بيان الجمعة: غطت الصحافة المصورة في فترة السبعينيات من القرن الماضي احداثاً عظيمة، وقامت بتحقيقات طريفة وغريبة، وركزت شأن الصحافة عموماً على الجوانب الانسانية في الصراعات المختلفة التي دارت رحاها في تلك الايام. وكان لمجلة «صنداي تايمز» اللندنية نصيبها من تلك التغطية من خلال مجموعة من المصورين الصحافيين الذين تميزوا في مجال عملهم. في التاسع عشر من ديسمبر 1971، مضى المصور الصحافي دون ماكولين في رحلة بحث قصة تصلح لكي تكون موضوع الغلاف في المجلة الى مقاطعة لندن ديري في إيرلندا الشمالية التي كانت تعتبر محور الاضطرابات في ايرلندا منذ الحصار العظيم في عام 1689. كان ماكولين مشهوراً بالتقاطه لصور مذهلة للدمار البشري من مناطق الصراع. وفي تقريره المصور المؤلف من 12 صورة، التقط فظائع اعمال العنف التي اندلعت بين القوات البريطانية ـ التي اعادت احتلال المنطقة بعد اضطرابات معركة بوجسايد في اغسطس 1971 ـ وكاثوليكيي ديري. وقد شاهد ماكولين رجال ديري وهم يحاولون الهجوم على الجنود البريطانيين. كان السكان المحليون هناك قد اعتادوا على الاشتباك مع شرطة اولستر، وكانوا يستخفون بالجنود لاعتمادهم على الرصاص المطاطي، الذي ابقاهم على مبعدة من المتظاهرين. وشاهد ماكولين ربات البيوت وهن يدخلن بيوتهن مذعورات من تقدم الجيش في وليام ستريت، بعد سقوط زخات من الحجارة على رؤوس افراده. وفي منطقة ليتل دايموند» بالقرب من مركز المدينة، هرب صانعو الاحداث من هجوم بالغاز المسيل للدموع ـ بالقفز فوق جدار في المنطقة. وبعضهم طور مناعة ضد الغاز واخذ يسخر من الجنود قائلاً: «اعطونا المزيد، انه يجعل شعرنا ينمو». ومن الموضوعات المشوقة التي غطاها صحافيو مجلة «صنداي تايمز» موضوع الطائرة الخاصة لهيو هيفز صاحب مجلة «بلاي بوي» الامريكية. وكان امتلاك الطائرة الخاصة المصممة خصيصاً لتلائم رغبات هيفز احد الاحلام الكثيرة التي حققها المليونير في حياته. وقد التقط المصور روبرت فريسون صوراً جميلة للطائرة الخاصة من طراز دي سي ـ 9، التي كانت مطلية بلون اسود براق من الخارج مع رسم لأرنب ابيض على ذيلها. وكانت الطائرة من الداخل فخمة للغاية، حيث تحتوي على غرف للنوم وحمامات وقاعة فيها شاشة عرض سينمائية وصالة رقص. وصور روبرت ايضاً المقصورة الرئيسية، التي لم تكن تخلو من الحسناوات اللواتي تم اختيارهن بعناية. وفي عام 1975، اكتشفت المصورة الالمانية ليني رايفنستال بالصدفة رجال قبائل جنوب شرقي النوبة في ثلاث قرى جبلية نائية في جنوب السودان. وقبل ذلك التاريخ، كانت القبيلة معروفة لمجموعة صغيرة فقط من علماء الانثروبولوجيا وامضت رايفنستال، التي كان عمرها 73 عاماً حينها، ثلاثة اشهر في تصوير جميع جوانب حياتهم، وهو انجاز مذهل نظراً لانهم كانوا يكرهون التقاط الصور لهم، وكان الطقس حاراً بدرجة كبيرة حتى انه كان من المستحيل الوقوف في بقعة واحدة اكثر من لحظة. مجتمع لا طبقي كانت هذه القبيلة تشكل مجتمعاً لا طبقياً يتألف من المزارعين والصيادين الذين كانوا يعيشون على سفوح التلال منذ 200 عام على الاقل. والشيء اللافت للنظر فيهم كان جمالهم وقوتهم وشجاعتهم والطقوس التي كانوا يؤدونها لإظهار هذه الصفات. كان الشبان من الجنسين يسيرون عرايا باستثناء حزام على خصورهم. وفي كل يوم، كان الرجال يزينون اجسامهم برسم تصاميم جديدة عليها، بينما كانت النساء يتزين بدهن الاجسام بالزيت الاصفر او الاحمر وصبغة المغرة «اكسيد الحديديك المائي الطبيعي». وكان الزيت يلعب دوراً كبيراً في حياتهم. فهو يشكل اساساً للرسم على اجسام الذكور، وكان يستخدم كدواء وبدونه لم تكن النساء تغادر اكواخها الطينية لان الخروج بدون الزيت يعني الخروج في حالة عرى تام. كانت الرياضة الرئيسية للقبيلة هي المبارزة بالعصا والسوار، وهو نشاط دموي عنيف يشارك فيه جميع رجال القبيلة من القرى الثلاث. يتم نشر الخبر عن المبارزة المقبلة لعدة ايام ويوضع مستطلعون على الصخور المطلة على القرية المضيفة لكي يعلنوا عن اقتراب المقاتلين الزائرين. يحمل المقاتلون عصياً واساور برونزية مربوطة بحزام الى معاصمهم، يستخدمونها في قطع رأس الخصم. ولا تنتهي المبارزة الا اذا عجز احد المتنافسين عن مواصلة القتال بسبب فقدان الدم او الانهاك او تم ايقافه من قبل احد الحكام. لا يسمح للفتيات ممن هن في عمر الزواج بمشاهدة القتال، فهن يقضين الوقت في الاستعداد للطقوس ما بعد انتهاء القتال، حيث يسمح لهن بعرض مفاتنهن في رقصة احتفالية. وخلال الرقص، تقوم الفتيات باختيار شريك الحياة بوضع اقدامهن على الرجل الذي يخترنه. ويحظر على المقاتلين النظر الى الفتيات ويفرض عليهم التحديق في الارض في انتظار ان يتم اختيارهم. مع انتهاء اقامتها في المنطقة، كانت رايفنستال تعاني من انهاك الحرارة، وكانت ضعيفة جداً بحيث لا تقوى على التقاط اي صور اضافية. وكانت تلك على الارجح هي المرة الاولى التي يتم فيها تصوير القبيلة القاطنة جنوب شرقي النوبة. ضرار عمير