا مسألة الكسب على قاعدة المنافسة والهيمنة. هذا وتدل تقارير الأمم المتحدة إلى انه في عام 1960 كان هناك 20% من الاكثر غنى في العالم يتمتعون بـ 70.2% من الدخل العالمي، أما الـ 20% الأكثر فقراً فلم يكونوا يحظون سوى بنسبة 2.3% أما في عام 1997 فإن اللامساواة تعمقت أكثر فأكثر إذ ان الـ 20% الأكثر غنى أصبحوا يمتلكون 86% من الدخل العالمي مقابل 1% فقط للـ 20% الأكثر فقراً. في مواجهة مثل هذا الواقع القائم مثلت تجربة «بورتو اليجر» درساً قد يكون ذا أهمية عالمية باعتبار انه ربما يعطي بعض المؤشرات حول عولمة غير تلك التي تحكم لقاءات «دافوس» السويسرية وذلك باتجاه قدر أكبر من «العدالة الاجتماعية» ومن «التنمية الشاملة والمدعومة من الجميع». لكن هنا أيضاً لابد من فتح قوسين والتساؤل عن مدى امكانية «تعميم» تجربة «بورتو اليجر» ذلك ان التاريخ قد علمنا الحذر من الأساطير الجميلة التي قد تتبدى لاحقاً بأنها كانت أقل «بريقاً»، لذلك لابد من التمعن طويلاً والتحليل الدقيق والعميق لتجربة المدينة البرازيلية من أجل فهم منطقها والتحديات التي تواجهها ثم الاجابات التي قدمتها على مثل هذه التحديات ولا شك ان سلسلة طويلة من الأسئلة تتطرح في هذا السياق حول «الحدود» التي يمكن ان تصل لها مثل هذه التجربة، ومخاطر تشكل مراكز قوى أخرى في اطارها أو توجهها أكثر فأكثر نحو قدر أكبر من البيروقراطية، ومدى مطابقة الخطاب «الجميل» مع السلوكيات على أرض الواقع، وحقيقة المشاركة السياسية والعدد الفعلي لأولئك الذين يشاركون في صياغة المنهج السياسي وامكانية تحقيق عولمة أخرى انطلاقاً من مثال محدد محكوم في نهاية الأمر بخصوصياته وبتاريخيته وتساؤلات أخرى كثيرة قد يشكل هذا الكتاب مساهمة في محاولة الاجابة عنها، أو على الأقل «توضيح» الصورة أكثر... ونحو «عولمة أخرى»؟