بيان الكتب:أجرت جوان سميث من صحيفة «الجارديان» اللندنية مقابلة ضافية مع البروفيسور ادوارد سعيد على هامش مهرجان «اورانج وورد» تحدث فيها عن الشرق الاوسط وعن مجموعة مقالاته الاخيرة الصادرة في كتاب «تأملات في المنفى» والقى الضوء على جوانب من الافكار التي وردت في هذا الكتاب والتي اثارت اهتماما كبيرا في العديد من الدوائر على امتداد العالم. وفيما يلي نص المقابلة: ـ ارحب بالبروفيسور ادوارد سعيد من جامعة كولومبيا واود ان ابدأ بالتحدث عن كتابه «تأملات في المنفى» وغيرها من المقالات الادبية والثقافية، ان هذا العمل يغطي ثلاثة عقود فمتى قمت بجمعه، وهل احسست بأنك تشعر بالاختلاف مع نفسك في مرحلة مبكرة من حياتك؟ ـ نعم، وايضا احسست بعدم الاقتناع بأنني كتبت كلاما غير مفهوم، خاليا من المعنى. انني اشعر بالاختلاف واتساءل كيف كنت مهتما بموضوع ما وبعد ذلك اتمنى لو أنني سحبت كلامي وغيرته، انها لحظة رهيبة. ـ لكنك في الواقع لم تعد كتابة اي من هذه الموضوعات؟ ـ ليس بشكل كامل، وانما غيرت الكثير، وعلى نحو جذري ايضا، واعتقد انني بشكل او بآخر ربما اكون قد ادخلت عليها بعض التحسينات. ـ ماهي المعايير التي استندت اليها في اختيارك للموضوعات التي تضمنها الكتاب؟ ـ المعيار الاساسي هو الوضوح، واعتقد بأن هناك تطورا في الاسلوب الذي كتبت به لقد سعيت مع الوقت الى الكتابة لجمهور اكبر عوضا عن الكتابه لجمهور محدود العدد، كما عملت جاهدا على التخلص من الاشارات المرجعية والاكاديمية وحذفت التعبيرات الشائعة في ذلك الوقت الذي كان يشعر فيه الناس بالمهياج لدى قراءتهم الكتاب الفرنسيين وما الى ذلك. ـ هناك مقولة تعجبني لاحد القضاة الامريكيين يقول فيها: «ان روح الحرية هي الروح التي لاتكون متأكدة تماما من انها على صواب».؟ ـ هذه مقولة صحيحة تماما فالتدقيق يأتي قبل كل شيء وكثيرا ما اجد نفسي مضطرا الى التركيز على قيمة ما أقوله وبالتالي فأنا اسعى الى الابقاء على القيمة ومع انني اسقط التردد والمظهر الخارجي لكنني مدقق على الدوام والكتاب الذين اميل الى قراءتهم اكثر ليسوا كتابا وعظيين او متفوهين بحقائق سرمدية وانما هم اولئك الذين يخترقون خطاب الآخرين ومن هؤلاء الكتاب سولفت الذي احبه كثيرا، اوكونراد حيث مايتراءى لك بأنه واضح بالفعل هو في حقيقته غير واضح تماما لانه محاط بالشك وعدم اليقين فيما يتعلق بما شاهدته، انني احب هذا كثيرا. ـ اذن فأنت لاتقدر الثبات كقيمة مطلقة؟ ـ لقد كنت معرضا للانتقاد دائما بسبب عدم الثبات. ومازلت اتذكر احدى اولى المراجعات النقدية الطويلة التي تعلمت منها كثيرا عن الاصالة كانت تقول ان ارائي غير متسقة وانني اسعى الى التوحيد بين الفلسفة الانسانية وبين النظرية وانني لا استطيع ان افعل ذلك، وقد اجبته في ذلك الوقت بأن عدم الثبات مهم جدا لانني اكره التقيد بالنظام ولا أومن الحتمية وكما يبدو لي فإنك يجب ان تحاربهما. ـ تسود موجة من التفكير مفادها انه لو اردت ان توقع احدهم في الخطأ فابحث عن موضوع يخالف في رأيه موضوعا كان قد كتبه قبل 20 سنة، وعندها ستكون قد حققت انتصارا غير عادي؟ ـ لا اميل الى هذا الرأي كثيرا .. هنا ثبات آخر اجده لدى كتاب من امثال كونراد وهو اتساق القلق، انهم يستمرون في العودة الى موضوعاتهم وبالنسبة لكونراد فهي حالات من التطرف، حالات من العزلة غير العادية، من الشك، وفيما كنت اقوم باعداد هذه المجموعة من المقالات كان يبدو لي ان هناك ثباتا فهي مجموعة من الافكار التي بقيت مخلصا لها. قد تكتب في موضوعات مختلفة ولكنك تركز في الحقيقة على الاشياء نفسها في اوقات وحالات مختلفة. ـ احد الامور التي تتعلق بهذا الكتاب، والتي اذهلتني بالفعل، هي انني لم اكن قادرة على معرفة الفترة الزمنية التي كتبت خلالها هذه المقالات، وهو مايوحي بالحاجة الى الثبات على المنهج على الاقل؟ ـ المقالات التي ترتبط بحالات معينة هي المقالات التي تشبه تلك التي تتحدث عن مصارعة الثيران، كان ذلك جزءا من حماس مرحلة الستينيات، وفي تلك المرحلة كنت اتابع تحركات مصارعي الثيران في كل انحاء اسبانيا وبهذا المعنى فان هذه الحالة هي حالة منتهية الآن. ـ ألمس انفتاحا متناميا في المقالات ذات العلاقة بالمستجدات الراهنة وقضايا المرأة، تلك الموضوعات التي لم تكن على درجة كبيرة من الاهمية، عندما بدأت في الكتابة عنها. ومن خلال كتاباتك ظهر هذا الوعي بالمرأة كنوع من الثبات المكبوح؟ ـ لقد كنت متأثرا، بكل وضوح، بظهور الحركة النسائية في اواخر الستينيات، ولاتنسي انني لم اذهب الى مدارس مختلطة طوال حياتي والجامعة التي درست فيها وهي جامعة برنستون مازلت اسميها مدرسة صبية اعدادية فقد كانت الطالبات ممنوعات هناك ولم يكن مسموحا لهن بالوجود فيها، الا بوصفهن امهات .. لن اخوض في التفاصيل فهي تبعث على الاسى، في ذلك الوقت كان يتحتم عليك ان تقطع مسافات طويلة لتصل الى نيويورك وتلتحق بكلية للبنات .. وبالتالي فان فكرة القبول بالمرأة كمفكرة او كاتبة او انسانا في هذا العالم كانت مرفوضة برمتها في العالم الذي نشأت فيه وتلقيت تعليمي. ـ احدى المقالات الاكثر امتاعا التي يجدها القاريء في كتابك تتحدث عن راقصة شرقية؟ ـ انها تحية كاريوكا، التي كانت، كما اتصور، اعظم راقصة شاهدتها في حياتي، انني احب الرقص كنوع من انواع الفنون، وثمة ما يمكن التعريف به وهو انها كانت ممثلة وبطلة افلام سينمائية. ـ تتحدث ايضا عن ذكرياتك في مرحلة الطفولة، عندما كنت تذهب الى السينما لتشاهد افلام طرزان وهو مايبدو شبيها بوضع هذه المقالة الى جانب غيرها من المقالات على نحو مثير للدهشة وغير متوقع؟ ـ نعم، الى حد ما، لكنه جزء من ولعي بما يتعلق بصناعة الاشياء الغريبة، عندما تعرف ان ادغار راييس بورفز كان رجلا في كاليفورنيا ولم يقترب قط من افريقيا وان كل افلامه كانت تصنع في فلوريدا. الواقع انني قرأت كل كتب طرزان واكتشفت انها كانت مختلفة تماما ان بورفز الذي يعيش في كاليفورنيا لم يقدم عملا جيدا فقد رسم لنا صورة طرزان كارستقراطي بريطاني (كلورد جريسيتوك) بينما طرزان هوليوود من فصيلة انسان الغاب كما ان وايزمان وهو بطل في السباحة لعب دوره على النحو الكامل وكان يتكلم بالطريقة البسيطة نفسها فيما رسم بورفر صورة لطرزان الذي استطاع ان يعلم نفسه وان ينطق بجمل طويلة ومعقدة ويعرف الكثير عن كانت وهيجل. وما ان يصل الى الغابة حتى يخلع ملابسه ويتحول الى طرزان لقد كنت مفتونا بالطريقة التي كان يتصرف بها، فكلما اوغل في الخيال صار مختلفا اكثر، لقد عاش اشكالا مختلفة من الحياة، مسكين وايزمان العجوز الذي كنت احلم بأن اكون مثله لقد انتهت حياته بالعمل كحارس لمبنى سومنج هول اوف فيم في فلوريدا. ـ هذا يجسد البعد الحقيقي لحياتك، فأنت فلسطيني المولد، عشت طفولتك في مصر، تحمل الجنسية الامريكية، وتعلمت في مدارس انجليزية وشاهدت افلاما امريكية عن افريقيا! ـ الواقع انني لم أدرك لفترة طويلة أنني كنت اعيش في افريقيا؟ فأنت لا تفكر بالفعل بهذه الطريقة. ـ احدى المقالات الاكثر تأثيرا التي احتوى عليها الكتاب المقالة التي تتحدث عن المنفى لكن يبدو لي ان كل هذه التجارب هي اعداد لمنفاك لانها مزيج ثقافي رهيب؟ ـ لم يكن مجرد مزيج ثقافي فقط، وبالعودة الى افلام طرزان فإن ما كان يشدني اليها هو ان طرزان يبدو كما لو انه لا ينتمي الى مكان بعينه. فهو كما يبدو بوضوح ليس افريقيا، كما ان هذه الافلام كانت عنصرية الى درجة رهيبة لأن الافارقة كانوا يظهرون فيها إما وهم يؤدون أدوار البوابين أو أدوار أولئك المتوحشين البشعين الذين يقدم طرزان على قتلهم من دون تردد. لكن طرزان نفسه لم يكن في الاعتبار، وهذا هو ما كان يسيطر على خيالي، تلك الافلام كانت تتحدث بالفعل عن انسان ضال، ولم تتحدث عن هذا البطل الهائل، هناك ما هو مثير للشفقة بالنسبة لهذه الشخصية وهو ما يمكنني ان اتطابق معه على نحو هزلي مضحك. ـ أوردت على سبيل المثال هذه العبارة لجونتر جراس «إن حالة المفكر لا تحتاج الى تفويض رسمي» لقد اثرت انتباهي لأن هذا الأمر قد فرض عليك بالقوة ثمة ما يثير الانتباه ايضا في كلامك عن التناقض المتأصل في شخصية الانسان بين التوجهات الفكرية وبين الولاء العاطفي للقبيلة والطائفة والبلد وانت تقول: لم أشعر مطلقا بالحاجة الى ردم الهوة ولكنني مع ذلك أبقيت هذه الاشياء جانبا كمتناقضات وبقيت أشعر باستمرار بأولوية المفكر مفضلا اياها على الوعي بالانتماء الى القبيلة. لقد كنت أسعى دائماً الى عدم تقديم الولاء والتضامن العاطفي على النقد على الاطلاق. إن رجلا مثلي لا يخوض في أمور السياسة، ولا يريد ان يفعل ذلك على الاطلاق، ربما بسبب الجبن وعدم الرغبة في تحمل المسئولية، الشيء الوحيد الذي يمكنه القيام به هو السعي الى توضيح حالة معينة بتحليلها واتاحة الفرصة للناس لكي يصدروا احكامهم عليها استنادا الى الدليل الأفضل الذي أقدمه لهم. الا انني لا أكتب هكذا عن أي شيء. لا أعتقد بأنني قادر على القيام بذلك. أنا أكتب عن الاشياء التي تهمني وبشكل واضح فإن احدى هذه الأشياء هي فكرة القبيلة، أصل الانسان والمكان الذي ولد فيه. لكنني لا أفعل ذلك دون توضيحه بشكل نزيه وهاديء قدر الامكان. وبنوع من الالتزام بالقيم العليا، القيم الأكثر شمولية وليس تلك القيم التي تتعلق بالأمة والقبيلة والعائلة. هذه القضايا تصبح قضايا العدالة والظلم واعطاء سياق تاريخي في حالة فقدها. ـ إنني أتساءل عما اذا كنت تشعر بأننا نعيش في عالم يسعى باستمرار الى حمل الكتاب والمفكرين على القيام بهذا الشيء!! أذكر ان الناس وجهوا اليّ هذا السؤال عندما صدر كتابي «لقد أثرت كل هذه الاسئلة لكنك لم تقدمي أي حلول؟ ـ نعم انهم يريدون الاجابة باستمرار. وفي بعض وبمعنى من المعاني يتحتم عليك ان توفر بعض الاجوبة الا انها ستكون انواعاً مختلفة من الأجوبة التي يتم توفيرها لأنواع مختلفة من الاسئلة وكثيرا ما توجه لي أسئلة تتعلق بالشرق الأوسط، الناس يريدون ان يعرفوا ما الذي سيحدث في المستقبل. والنوع الآخر من الاسئلة هو لماذا لا تتوقفون عن قتل الناس؟ والواقع ان هذا سؤال أمريكي. انظر الى النبرة التي يتحدث بها بوش، انها تزعجني لأنه واثق من نفسه، وحسنا لكي نكون منصفين معه... فعلاً، لماذا لا نكون منصفين معه؟ وحتى نكون كذلك فإن هناك نوع من النذالة في شخصيته. لقد قال ذات مرة ان هؤلاء الذين يتعاملون مع الارهابيين لن يتعاملوا مع امريكا. والواقع ان أي انسان يمكنه ان يتحدث بهذا التجريد الهائل عن «امريكا» أو «الاسلام» مما يحملني على الرغبة في تحطيم غروره. ـ كان هناك تهافت حقيقي نحو اطلاق الاحكام منذ أحداث 11 سبتمبر، لكن يبدو لي انك تسعى الى النأي بنفسك عن التورط في ردود الأفعال العاطفية، وفي المقابل تسعى الى فعل شيء أكثر ذكاء وانضباطاً؟ ـ كنت في نيويورك لحظة اندلاع هذه الاحداث، وكان أول ما فعلناه كلنا هو التعبير عن مشاعر الصدمة، انك لو حاولت ان تحلل الأمور في تلك اللحظة لاعتقد الآخرون انك كمن يبرر ما حدث، والشيء الآخر هو انك باستمرار غير أمريكي كما يعتقد الآخرون. وفي مواقف كهذه يكون من الصعب عليك ان تتكلم أو تكتب، ومع ذلك فإن من واجبك كما أعتقد ان تحاول. مريم جمعة فرج