ادوارد وديع سعيد، الناقد الادبي والمفكر والسياسي الهادئ الامريكي الفلسطيني المولد، استاذ النقد الادبي المقارن في جامعة كولومبيا، من مواليد القدس سنة 1935 لعائلة عربية مسيحية، تنقلت بين فلسطين ومصر ولبنان والولايات المتحدة صدر له العديد من المقالات والدراسات الاكاديمية والسياسية والفكرية حول قضايا الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية واثر الاستعمار الغربي في الثقافة المعاصرة وصورة الشرق العربي الاسلامي في العالم الغربي. من الكتب التي صدرت لادوارد سعيد «خارج المكان» «والثقافة والاستعمار» «الاستشراق» «سياسة الطرد» «التغطية الاعلامية للاسلام» «القضية الفلسطينية» «السلطة والسياسة والثقافة» وكتابه الاخير «تأملات في المنفى» وهو سيرة ذاتية عن حالة الاغتراب والنفي (النفسي) المؤسسة عليها حياته بعيدا عما يسميه هو بعيدا عن المكان. والكتاب ايضا رحلة فكرية يزور خلالها محطات في حياته منذ ولادته في القدس الى طفولته في مصر ولبنان الى امريكا وفي اثنائها يقدم موضوعات هامة في السياسة والفكر والابداع. بهذا المزيج من التأملات في السياسة والنقد وعلم الجمال يتجاوز ادوارد سعيد الاسلوب التقليدي العادي في الكتابة في مجال الدراسات الابداعية كما يمثل صدور كتاب «تأملات في المنفى» اطلالة جديدة على القاريء العربي والغربي منذ صدور كتابه «العالم والنص والناقد» في 1983 وكما يوحي عنوان الكتاب وهو عنوان احدى المقالات التي يتضمنها الكتاب فان «تأملات في المنفى» هو كتاب يتحدث عن حالة النفي الخاصة والعامة، التي ظل يعاني منها على المستوى الشخصي والمستوى الفلسطيني الاكبر والتي استمرت كرافد لشعوره بالحميمية تجاه القضية التي ظل يتابعها على امتداد سنوات طويلة من الانتقال بين الشرق والغرب. بالنظر الى ما تحتوي عليه مجموعة المقالات الواردة في كتاب البروفيسور ادوارد سعيد «تأملات في المنفى» فان هذه المقالات التي يجد القاريء انها تتراوح بين المقالات الشهيرة وتلك التي يمكن لها ان تفاجئه حتى خاصة اذا كان متتبعا لاعمال ادوارد سعيد، هذه الاعمال كلها يسمح له بفرصة نادرة للتبصر وامعان النظر في مسألة هامة تتعلق بتكوينه كناقد وبتطور موهبته ووظيفته كمفكر وكما تقول عنه الروائية الجنوب افريقية «نادين جوردمير» ادوارد سعيد من اهم مثقفي عصرنا. يشتمل كتاب « تأملات في المنفى» على موضوعات (46 مقالا) متنوعة مختلفة في الفنون والفكر والادب والسياسة والمعاناة النفسية والتحدي، وهي موضوعات تنتقل بقارئها من افلام السينما وابطالها وكتابها الى استحضار ذكرياته عن القاهرة والاسكندرية وفلسطين الى كبار الكتاب والمثقفين من امثال جورج او رويل ونجيب محفوظ وهيرمان ملفل وكونراد وهنتنجتون الى ارائه في الحركة النسائية والمرأة والتعددية الثقافية والاستعلاء الثقافي والفلسفة والتاريخ والاحداث الراهنة. والواقع ان مجموعة المقالات التي يتضمنها كتاب ادوارد سعيد هي من الاعمال التي صدرت له على امتداد الثلاثين عاما الاخيرة واشتملت على آرائه في عدد من القضايا والمفكرين المفضلين لديه وتحليلاته وآرائه في الاراء والنظريات التي يطرحونها وعلى قضايا انسانية وحضارية تتركز حول العلاقة مابين الشرق والغرب او المواجهة مابين المستعمَر والمستعمِر، وحول رفضه التضامن مع فكرة القومية والاستعلاء الثقافي وما يسميه الغرب ممثلا في آراء المفكر الامريكي هنتنجتون بصراع الحضارات في نموذجه الغربي الذي يسميه ادوارد سعيد «صراع الجهالات». في الاستشراق الكتاب الصادر في سنة 1995 يطرح ادوارد سعيد موضوعا هاما للنقاش المتعلق بجاهزية التفكير الغربي وتبني الغرب افكارا نمطية يختزلها للعرب والاسلام وفي هذه المرة يستقي الكثير من تجربته الشخصية منذ مرحلة السبعينيات واهتمامه بقضايا الصراع العربي الاسرائيلي وكفاح الشعب الفلسطيني ونضاله السياسي يستفيد من هذه التجربة في كتابة موضوعه حول نظرة المستشرقين الى العالم العربي والاسلامي وهي نظرة كما يصفها ضيقة سطحية ناجمة عن عنجهية الغرب وعدم رغبته في الاقتراب من الشرق وفهمه كما يعني ذلك وهو مايزيد هذه الصورة الكاريكاتورية التي يختزلها الغرب غموضا ويدخلها في سراديب الجهل والاتهام بالمؤامرة والارهاب. اهمية كتابه «الاستشراق» يكمن في مسألتين مهمتين اولهما رغبته في تخليص العرب والمسلمين من تلك الصورة النمطية التي يختزلها الغرب لهم استنادا الى معرفته السطحية، وثانيهما تحديده صورة واضحة للحالة العربية الاسلامية الموجودة في الغرب وهي حالة تعاني من التمزق والتشتت وعدم التماسك في وجه التيارات المضادة. وبهذا فان ادوارد سعيد تحليله لهذه الحالة كان قد اضفى عليها نوعا من المصداقية فيما يتعلق بالاحساس بقسوة الاغتراب و «المنفى» الفكرة المعاكسة للحياة في الوطن والانتماء الى ثقافة قومية وجماعة انسانية محددة. حول سيرته الذاتية صدر لادوارد سعيد كتاب «خارج المكان» وهو الكتاب الذي يطرح سعيد من وجهة نظره كشاهد على العصر، فهو كفلسطيني ارتبط بهذه الارض بالمولد وباشكاليتها الثقافية وظل في حالة من التنقل بين فلسطين ومصر ولبنان وهي الفترة التي يصفها بالاغتراب المركب المؤلف من الحب والشعور بالغربة ولدى انتقاله ليعيش في الولايات المتحدة ابصر بشكل واضح الآثار التي خلفتها الحرب العالمية الثانية على العالم العربي ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية واقامة الكيان الاسرائيلي على الارض المغتصبة وظهور الحركة الناصرية وولادة منظمة التحرير الفلسطينية ثم اندلاع الحرب اللبنانية. ايضا في كتابه «خارج المكان» يطرح ادوارد سعيد من خلال معاناته الشخصية النفسية على وجه الخصوص سؤالا هاما حول كيفية التعايش بين الثنائيات الثقافية لاسيما الشرقية والغربية فيما يطلق عليه باستمرار مركب الاغتراب. بدءا بالجنسية الفلسطينية والجنسية الامريكية وانتهاء بمشاعر التوتر التي كانت تنتابه كصبي على مقاعد الدراسة في المدارس الخاصة المصرية التي كانت تدرس باللغتين الانجليزية والفرنسية. «بينما كنت اعرف كل شيء عنه تقريبا عن التاريخ الانجليزي والفرنسي فانني لم اكن اعرف الا القليل عن تاريخ المنطقة التي كنت اعيش فيها» وفي هذا الكتاب ايضا يفرد ادوارد سعيد 50 صفحة للحديث عن رحلته التالية الى امريكا ودراسته في جامعتي برنستون وهارفارد. كما يشمل حديثه ايضا تأملاته في حياة المهاجرين العرب الى الولايات المتحدة ومبررات وجودهم هناك وبقائهم كمواطنين من الدرجة الثانية. بوجه عام فان كتاب «خارج المكان» يبدو كعمل ابداعي يندرج تحت مسمى السيرة الذاتية شديد التأثير على قارئه في موضوعاته التي تسلط الضوء على اشكالية الهوية والارتحال والغاء الآخر وبما يتميز به من شاعرية الطرح والاسلوب الذي يبتعد هذه المرة عن الاكاديمية وربما كان للظرف الصحي الذي مر به ادوارد سعيد في تلك المرحلة المتزامنة مع كتابته العمل اثر في جعله يبدو في هذه الدرجة من الرهافة وهو يتناول فيه موضوعين رئيسيين فقط تدور حولهما بقية الموضوعات الفرعية هما مرحلة الطفولة والدراسة الابتدائية التي عززت لديه الشعور بالنفي ومعاناته من ظروفه الاسرية التي كانت قد اجبرته على التنقل وفرضت عليه نوعا من الرقابة العائلية الصارمة.