بيان الكتب: لورا هيلينبراند، مؤلفة هذا الكتاب، هي مختصة بالكتابة عن الأحصنة الأصيلة منذ عام 1988، وهي أحد المساهمين في مجلة الفروسية «اكيوس» منذ عام 1989، كذلك ساهمت في عدة دوريات مختصة أخرى مثل «الارث الأمريكي» و «الحصان الأصيل» و «الرياضي» .. إلخ، نالت عام 1998 جائزة الكتابة الصحفية الخاصة بسباقات الخيل، كتبت مقالات عديدة عن الحصان «سيبسكويت» وعادت للكتابة عنه مرات ومرات. كتاب «سيبسكويت.. أسطورة أمريكية» يحكي قصة حصان يحمل هذا الاسم وكان قد أصبح بمثابة أسطورة خلال عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، وقد وصلت مبيعات هذا الكتاب حتى الآن في أمريكا وحدها أكثر من ثلاثمئة ألف نسخة، واحتل المركز الأول في قائمة، نيويورك تايمز لأفضل الكتب لعام 2001، كما ان شركة «يونيفرسال» للانتاج السينمائي قد اشترت حقوق نقل الكتاب إلى الشاشة. لقد أرادت «لورا هيلينبراند» ان تجعل من نفسها مؤرخة لسباقات الخيل في بلادها، وهكذا أخرجت من طي النسيان الحصان «سيبسكويت» وخصته بكتاب يقص سيرة حياته ليعود إلى الواجهة من جديد. إن المؤلفة جعلت من هذا الحصان رابحاً كبيراً في وقت كان الجميع يعانون فيه في أمريكا من الخسارة، وذلك بعد الأزمة الاقتصادية الكبيرة والانهيار الذي شهده «وول ستريت» في مطلع عقد الثلاثينيات الماضي، بل وتدفع المؤلفة الأمور أبعد عندما تؤكد بأن الحصان «سيبسكويت» الذي كانت ثلاثة من أطرافه مغطاة بالنيكل قد أصبح بمثابة رمز النجاح والانتصار في أمريكا التي كان يحكمها روزفلت.. أمريكا «الباهتة» التي وجدت في سيبسكويت صورة «المنقذ». كان «سيبسكويت» حصاناً متواضعاً من حيث شكله الخارجي، صغير الحجم، مستطيلاً، ذا ملامح كاريكاتورية، يبدو متهدلاً في حالة الوقوف ومضحكاً كمن يكسر البيض وهو يجري، وكانت من خصوصياته أيضاً انه كان يستلقي على القش عندما ينام، كما كان جائعاً باستمرار وجاهزاً لالتهام ما يقدم له».. أما أولئك الذين كانوا يحيطون به، كما تصفهم المؤلفة، فهم عبارة عن «متشرد مثقف» وآخر جمع ثروته من صيانة السيارات.. أما الفارس ـ الجوكي ـ فقد كان اسمه «ريد بولارد» الذي كان ملاكماً فاشلاً كدّس الهزيمة وراء الهزيمة، وعاش كمتشرد ينام بالقرب من الحصان لأنه لم يكن يملك مكاناً يأوي إليه، كان عمره 26 عاماً وكان ينتقل دائماً مع سرجه وكتبه التي كانت أعمال شكسبير المسرحية تشكل أغلبيتها، بل كان هناك كتاب لا يفارقه أبداً، وهو رباعيات الخيام، إلى جانب اشعار «ايمرسون» ويضاف إلى هذا كله واقع ان الفتى كان قد تلقى ذات يوم حصاة في رأسه جعلته بعين واحدة. وماذا عن مدرب الحصان؟ لقد كان أخرس، إن «توم سميث» كان يتقن فقط فن «وشوشة» الأحصنة في آذانها لكنه كان يمقت رفقة البشر، الوحيدون الذين كان يألفهم قليلاً ويتعلم منهم الكثير هم «الهنود الحمر» أبناء البلاد الأصليين، وكان هؤلاء يطلقون على «توم سميث» تسمية «رجل السهول الوحيد» أما أبناء عرقه «من البيض» فقد وصفوه بـ «توم الصامت»، والمالك؟ انه «شارل هوارد» بائع سيارات «البويك» في سان فرانسيسكو .. لقد كان يبيع الأحصنة التجارية كي يمتع نفسه بامتلاك «الأحصنة الأصيلة». في عام 1936 كان الرجال الثلاثة، المدرب، توم سميث الذي كان قد توصل إلى اقامة لغة تواصل شبه صوفية مع الخيول والمالك الذي قال ذات يوم «الحصان قبل أي شيء» والفارس ـ الجوكي ـ المتشرد المثقف المعجب بشكسبير وعمر الخيام يشكلون، أي الثلاثة فريقاً غريباً حول الحصان «سيبسكويت» ذي الطرفين الأماميين «المقوسين قليلاً» والذي يبدو أكثر شبهاً بـ «بغل» أكثر مما هو بحصان «أصيل» ولكنه كان يتمتع أيضاً بموطن جمال لا يراه من ينظر إلى ظواهر الأشياء فقط، ان مواهبه، كما تنقل المؤلفة عن أحد المعجبين به، «كانت خاصة في قلبه». كان هؤلاء الرجال الثلاثة يتفقون حول احساس واحد هو تعلقهم بالحصان «سيبسكويت» وقناعتهم الداخلية، كل منهم على طريقته، بأن هذا الحصان يمتلك على خامة «بطل سباق» بعيداً عن كل المظاهر التي كانت تقول عكس ذلك، ولقد اكتشفوا بأن هذا «الكسول» يمتلك قدرات هائلة على تحقيق ايقاع متسارع مذهل في الجري وحتى في المنعطفات، كما اكتشفوا بأنه يتمتع بصفات استثنائية، إذ وفضلاً عن قدر كبير من الشجاعة يتحلى به بدا بمثابة «مخطط استراتيجي» يعرف أين ومتى ينبغي تجاوز خصومه، بل وانه كان يعطي أحياناً الانطباع بأنه سوف يخفف من سرعته وذلك كي ينطلق بعد ذلك كالسهم مما يثير المفاجأة لدى المتسابقين الآخرين.. باختصار كان «يتسلى» وهو على مضمار السباق. إن المؤلفة تتحدث عن هذا الحصان وكأنه رياضي في السباقات الأولمبية. لقد كان حصاناً استثنائياً ومحاطاً بفريق «استثنائي» وبالطبع يمكن الاستعاضة بصفة «غريب» بدلاً من «استثنائي» وقد استطاعت مؤلفة هذا الكتاب ان تقدم ببراعة قصة هذا الحصان «سيبسكويت» الذي لم يكن كما يبدو يوحي إلا بالهزيمة والقهر، مثلما كان حال أمريكا خلال عقد الثلاثينيات الماضي، ولكنه استطاع رغم ذلك ان يحقق الانتصار، تلو الانتصار في جميع مضامير السباقات، لكنه استطاع أيضاً وفيما هو أبعد من تحقيق الانتصار في السباق خلق الأمل لدى الأمريكيين الذين كانوا يعيشون حالة من اليأس والاحباط.. ان فكرة أساسية تكررها مؤلفة هذا الكتاب عبر قصة سيبسكويت وهي ان أكبر الدروس التي يمكن ان تكون ذات قيمة تربوية حقيقية هي التأكيد بأنه وحتى «الخاسر» عبر المقاييس المطروحة يمكنه ان يغدو «رابحاً» في الواقع.. ثم ان قصص أكبر النجاحات انما خصّت أولئك الذين يعرفون كيف يفاجئون الآخرين، هذا لا سيما وان المضطهدين يمثلون في أحيان كثيرة قضايا عادلة، الأمر الذي دعا كاتباً كبيراً مثل البير كامو، مؤلف رواية «الغريب» الشهيرة، الى القول ذات يوم بأنه مع القضايا الخاسرة، كي يقول بأنه مع «العدل». ان «هيلينبراند» تقدم فريق «سيبسكويت» اي المالك والمدرب والفارس، بكل حالاتهم الانسانية وانفعالاتهم، ولحظات يأسهم وفرح انتصاراتهم كمثل أصحاب «القضايا» الكبرى، وهي تقوم أيضاً بعملية توصيف دقيقة لمختلف مراحل التحضير نحو الانتصار بلقب «حصان السنة» ولعل أجمل صفحات هذا الكتاب هي تلك التي تتحدث فيها المؤلفة عن «المنافسة بين «سيبسكويت» و«اميرال الحرب» وعبر هذا كله تقدم المؤلفة صورة مدهشة لما كانت عليه سباقات الخيل في الولايات المتحدة الأمريكية خلال سنوات الثلاثينيات في القرن العشرين، بكل ما رافقها من حماس الجمهور ومواقف الصحفيين وخاصة الشرقيين منهم عندما يتحدثون عن الأحصنة «العربية». لقد حقق «سيبسكويت» خلال خمس سنوات الانتصار تلو الانتصار بل وضرب أرقاماً قياسية في مضامير سباقات الخيل، وفي هذا السياق تتوقف مؤلفة الكتاب طويلاً عند وصفها لـ «الانتصار التاريخي» الذي حققه هذا الحصان الأسطورة في الأول من نوفمبر عام 1938 في ماريلاند والذي كان منافسه الكبير في ذلك السباق هو «اميرال الحرب» الذي كاد يفوز، لكن «سيبسكويت» انتصر أخيراً، وعند لحظة الوصول نظر الفارس ـ الجوكي ـ بولارد بإعجاب وتعاطف إلى الحصان الخاسر «أميرال الحرب» الذي بدا حزيناً تحت وطأة الهزيمة.. وهذا ما علق عليه «الجوكي» فيمابعد بالقول: «لقد رأيت حزناً كبيراً في عينيه، ولا أعتقد انه سوف يستطيع الدخول في منافسات بعد ذلك، إن الأحصنة مثل البشر، يمكن ان تعاني من تحطم قلبها». وبعد الانتصارات الكثيرة التي حققها «سيبسكويت» عاش لسنوات يمرح في سهول الغرب الأمريكي، ليلتهم ما يشاء من العشب و «يقف» بين الحين والآخر أمام عدسات المصورين لأخذ صور تذكارية أو من أجل إنتاج بطاقات بريدية.. وبتاريخ 17 مايو 1947 توقف قلب «سيبسكويت» عن الخفقان عندما كان عمره أربع عشرة سنة، وحيث تم دفنه زرع شارل هاوارد ومالكه شجرة سنديان لكنهم أحياناً يقطعون حتى أشجار السنديان. وإذا كان هذا الكتاب مكرساً لعالم سباقات الخيل فإنه ودون أي شك طال قارئين يهتمون بمشارب أخرى، انه يجمع بين التاريخ الاجتماعي لأمريكا خلال عقد الثلاثينيات الماضي والنصف الأول من عقد الأربعينيات، وبين المغامرة الفريدة لرجال ثلاثة ورابعهم «حصانهم» حققوا معجزة في الواقع، لكنها تقترب كثيراً من الاسطورة. قصة حصان دخل في تاريخ سباقات الخيل .. وأيضاً في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.