تشير الاحصائيات الى ان هاتفاً متحركاً يسرق كل 45 ثانية في بريطانيا. وتقول الحكومة ان صناعة الهواتف الخليوية لا تقوم بما يكفي لجعل الهواتف أهدافا أقل جاذبية للصوص. لكن في حين ان بعض الأخطاء الفاضحة المرتكبة من قبل مصنعي الشبكات والأجهزة، تسهل على السارقين اعادة بيع الهواتف، فإن الحكومة تتحمل جزءاً من المسئولية هي الأخرى. ويقول روس اندرسون في جامعة كمبردج: «لقد حذرنا وزارة الداخلية مراراً وتكراراً بخصوص هذه المشكلة» ومؤسسة أبحاث سياسة المعلومات التي تراقب تأثير التكنولوجيا على المجتمع والتي شارك اندرسون في تأسيسها، لم تتوقف عن لفت نظر الحكومة الى مدى سهولة اعادة استخدام الهواتف المسروقة. لكن الحكومة كانت دائماً تتجاهل هذه التحذيرات. عندما يسرق أي هاتف متحرك يتم تجميد «حساب» المستخدم الذي تخزن تفاصيله على بطاقة «سيم» الموضوعة داخل الجهاز. وهذا يمنع أي شخص من إجراء الاتصالات على حساب صاحب خط الهاتف المسروق. لكن رغم ذلك بمقدور اللصوص استخدام جهاز الهاتف نفسه . إذ هناك برمجيات متوفرة على الانترنت كفيلة بإظهار الأرقام الشخصية السرية التي تستخدم لإقفال لوحة المفاتيح، وإن كان معظم المستخدمين لا يقومون بإقفال أجهزتهم بهذه الطريقة على أي حال. إذن يمكن ببساطة استبدال بطاقة «سيم» بأخرى جديدة لاستخدام الهاتف المسروق بشكل طبيعي. لكن بعض مصنعي الهواتف المتحركة بدأوا يعالجون هذه المشكلة الآن. ومثال ذلك ان معظم هواتف «نوكيا» الحديثة تتوقف عن العمل عند استبدال بطاقة «سيم» ولا تعمل إلا بعد ادخال الارقام الزرقام الشخصية السريّة. لكن الخطأ الفاضح الحقيقي الذي ارتكبته الشركات المصنعة هو في الأرقام التسلسلية المبرمجة في كل جهاز محمول. وهذا الرقم المتسلسل المؤلف من 15 خانة يعرف دولياً برمز «هوية جهاز الموبايل» (إيماي) وهو مصمم ليعمل على شبكات «جي.إس.إم» المستخدمة في معظم البلدان في أنحاء العالم. ويصدر مجلس الموافقات البريطانية الخاص بالاتصالات الهاتفية أرقاماً لهواتف «جي.إس.إم» المصنوعة والمُباعة في أي مكان في العالم باستثناء أمريكا الشمالية. ويتقدم مصنعو أجهزة الهاتف بطلبات للمجلس للحصول على ملايين الأرقام التسلسلية التي تبرمج في الهواتف على خط الانتاج. وقد قامت شبكتان من شبكات الاتصالات الأربع في بريطانيا، وهما «أورانج» و«وان 2 وان» بتركيب برمجيات يمكنها التعرف على الهواتف المسروقة من خلال أرقامها التسلسلية، وبالتالي تعطيل استخدامها. لكن الشركتين الأخريين «بي.تي.سيلنت» و«فودافون» اللتين تهيمنان على 55% من السوق تقولان إن البرنامج لا يستحق تكاليف تركيبه التي تبلغ 16 مليون جنيه استرليني. لكن ما لم تعمد جميع شبكات الاتصالات الى استخدام برامج الحجب، فإن الهواتف المسروقة ستظل قابلة للاستخدام، مما يسهل بيعها ويشجع على سرقتها. لكن تكرار بعض الأرقام المتسلسلة عن طريق الخطأ في أكثر من هاتف يعرض مستخدمين أبرياء لتعطيل هواتفهم مع الهواتف المسروقة التي تحمل نفس الرقم. كما أن شبكات الاتصالات الخليوية تضاعف نقاط ضعف نظام الأرقام التسلسلية بعدم اطلاع بعضها البعض على قوائم أرقام الهواتف المسروقة. وهكذا فإن الهاتف المحجوب عن خدمة شبكة معينة يمكن ان يستخدم في شبكة أخرى. ولكي تكون الطريقة فعّالة يجب تعميم المعلومات دولياً، وإلا يمكن ببساطة شحن الهواتف المسروقة في بلد معين الى الخارج لتستخدم هناك. وثمة طريقة فعّالة أخرى لتضييق الخناق على الهواتف المسروقة، دون الحاجة لجهود شبكات الاتصالات وهي أن تسمح الحكومات لقوات الأمن باستخدام جهاز يدعى «ملتقط هويات مشتركي الهاتف المتحرك الدوليين» طورته شركة «رود اند شفارتس» الهاتفية. وباستغلال نظرة أمنية في خصائص شبكات «جي.إس.إم» يستطيع هذا الجهاز التقاط تفاصيل محتويات جميع الهواتف الموجودة ضمن نطاق محدد، وبالتالي التعرف على الأجهزة المسروقة من خلال قراءة أرقامها التسلسلية ومقارنتها مع الأرقام التي تم الإبلاغ عنها. لكن هناك ثمن لهذه التقنية. فأجهزة الالتقاط تسبب تشويشاً لاسلكياً للمستخدمين الأبرياء، ويقول هانز فيدارات من جامعة دريزن التقنية ان شركات الاتصالات الالمانية غير متشجعة لاستخدام هذه الاجهزة البوليسية. وتقول هيلجا شوماخر من اللجنة الالمانية لحماية البيانات ان الشركة المنتجة لأجهزة الالتقاط توفر نوعين من الجهاز، احدهما يتلقط المحادثات الهاتفية اضافة للأرقام التسلسلية وهو ما يعتبر تطفلا صارخا على الخصوصية الفردية. وبسبب هذا التهديد المباشر لسرية المعلومات الشخصية استحدثت ألمانيا الشهر الماضي قيودا فضائية تحظر استخدام الجهاز باستثناء حالات خاصة كتلك التي لها علاقة بمكافحة الجريمة المنظمة وعصابات المخدرات. لكن انصار الحريات المدنية يبدون قلقهم الآن في ان يباع الجهاز الى حكومات أو اجهزة امنية سرية في بلدان اخرى. ويبدو واضحا في ضوء المعطيات الحالية انه اذا لم تتخذ شركات الهواتف المتحركة اجراءات صارمة للتضييق على سرقة الهواتف، فإن الحكومة قد ترى في الجهاز اللاقط طريقة ملائمة جدا لمكافحة هذه الجريمة المتفشية بشكل متزايد، لكن ثمن ذلك سيكون باهظا في انتهاك سرية المعلومات الشخصية. علي محمد