عندما يقدم الفنان على رسم صورة فإنه يحاول ان يضع ذاته داخلها، نراه من خلالها، فكيف بمبدع ينقل احاسيسه الى الممثل ليخرج من داخله تلك الجواهر المخبأة ليعرضها على المشاهدين مجانا، ولا يريد ثمنا لذلك سوى محبتهم. مفاصل أساسية يأخذنا اليها الفنان المخرج باسل الخطيب عبر انتاجه الابداعي الفني المتميز، لا يكل ولا يمل من المحاولات رغم ان لكل تجربة مرارتها.. في الحوار التالي تعرفنا اليها اكثر: ـ معروف انك خريج المعهد السينمائي، ولكن لم نشاهدك في أعمال سينمائية بل انتقلت الى العمل في التلفزيون، ما الأمر؟ ـ بعد دراستي في موسكو عدت مثل الكثيرين الى الوطن نحمل آمالا وأحلاما عريضة، ولكن وللأسف فوجئنا بالواقع السينمائي والفني والثقافي الموجود، إذ كان مخيبا للآمال جدا، وهنا كان أمامي حلان، اما الجلوس وانتظار مجيء فرصة ما في المؤسسة العامة للسينما لأن أعمل فيلما واحدا، وهذا قد يمتد نحو عشر سنوات، أو محاولة فتح آفاق جديدة. ولم تتوفر لي خلال أربع سنوات فرصة عمل واحدة في الاخراج، ولكن في المقابل اعتبر هذه السنوات من أهم سنوات حياتي، إذ انني تعرفت على الواقع والناس بطريقة مختلفة، ونشرت ثلاثة كتب: رواية «احلام الغرس المقدس» ونالت جائزة سعاد الصباح 1990، اضافة الى كتابين عن السينما، واستطعت ان أضع خطة لعملي في السينما والتلفزيون، بمعنى آخر الفيلم الروائي والتسجيلي القصير الذي قدمته للمؤسسة في عام 1995 بعنوان «قيامة مدينة» كانت مخطوطته الأولى جاهزة منذ ذلك الحين. وأخيرا سنحت لي الفرصة ودخلت التلفزيون وكان بالنسبة لي بديلا، وهو بديل غير سيء، إذ بامكان المخرج ان يستثمر امكانياته ويوظف خبرته وثقافته ورؤيته فيه، وأظن ان الأعمال التي قدمتها دليلا على ما أقوله. ـ مسلسلك التلفزيوني «ذي قار» عمل تاريخي، ما سبب انتقائك لهذا النوع من الأعمال.. هل لكونه موضة سائدة في الآونة الأخيرة؟ ـ قراري الفني لا يخضع لأية شروط موجودة في السوق، انه يأتي من قناعة داخلية، باختصار جميع الأعمال التي قدمتها جاءت من اختياراتي الخاصة، مثلا فكرة مسلسل «الطويبي» جاءت بعد ان قرأت الرواية وكانت نقطة الانطلاق لهذا المسلسل، واقترحتها على الشركة وبالتالي تم تنفيذها، مسلسل «جواد الليل» ايضا كان من اقتراحي وهو وان نعمل محاكاة شرقية لرواية «أحدب نوتردام» إذن جميع الأعمال تصب ضمن عنوان كبير وهو مشروع شخصي أعده وأعمل عليه من خلال بعض الأعمال. ـ هناك بعض من أعمالك توقف ومن ثم مُنع، ما السبب، وهل هناك من يحارب شخص باسل الخطيب؟ ـ بصراحة لو ان أي مخرج تعرض للظروف التي تعرضت لها لترك مهنة الإخراج وبحث عن مهنة أخرى، بالنسبة لي لدي إيمان بالشيء الذي أفعله، ولدي رسالة أقدمها من خلال مهنتي، وعموماً أنا شخص عنيد جداً وأحاول ألا تؤثر الضغوطات علي، العمل الفني من أكثر النشاطات الانسانية المرتبطة بحالة الاحباط واليأس وخيبة الأمل والمرارة. مع الأسف لدينا وشايات تنتشر بالوسط الفني والإعلامي أكثر مما تنتشر بالوسط الذي له علاقة بالغوغاء، والمؤسف أيضاً انه لا يوجد أشخاص لديهم جرأة على اتخاذ قرار صحيح وفقاً لمعطيات موجودة بالنسبة لمسلسل «الطويبي» عرض في العديد من المحطات وتابعه الكثيرون ولكن حتى الآن ممنوع عرضه في سوريا لأسباب غير مفهومة على الإطلاق، مع العلم انه لم يتم تصوير أي لقطة فيه دون موافقة الرقابة، بل ان الرقابة في التلفزيون كانت قد شاهدته بعد انجازه، وكان هناك بعض الملاحظات على بعض اللقطات، فتداركنا الأمر وألغيناها، والعمل موجود حتى الآن، ولكن لايوجد أي قرار بعرضه، علما وأنا متأكد لو ان هذا المسلسل تم عرضه لكان خلق حالة مهمة جداً بالنسبة للدراما السورية. ـ ولكن ما أسباب توقيف المسلسل؟ ـ السبب الرئيسي ان هذه الشخصية أشيع انها ترتبط باحدى الشخصيات في التاريخ السوري والتي لا يراد ان يثار الحديث عنها، ولكن عندما تعودين إلى المسلسل سترين انه لا يتقاطع لا من قريب ولا من بعيد مع هذه الشخصية، أما بالنسبة لمسلسل «نداء المتوسط» فقد مضى على توقيفه حتى الآن عام تماماً، وهذا العمل الذي كان من المفترض فعلاً ان يكون أهم إنتاج في تاريخ التلفزيون السوري، من حيث الامكانيات التي رصدت له (تم انجاز نصفه فقط)، وهو يتحدث عن حضارة أوجاريت، عن مدى التأثير الكبير الذي تركته هذه الحضارة في مجمل الحضارة الانسانية، فكان عملنا بالفعل يرصد مرحلة مهمة جداً من حياة أوجاريت، وهي المرحلة التي حاولت هذه المملكة من خلال السياسة الحكيمة للملك ان تتحرر أو تتخلص من التسلط الذي كانت تمارسه عليها مملكة الحيثيين الموجودة في الشمال، والمسلسل يرصد هذه المرحلة من التاريخ ويصور بانوراما للانجازات الحضارية بمعنى آخر كان يمكن ان يشاهد الانسان العربي كيف تكونت الأبجدية، والسفن وصناعة الأنسجة، شيئا لم يعرض على الشاشة السورية أو العربية. لا أخفي انني شخصياً أحارب من قبل بعض الاشخاص، وكان هناك نوع من الوشاية تجاه هذا المسلسل، والخشية من بعض الاسقاطات، فتم توقيفه، وأستطيع ان أقول لك حول الخبر الأخير عنه وفيه الكثير من المرارة والألم، ان أصحاب المطاعم الموجودة الآن في وادي قنديل «يفكون» أخشاب المدينة التي بنيت من أجل المسلسل ويستعملونها للشواء، بمعنى آخر ان ديكور المدينة يتحول الآن إلى وقود للشواء في المطاعم. راجعت العديد من الاشخاص المعنيين بهذا الموضوع وفوجئت بأن الصورة الموجودة لديهم حول المسلسل لا علاقة لها بالعمل لا من قريب ولا من بعيد. انهم يتكلمون عن مسلسل اخر ليس له اي علاقة بـ «نداء المتوسط». من حوالي السنة كان هناك قرار بامكانية استئنافه بعد تعديل في السيناريو وفعلاً تم تعديله وتمت تنقيته من اي امكانية لاي سوء فهم او اي اسقاط يخشى منه على امل ان نعود ونستكمل التصوير ولكن اعيد اغلاق الملف من جديد، ولم يعرف احد لماذا تحدث مثل هذه الاشياء، ولكن استطيع ان اقيم ما حصل، وخاصة اننا نتكلم عن الدراما السورية وتطورها، ونتحدث عن الخطاب الاعلامي المفروض ان ندعمه، في الوقت الذي نمنع المسلسلات ونوقفها، فهذا الامر مؤسف ومخجل. ـ لننتقل الى موضوع تحويل الروايات الى دراما، الا ترى ان هذا الامر يمكن ان يخلق بعض المخاطر؟ ـ اذا اردنا ان نختصر العلاقة بين الفن البصري والادب، اظن انها علاقة متكاملة، وسواء في السينما والتلفزيون من ناحية او الادب من ناحية اخرى، كل فن وكل نوع فني له شروطه وقوانينه، ومع ذلك يمكن القول انهما اكثر نوعين متقاربين (السينما والادب)، والسينما منذ بدايتها والتي قدمت افلاماً هامة في تاريخها كانت افلاماً مأخوذة من الادب (الرواية)، اذن عندما نستوحي من الادب اظن ان هذا يعطي للعمل الفني قيمة اهم واكبر، واستطيع القول اننا نضمن 50% من نجاح العمل عندما يكون هناك نص ادبي متين ومتماسك. لدي تجربة من خلال الاستفادة من الرواية السورية او العالمية، والحمد لله كانت التجارب جيدة، واظن ان الخطوة اللاحقة الان ان نتوجه الى امهات الروايات العربية والعالمية، ونحاول ان نقدمها للتلفزيون، ان نستفيد من خبرة الكتاب في التلفزيون. وعلى الادباء ان يعملوا في الفن الدرامي، وهذا يخدم الدراما ويرتقي بذلك سوياً العمل الفني. ـ اعمالك اما تاريخية او اجتماعية وهناك بعض منها كوميدية، لكن يلاحظ ان اعمالك التي تتحدث عن هموم الناس مباشرة يكون الابداع فيها راقياً وبالتالي يتقبلها الناس بصورة سلسلة، بصراحة اي هذه الانواع اقرب الى قلبك؟ ـ لا اشعر على الاطلاق انني مقيد بنوع محدد، اميل الى تجريب اي فن من الابداع، وعندما اقدمت على تجربتين في الكوميديا رأيت ان العمل الكوميدي بحاجة الى شخص لديه خفة دم اكثر مني، اي ان يكون حس السخرية متوفرا لديه. بصراحة العمل الذي وجدت نفسي فيه هو العمل الذي يحتوي على بعد مأساوي، تراجيدي درامي، واقرب عمل الى قلبي هو الطويبي. ـ يقال ان اللغة السينمائية لغة بعيدة عن التلفزيون، اذ انها تعتمد اكثر على الصورة، واما التلفزيون فهو بحاجة الى السرد، ماذا تقول؟ ـ هذه احدى المتاهات التي اغرقنا بها النقاد، وبعض المخرجين المنظرين، مسألة الاشكالية بين الصورة والمضمون وايهما الاهم الصورة ام المضمون؟ هذه عموماً احدى مشاكل النقد العربي، اي انه غالباً ما يثيرون زوابع في فنجان القهوة، (ويعملون من الحبة قبة)، بحيث تحولت المهمة الرئيسية للمخرج في ان يختار او يقرر ايهما الاهم، في حين انني ارى ان المخرج الحقيقي هو صاحب رسالة، مبدأ ومهمة ما، وقضيته اكبر من الصورة والمضمون، وهذه تأتي في مرحلة لاحقة وخلال العمل النظري والعملي اثناء العمل. في اعمالي احاول ان اخلق توازناً بين المضمون والصورة بل اركز على المضمون اكثر، ولا انكر على الاطلاق الدور الهام للصورة. ـ هل من مشاريع مقبلة؟ ـ هناك مشروعان، الاول للمؤسسة العامة للسينما، والاخر مسلسل تلفزيوني عن القدس. دمشق ـ ميادة بيلون