في وقت متأخر من ليل العاصمة السنغالية داكار وبعد ان هجع معظم الناس الى بيوتهم واطبق السكون على الشوارع، كان مرقص تيوسان يضج بالصخب والحركة. بين جدرانه احتشد حوالي 500 انسان تنعكس صورهم على مرايا السقف وهم يرقصون ليتحولوا الى كتلة تنضح العرق تبردها مجموعة من المراوح هنا وهناك. امام كل هؤلاء يقف يوسو ندور اشهر مغن في السنغال ان لم يكن اشهر رجل ايضاً. وتيوسان هو مرقصه الذي يغني فيه كلما أتى لداكار، معظم الموجودين هم من الزبائن المتكررين مما يعطي المكان طابعاً شخصياً لهم. ويندر ان تشاهد هذا المستوى من تركيز المستمعين على السماع حيث ينصتون لكل كلمة يقولها. وبقميصه البرتقالي يبقى يوسو مميزاً بين الجميع وهو يقف امام فرقته المكونة من سبعة اشخاص اربعة منهم يقرعون الطبول. وما ان يعطيهم اشارة البدء حتى تتقافز النساء والرجال ايضاً حوله ليشرعوا في الرقص بطريقة هستيرية تجعل الركب تصل الصدور والرؤوس تتنافض وكأنها ستنخلع من على الرقاب. واصبح من قبيل القول المعتاد وقد يكون العنصري ايضاً تكرار ان للأفارقة احساس سمعي افضل بالايقاع من غيرهم كما يشير الغربيون دوماً. لكن من يرى اولئك القوم وهم يرقصون يصعب ان يصل لنتيجة غير هذه. في ناحية اخرى من افريقيا وفي بلد اخر تجد هذا الشغف بالايقاع. ففي بلدة كيرسيرنج الجامعية تسمع اصوات الطيور على انواعها وهي تتصاعد من بين اشجار جوز الهند. ومن بعيد يتداخل صوت طبول بصوت الطيور. وتتبع صوت الطبول لتجد انه يتصاعد من درس في الايقاع تحت احدى الاشجار يقدمه احدهم لمجموعة من الشبان. تعرف جامبيا تراثاً موسيقياً قديماً. ويتمحور هذا الارث الموسيقي حول الايقاع وتحديداً الطبل التقليدي في البلاد الذي يسمى «دوجيمب» الذي يصنع من جلود الماعز وهو اشهر آلة موسيقية في غرب افريقيا. وهناك تجد بعض الاوروبيين وقد قدموا خصيصاً لتعلم ضرب هذه الطبول حيث يلقنهم اياها عازفون شعبيون في المجمعات السياحية ذات الطبيعة التقليدية. ويتكون الايقاع من ضربات بسيطة بداية الامر تتطور مع التقدم في الدروس الى ايقاعات اكثر تعقيداً، فمن ايقاع «كوكو» البسيط يمكن لمن يريد التعلم ان يصل مستوى اتقان الايقاعات المعقدة مثل «نيانج كاديف» الذي يعني باللغة المحلية «كيف حالك؟». وكانت جامبيا طويلاً مكاناً تمتزج فيه الشعوب وثقافاتها من كل انحاء المنطقة المحيطة وبالتالي موسيقاها ايضاً. ومن هنا يأتي غنى الموسيقى الجامبية. والى جانب طبول دوجيمب هناك اشكال اخرى للطبول مثل «سابار» الذي يضرب بعصى من شجرة الاكاسيا والطبل الاخر الذي يسمونه «الطبل الناطق» وهو اشبه بالدربكة الصغيرة التي توضع تحت الابط وطبل بالافون وطبل كورا الذي يصنع من خشب السنديان. وطبعاً، هناك اشياء اخرى تشد السياح الى كير سيرنج الى جانب الموسيقى. فقريباً منها يوجد شاطئ نخيل شديد الهدوء يؤدي اليه درب ريفي. وفي المدينة اسواق شعبية صاخبة الى جانب بحيرة اصبحت موطناً لحوالي ثمانين تمساحاً «مسالماً»، تقصدها الكثير من النساء العقيمات على أمل ان تكون علاجاً للانجاب. وليالي البلدة صاخبة. ففيما ينشط الناس نهاراً في متابعة اعمالهم يتحول المكان ليلاً الى مسرح مفتوح لكل من اراد الرقص والغناء والموسيقى، اضافة للنوادي الليلية والمراقص التي تقدم لزبائنها اصناف الموسيقى الشعبية. في احد هذه النوادي بدأ العازفون يلهبون الاجواء بطبولهم والراقصون الذين تسخنت الدماء في عروقهم من كثافة الايقاع اخذوا يرقصون رقصة افريقية تقليدية وهم يرتدون «ملابس» تقليدية لهذه الرقصة تجعلهم كالدجاج وهم ينسون انفسهم رجالاً ونساء في حركات اكروباتية كانت تثير الفزع في قلوب الغرباء الاوائل الذين دخلوا البلاد القرون الماضية لكنها اصبحت اليوم فن يقابل بالتصفيق والهتاف. وفي ناد مجاور يتعالى صوت الطبول ايضاً وهي تصدر الايقاعات نفسها التي ينسجم معها الراقصون على اختلاف الوانهم من محليين واجانب وزوار افريقيين وغيرهم. كلها سواء كانت في داكا او هنا في جامبيا ومهما تنوعت الاصوات الموسيقية تظل تفرعات لتراث موسيقي واحد. جلال الخليل