بيان الكتب: يعمل جاك سوبيلسا، مؤلف هذا الكتاب استاذا للجغرافيا السياسية في جامعة السوربون، وله عدة مؤلفات منها «الجغرافيا السياسية منذ عام 1945 حتى الان». كانت انظار العالم تتجه في اواسط عقد الثمانينيات الماضي نحو منطقة المحيط الهادئ «الباسيفيكي» على انها مركز العالم الجديد وكان الجميع يتحدثون ايضا عما يسمونه بالنموذج «الموديل» الياباني وايضا عما بدا في اعين الكثيرين بمثابة المثال الاكثر رقيا للبلدان المصنعة الجديدة. بعد خمس عشرة سنة فقط تبدلت هذه الصورة تماما او تشوشت الى حد كبير ففي خريف عام 1997 انفجرت احدى اكبر الازمات في اسيا، لقد اعطى المؤلف لاحد فصول كتابه عنوانا يتناول فيه ازمة ام ازمات في اسيا واثر انفجار هذه الازمة التي هددت النظام المالي الدولي كله، اختفى الخطاب «التمجيدي» الحافل بنشوة التفوق حيال «المعجزة الاسيوية» كي يحل مكانه خطاب اخر ينبيء بـ «الكوارث» وما بين هذين الخطابين «المتطرفين» ايجابا وسلبا يقترح جاك سوبيلسا، مؤلف هذا الكتاب قراءة موضوعية للواقع الاسيوي، الباسيفيكي، «الغني بالخصوصيات الجيوسياسية». ان الخطوة الاولى التي يقوم بها مؤلف هذا الكتاب هي محاول رسم لوحة عيانية للواقع القائم في مجمل المنطقة الاسيوية ـ الباسيفيكية في فصل افتتاحي عنوانه «عموميات» وفي مقدمة هذه العموميات يذكر المؤلف التسمية «التعسفية» التي يتم تحديد المنطقة المعنية على اساسها والتي تضم عدة دول ـ امم هي اليابان وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والصين الوطنية «تايوان» وفيتنام وكمبوديا ولاوس وتايلاند وماليزيا واندونيسيا والفلبين ولكن يمكن ان يضاف لهذه الدول كل من ميانمار «بورما سابقا» رغم ان شواطئها تقع على المحيط الهندي وايضا بعض المدن والدول مثل سنغافورة وماكاو، وتبقى هناك اشكالية بالنسبة لـ «الصين الشعبية» ذات المساحة الشاسعة بحيث ان جزءا كبيرا منها لا يملك اية علاقات فعلية مع منطقة الباسيفيكي والتي تبلغ مساحتها 10 ملايين كيلومتر مربع، بل و 15 مليونا اذا اضيفت مساحة الصين كلها. الحقيقة التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب بخصوص هذه المنطقة التي تحظى باهتمام دولي كبير انما تتمثل هشاشتها بعد ان كانت بمثابة النموذج الصاعد «المنتصر» في مواجهة الانهاك «النسبي» للنظام الرأسمالي الامريكي. لقد كانت تلك الملحمة وراء نظرية اقتصادية حقيقية مثلها نموذج طيران البطات المتوحشة الذي كانت اليابان تتبوأ موقع الزعامة فيه بحيث جرت على خطاها نحو التطور والتنمية النمور الآسيوية الاربعة والتي جرت بدورها نحو الاعلى بعض بلدان مجموعة امم جنوب شرق آسيا مثل ماليزيا وتايلاند والفيلبين واندونيسيا حسب تعبير المؤلف. ان آسيا الباسيفيكية حاضرة اولا بواسطة «المحيط» نفسه والذي قال عنه المفكر الاستراتيجي الالماني كارل هوشفر ما مفاده: «ان المحيط هو بصدد البحث عن قوانينه الخاصة ونمط العيش الخاص به» اما الصفات الاساسية الثلاث التي يتمتع فيها المحيط فهي اتساعه الهائل البالغ (170) مليون كيلومتر مربع، اي ما يعادل عمليا نصف مساحة المعمورة. والصفة الثانية هي «التعددية التاريخية لمسيرته التطورية» اعتبارا من «اكتشافه عام 1513 وحيث تعاظم الوجود الفرنسي والانجليزي والهولندي فيه اعتبارا من القرن السابع عشر وليصبح منطقة نزاعات ومنافسات خلال القرن التاسع عشر ثم تحددت اطراف هذه النزاعات اكثر فأكثر خلال القرن العشرين بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي السابق والصين الشعبية. اما الصفة الثالثة فهي تمتع المنطقة الآسيوية الباسيفيكية بخصوصيات جيوسياسية وجيوستراتيجية استثنائية ازدادت اهمية مع بروز دور البلدان الصناعية الجديدة مما يعطي المنطقة درجة كبيرة من التنوع ويضاف الى هذا كله واقع وجود جميع انماط المواجهات في المنطقة، المواجهة بين الغرب والشرق والمواجهة بين الشمال والجنوب والمواجهات بين القوى المحلية وبين الايديولوجيات السائدة.. كما يمكن في هذا السياق ذكر مختلف أشكال النزاعات الثقافية. وبعد عملية التوصيف «العامة» يتحدث المؤلف عما يسميه بـ «المتغيرات المعاصرة» حيث أصبحت المنطقة الآسيوية الباسيفيكية محفوفة بالمخاطر الكبيرة. إن مثل هذه الحالة تعود الى «اجتماع» عدة عوامل أدت الى الاخلال باستقرار المنطقة أو الى زيادة التوترات فيها. ويحدد المؤلف أهم هذه العوامل في وجود نزاعات حدودية تثير الكثير من القلق، لا سيما وان هذه النزاعات تخص احيانا قوى تمتلك السلاح النووي أو انها على وشك الدخول الى «النادي الذري». وهناك عامل آخر يتمثل في زيادة الطبيعة العسكرية ـ عسكرة ـ لأغلبية دول المنطقة. وعامل ثالث هو زيادة الجريمة المنظمة في المنطقة الآسيوية ـ الباسيفيكية مما دعا البعض الى اعتبارها بمثابة مختبر أو احد المختبرات الاساسية لـ «الجغرافيا السياسية للجريمة المنظمة». هذه العوامل السابقة تجد ترجمتها في النزاعات الصينية ـ اليابانية حول مسائل جيوسياسية تمت محاولة السيطرة عليها عبر عقد اتفاقية سلام صينية ـ يابانية لكن أغلبية المراقبين يرون ان المناطق المرشحة لنزاعات مسلحة «ممكنة» خلال الفترة المقبلة تتمثل في ثلاثة قطاعات محفوفة بأكبر المخاطر وهي مناطق خلجان بحر الصين ومضيق تايوان وشبه الجزيرة الكورية التي تعيش حالة هدنة مؤقتة منذ عام 1953. لكن هذا لا يمنع امكانية ان تنشب النزاعات المسلحة في مناطق اخرى بسبب توترات طارئة قد تستجد. وبالاضافة الى النزاعات الحدودية والسياسية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة الآسيوية ـ الباسيفيكية يركز مؤلف هذا الكتاب ايضا على دراسة الرهانات الاقتصادية والديموغرافية الكبرى وحيث يعتبر النمو الاقتصادي الكبير لهذه المنطقة من العالم بمثابة العنصر الأساسي لفترة نهاية القرن العشرين. لكن هذا لا يمنع ملاحظة ان درجة الازدهار الاقتصادي الكبيرة التي حققتها اليابان و«النمور الآسيوية الاربعة» الاخرى إنما ساهمت في اتساع الهوة بين هذه البلدان وبين بقية أمم منطقة الهند الصينية أو بقية البلدان الاعضاء في مجموعة أمم جنوب شرق آسيا. وفي معرض الحديث عن بعض «المتغيرات المعاصرة» يتساءل المؤلف عما اذا كان ينبغي النظر الى الصين بصيغة المفردة أم بصيغة الجمع.. إن أكثر من خمس سكان العالم اليوم يتواجدون في الصين، هذا على الرغم من ان اجراءات الحد من النسل التي تنتهجها السلطات الصينية خلال العقود الأخيرة وتم تطبيقها بشكل أكثر دقة في المدن مما هو في الارياف. كما ان توزع الكثافة السكانية في الصين يختلف كثيرا من منطقة الى اخرى، إذا كان متوسط الكثافة السكانية بالنسبة لعموم الصين هو 125 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد فإن هذه النسبة قد تصل الى أقل من 15 في غرب الصين و1.4 في منطقة التيبت. وبكل الأحوال تشكل الصين أكبر سوق ممكن في العالم. كما ان المعطيات الاحصائية الأكثر حداثة تؤكد على أهمية التبدلات «الجيوـ اقتصادية» العامة في الصين. ففي عام 1952 مثلا لم يكن اجمالي الانتاج القومي الصيني يتجاوز 68 مليار يوان (العملة المحلية الصينية) بينما وصل عام 1998 الى 8000 مليار يوان، وارتفع دخل الفرد الصيني الى 6000 يوان. كذلك استجد تبدل كبير على مستوى الاستثمارات الاجنبية والمبادلات التجارية، كما يسوق المؤلف في اطار التبدلات التي عرفتها الصين انتسابها الى منظمة التجارة العالمية خلال نوفمبر 2001. وفي هذا السياق يحدد المؤلف ثلاثة تحديات أساسية ينبغي على الصين مواجهتها وتتمثل في معرفة «الى متى سوف يبقى الحزب الشيوعي هو الحاكم في بلاد تنفتح نحو الليبرالية؟». وثانيا مواجهة مشكلة تايوان «الصين الوطنية» لاسيما وان بكين تدرك ان تحسين علاقاتها مع هذه البلاد التي تعتبرها جزءاً منها يشكل الضامن الحقيقي لازدهار الاستثمارات المقبلة من «الشتات» الصيني. أما التحدي الثالث هو التأقلم مع المتطلبات الدولية وفتح اسواق العالم للمنتوجات الصينية. في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يقدم المؤلف عدة سيناريوهات أساسية محتملة لمستقبل المنطقة الاسيوية ـ الباسيفيكية. وتتمثل هذه السيناريوهات في بروز كتلة صينية ـ يابانية أو خلل الاستقرار المعمم والسيناريو الثالث هو «وجود نوع من التعددية القطبية الاقليمية في سياق من المسئولية المشتركة». كتاب يساعد على فهم الرهانات والنزاعات والسمات الجيوسياسية لمنطقة آسيا ـ الباسيفيك