ما من شيء قادر على انتاج كلمة «فرحة» سوى كلمة «عيد» وما من ذاكرة تجرؤ على ان تعبث بهذا الربط، أو تنال من حتميته.. ذلك ان العيد يعتبر زغرودة من الصعب تجاهلها أو التقليل من شأن وقعها في نفوس الناس. وإذا كان التوقيت هو المبدأ الزمني الذي يحكم اطلالة الاعياد المعروفة، إلا ان العيد بصفته فرحة مقروءة في حينها يملك «أعياد الذاكرة» حيث الطيبة التي أصابتها الشيخوخة، والطيبة التي أصبحت تبحث عن عكازين يسندانها من السقوط المبين. ويبدو اننا لم نرث من اعيادنا منذ زمن الطهارة وعفوية الروح سوى طقوس غير مأهولة بمعنى العطاء الانساني، بمعنى انه أصبح مكدساً بعادات وتقاليد منزوعة من سياق حقيقتها المرجوة. انه عيد الأضحى أكثر الأعياد ضرباً في جذور شعائر الإسلام والحقيقة الايمانية، لأنه يملك مرويات وخطابا دينيا له دلالات دينية ثرية ذات مغزى، إلا ان البعد الانساني الذي يكتنفه على مستوى الممارسة الحياتية يتعرض للتآكل بسبب اللهاث وراء الذات والانشغال عن بعضنا البعض. ولأن رهاننا على ان عيد الأضحى له خصوصيته لدى المسلمين، فإن «دنيا الناس» حملت كل اسئلتها المترعة برائحة الطين يوم كانت القلوب متراصة كجدران أصحابها، وقد دفعت بكل مآزقها إلى ملعب ضيوفها، ماذا يعني لهم عيد الأضحى؟ وهل هناك ثمة فارق في وجدانهم بينه وبين عيد الفطر؟ لذلك يبقى رجاؤنا مندساً في رائحة الماضي.. فهل استثيرت أنوفنا وحواسنا وذاكرتنا أم يبقى فضولنا مسيجاً بإملاءات الحاضر وتجلياته.. تابعوا معنا.. يقول حسين محمود تنيدة «مدير محل»: من ناحية الفرحة لا يوجد لدي فرق بين عيد الفطر وعيد الأضحى، فكل منهما بشكل عام يمثل مناسبة دينية نعتز بها كمسلمين، لكن في الحقيقة، على المستوى الشخصي لي وجهة نظر كإنسان بسيط وهي انني أفرح كثيراً بعيد الفطر، لأن أيامه تظهر لنا الأطفال وهم في أبهى أزيائهم، وأعذب ضحكاتهم، وحركاتهم الشقية في الحدائق والاماكن العامة، وأنا بصفتي صاحب محل في شارع الوحدة بالشارقة أراهم يروحون ويجيئون والابتسامة لا تفارق شفاههم، ويركضون وراء بعضهم البعض، فأشعر بالبراءة والطهارة وقد حلتا على الشارع، وبوصفي أبا لأولاد أجدهم صباح العيد وهم يملؤون البيت بتحركاتهم الكثيرة ومطالبتهم بـ «العيدية»، واصرارهم على زيادتها عن العيد الفائت .. وبصراحة لا أجد هذه الأشياء في عيد الأضحى، رغم وجود كل المظاهر السابق ذكرها، لكنها لا توجد بالمستوى نفسه من الضجيج البريء الموجود في عيد الفطر، ربما لأنه العيد الأول الذي يأتينا خلال العام.. وان عيد الأضحى يعتبر تكراراً له وبالتالي يكون نصيبه من بهجة الاطفال أقل بدرجة ما، هذا بالنسبة للصغار، أما الكبار فلهم احساسهم الخاص بعيد الأضحى، والاحساس هنا يعود لسببين لا غير، الأول يتعلق بالذي أدى فريضة الحج، حيث يسترجع ذكرياته مع هذه الفريضة الجليلة، وكل ما تحمله من شعائر كان يحلم بها، من ضمنها مثلاً زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا والاحساس الثاني مرتبط بحالة الشوق التي تنتاب من لم يحج، فتراه يفرح بعيد الأضحى كـ «بروفة» أو تدريب على الفرحة التي يعد لها أو يتمنى تحقيقها في العيد المقبل، إذن عيد الأضحى من اختصاص الكبار الذين بلغوا من العمر عتيا ويتمنون ان يكونوا أحد ضيوفه بجوار الكعبة الشريفة. الماضي الجميل ويقول محمد عبدالمنعم (موظف): أنا أفرح كثيراً بعيد الأضحى، وذلك لعدة أسباب من ضمنها مسألة توزيع الأضاحي على المحتاجين والفقراء من الأقارب والغرباء، فهي تمثل بالنسبة لي قمة المشاركة الانسانية، والعطاء المتبادل بين القادرين وغير القادرين، المتجسد في الاحساس الجميل بين الطرفين، وإذا كان الزمن ودورة الأيام وتقلبات الحال وفقر المشاعر قد ساهمت في تقليص حب الناس لبعضهم البعض، إلا ان عيد الأضحى يدفعنا على مستوى الذاكرة، إلى استعادة الزمن الأصيل، وأيام الطيبة، حيث الجار يشارك جاره في كل شيء، حتى في تبادل الأطعمة والمأكولات، أما الآن فالأمور اختلفت، ولست أدري ما هو السبب؟ فالعيد لم يتغير والناس موجودون كما هم، لكن يبدو ان التغيير قد حدث في نفوسنا، حيث تحول اهداء عدة جرامات من الأضحية من حب وتعاطف وتعاضد إلى مجرد واجب، وربما منّة يمارسها «المضحي» من أجل ارضاء العرف العام، والسائد الاجتماعي، بصراحة أكثر كنا في الماضي في بلادنا نقدم الأضاحي دون ان يعلم أحد، أو يراها شخص ما، لأننا كنا نؤمن بسرية الفعل الخير، وعلانيته عند الله سبحانه وتعالى، أما الآن فكل شيء يسير طبقاً لما قبل، لكن عبر «الفشخرة» الكاذبة، والتصريح بفعل الخير على الملأ حتى أصبح المحتاج يشعر بمهانة كبيرة حين يذكر اسمه في قائمة المحتاجين، فالمسلم الفقير ما زال يملك كرامته الآدمية، لكنه يبدو انه أصبح يغض الطرف غالباً عنها، لسبب بسيط وهو انه في حالة عوز وحاجة وشوق لطعم اللحم الذي ارتفعت أسعاره هذه الأيام، أرجوك لا تضحك، فأنا أعي ما أقول واعذرني ان استطردت بكل هذه التداعيات فأنا لا أقول شيئاً من فراغ، فبرغم صغر سني أشعر بمرارة كبيرة لتحويل عيد الأضحى عند الكثيرين إلى تظاهرة «طائية» يبغي من ورائها المانح صفة الكرم والمنقذ لبطون الفقراء والمساكين لذلك أقول ان عيد الفطر يمتلك فرحة تخص الكبار والأطفال معاً، أما عيد الأضحى فهو يمتلك ماضياً رائعاً من محبة الناس، يجعلنا نشعر بالحنين إلى هذه الأيام، التي كان المحتاج فيها يأخذ نصيبه من الأضحية وهو مرفوع الرأس.. ودون ان يشعر بأن ما يأخذه جميل يطوق عنقه، بل هو واجب، وحق على القادرين ان يؤدوه في صمت كريم. أما ياسر عبدالله (عامل) فقد كانت له وجهة نظر مختلفة حيث قال: كيف نشعر بالعيد واخواننا في فلسطين الحبيبة واقعون بين فكي العدو الصهيوني الغاشم، كيف أفرح وأنا أرى الدماء تسيل على أرض قدسنا الغالية؟ ان القلب ليدمع ونحن نرى اغتصاب المكان والزمان والانسان.. هل أصبح في استطاعتنا ان نستمتع بطعم الأضاحي وأبناء العراق يموتون جوعاً فوق أرضهم؟ ان العيد من وجهة نظري هو يوم تحرير فلسطين من أبناء الأفاعي الأوغاد، العيد هو ان نرى الشعوب العربية وهي تمتلك مصيرها وحريتها من الاستعمار بكل أشكاله وألوانه ومظاهره، فلنتخيل معاً مشهد الأطفال وهم يقتلون ويذبحون، والبيوت المتهدمة بالجرافات، مشهد الطفل وهو يموت بسبب عدم توافر جرعة دواء لنتخيل كل هذا بينما أناس آخرون يبتهجون للذبائح وولائم «الفتة» والتنزه في الأماكن العامة والحدائق والمراكز التجارية، فلنقم شعائر ديننا الحنيف لأنه واجب علينا، ونسعى لثوابه عند الله سبحانه و تعالى، لكن يجب علينا في نفس الوقت، ان نتعلم الحزن وهو أضعف الايمان، نتعلم ان نشعر بمرارة في أفواهنا وهي تمضغ لحم الأضحية، نتعلم ان نشعر بالبرد ونحن تحت بطاطيننا، إذ أولادنا يموتون برداً في أرض فلسطين، نتعلم ان نقول الله أكبر في كل أوقاتنا بدلاً من ان نقولها في صلاة العيد فقط، يجب ان نتذكر انه في الوقت الذي نمسك فيه بأيدينا قطعة لحم، يوجد من يقبض بيده على حجر في مواجهة بني صهيون، أقولها وأكررها، مئات المرات، لن أستطيع ان أشعر بطعم أو بهجة أي عيد وفلسطين الغالية تئن في الأسر، وترزح تحت نير الاحتلال.. العيد كما قلت سابقاً هو عودة فلسطين والعراق إلى حريتهما، هذه هي الفرحة الحقيقية. طبيعة عملي ويقول عبدالستار عبدالعاطي «عامل» من ناحية المناسبة لا يوجد فرق عندي بين عيد الفطر وعيد الأضحى، هذا بشكل عام.. أما على المستوى الشخصي وبصراحة فأنا أسعد كثيراً بعيد الفطر، لأني اتعب كثيراً من الصيام، لكن يجب ان أؤديه لأنه فرض على كل مسلم، والتعب سببه طبيعة عملي الشاقة، فأنا أعمل في مصنع لصناعة صهاريج المياه، وهذه الصهاريج تصنع من مادة تسمى الفيبرجلاس وهي مادة لها رائحة نفاذة تكاد ان تصيبني بالدوار في الأيام العادية، فما بالك بأيام الصيام، لذلك انتظر بفارغ الصبر عيد الفطر وليس معنى ذلك انني أتململ من الصيام، كما يفعل كثيرون ممن لا يتحملون الجوع والعطش، لكن كما ذكرت السبب هو عملي المضني، لذلك أفرح كثيراً بعيد الفطر لأنني ارتاح من الصيام الذي يرهقني أثناء عملي الصعب. أما إبراهيم يوسف صاحب محل ملابس رجالية والذي تحدث من زاوية البيع والشراء وهو حق لا نستطيع انكاره عليه، حيث قال: بصفتي صاحب محل، ازعم ان الاعياد تعتبر مناسبة تجارية لانعاش حركة البيع، تماماً كأصحاب المطاعم الذين ينتظرون انتهاء شهر رمضان لكي يواصلوا تقديم وجباتهم للزبائن، ولماذا تذهب بعيداً، فموسم الحج في حد ذاته وفي داخل مكة ينتظر التجار العيد لترويج بضائعهم، وزيادة نسبة البيع من المسابح والبخور والعطور وسجاجيد الصلاة، وصور الكعبة.. إلخ، لذلك استطيع ان أقول ان عيد الفطر هو من أكثر الأعياد اقبالاً على الملابس النسائية والرجالية وملابس الأطفال، وعلى المستوى الشخصي فأنا أجني أرباحاً معقولة في أيام هذا العيد.. أما عيد الأضحى فلا يشهد أي انعاش في حركة البيع، لأن الناس لا تقبل إلا على شراء الذبائح والأضحيات، ربما لأن الفترة القصيرة بين العيدين لا تسمح بتجديد الملابس أو اعادة شراء غيرها. ويضيف اليوسف.. أما على المستوى الوجداني فأنا لا أحس بطعم أي عيد من الأعياد لأنني أعيش وحيداً بعيداً عن أسرتي الموجودة بلبنان، فالعيد كما يقولون «لمّة» فوجودك وسط أسرتك في الأيام العادية من أجمل الاوقات، فما بالك لو كانوا موجودين معك في أيام العيد، فكل ما أفعله هو اجراء مكالمة هاتفية لهم في لبنان لكي أهنئهم بهذه المناسبة، وبمجرد ان أسمع صوت زوجتي وأولادي أشعر بغصة تجعلني لا أهتم كثيراً بالعيد، عموماً اعتقد ان الأعياد بشكل عام تستمد بهجتها من وجود الأهل حولك وكذلك احبائك وأصدقائك. استدعاء ذكريات ويوافقه رضا طلبة في بعض النقاط حيث يقول: عيدي الحقيقي هو انني أنجبت أول فرحتي وهي ابنتي مريم.. ولعل عيد الأضحى يعتبر أول عيد وأنا أحمل صفة «أب» ولهذا اعتز به لأنه يأتيني مع وجود ابنتي الغالية..لكن عموماً الأعياد في الغربة تنقصها وجود اسرتك الكبيرة والصغيرة معك، أو ان تذهب في هذه المناسبات إليهم في الاجازات، ربما يحمل العيد نكهته في الغربة مع سهرات الأصدقاء والأقارب، حيث نسترجع لحظات هذه الأعياد في جلساتنا، ونعيش حالة من الحنين للماضي الجميل، والناس الطيبين خاصة انني من صعيد مصر، وأجواء العيد في تلك المنطقة تبدو أكثر حميمية، وأكثر دفئاً وبهجة، وان كنت اعتقد ان علاقات الناس أصبحت غير مترابطة كما كانت من قبل. لا اجازات أما فتحي شيخون «عامل» فقد تحدث بمرارة كبيرة عن وضعه كعامل أيام العيد حيث يقول: هل تصدق اننا كعمال لا نأخذ أية اجازة في هذه المناسبات، وإذا حدث كرم من صاحب العمل فإنه يمنحنا يوماً واحداً فقط من مجمل الاجازة، فتخيل انت تعمل وغيرك يستمتع بالعيد.. بصراحة أنا أشعر بحسرة لا حد لها خاصة في أيام الأعياد، أما عن الفرق بين عيد الفطر وعيد الأضحى في نظري فهو ان عيد الفطر يبدو فيه الأطفال هم درة العيد حيث ملابسهم المزركشة بألوانها الزاهية ومرحهم الرائع فأنت لو نظرت إلى الحدائق العامة ستراها مكتظة بالأطفال والعابهم أكثر مما هي مليئة بالكبار، أما عيد الأضحى فيظهر اكثر بهجة لدى الناس الذين ينتظرون حاجاً من ذويهم. مجدي أبو زيد