بيان الجمعة: في ربيع عام 1998، قام روبرت بالارد، عالم الآثار الامريكي مع فريق من الباحثين بالغوص في اعماق البحر الابيض المتوسط على متن الغواصة النووية «ان آر1» التابعة للبحرية الامريكية بهدف استكشاف الكنوز الاثرية التي كانت تحملها السفن القديمة التي تحطمت في المنطقة الواقعة شمال افريقيا بين تونس وايطاليا، حيث كانت تزدهر التجارة في المياه المفتوحة بين قرطاج وروما. انطلقت سفينة الاسناد «كارولين شويست» واصبحت على بعد 70 ميلاً الى الغرب من صقلية عندما هاج البحر، وتحطمت موجة ضخمة فوق سطح السفينة لتفصل «جاسون»، وهي مركبة، تزن 1.5 طن ويتم تشغيلها عن بعد، عن منصتها. وقد كافح طاقم السفينة من اجل اعادة ربط المركبة الحساسة وغير القابلة للاستبدال بمرابطها، ونجحوا في ذلك بحد ادنى من الاضرار. وقبل ايام من هذا التطور شاهد الفريق بانبهار الصور التي التقطتها كاميرات الفيديو المثبتة على المركبة «جاسون» لقاع البحر المتوسط، والتي كشفت عن وجود بقايا سفن تحطمت في اجواء عاصفة خلال الالفي عام الماضية. بعض تلك السفن كانت سفناً خشبية تجارية تتبع الامبراطورية الرومانية. وكان ربابنتها من التجار المغامرين والمجازفين. وفي حين كان يلتزم بعض البحارة بالسواحل، فإن اولئك التجار قد نفضوا الخوف عنهم وابحروا عبر المتوسط بين روما وقرطاج، القريبة من تونس اليوم، آملين بجني الارباح من حمولتهم من النبيذ وزيت الزيتون او صلصة السمك. لكن الكثيرين منهم دفعوا ثمناً باهظاً لجسارتهم. وعندما كانت العواصف تطيح بالسفن، فإن تلك التي لم تكن تغرق على الفور كانت تعمد الى التخلص من حمولتها على امل ان تبقى عائمة. وخلال اربع حملات استكشافية بدأت في عام 1988، استطاع مشروع سكيركي بنك لاعماق البحار ان يوثق ثماني سفن محطمة، هي خمس رومانية يرجع تاريخها الى ما بين 100 عام قبل الميلاد و 400 عام بعد الميلاد وسفينة من اصل شمال افريقي تحطمت في القرن السابع او الثامن عشر واثنتان من القرن التاسع عشر او القرن العشرين. وجميعها كانت في نطاق منطقة تبلغ مساحتها 55 ميلاً مربعاً. وحتى الان، كانت دراسة السفن المحطمة محصورة بشكل اساسي بمواقع لا يزيد عمقها على 200 قدم، وهو الحد الذي يمكن ان يبلغه الغواصون. وهذا يعني ان 79% من محيطات العالم لم يتم فحصها ابداً، وهذه الاعماق يمكن ان تحوي من التاريخ اكثر مما تحويه جميع متاحف العالم مجتمعة. وبالغوص الى عمق 2800 قدم، يكون الفريق قد نقل علم الآثار البحري من اطراف المحيطات الى اعماقها. حظي المشروع بدعم جزئي من الجمعية الجغرافية الوطنية الامريكية ومكتب البحوث البحرية وصندوق جيه. ام كابلان. وتضمنت ترسانة الفريق التقنية غواصة البحث النووية «ان آر ـ 1» التابعة للبحرية الامريكية، المزودة بسونار قوي بعيد المدى يمكنه ان يعثر على الاشياء الصغيرة في رقعة واسعة من الاعماق. بعد تحديد الهدف، انزل الفريق المركبة «جاسون» لمسح الموقع واخراج القطع الاثرية. وتحت اشراف آنا مارجريت ماكان من جامعة بوسطن، استطاع الفريق ان ينتشل اكثر من 150 قطعة اثرية ـ قوارير فخارية وادوات زجاجية ومراسي ـ من مواقع لم يمسها اللصوص او الصيادين او العواصف نظراً لعمقها. وقد اتاحت قدرة جاسون المتقدمة للفريق امكانية تجميع خريطة ضوئية بالسونار لسفينة محطمة في غضون ساعات من الوصول الى الموقع مقابل الاسابيع او الاشهر التي كان يستغرقها هذا العمل باستخدام غواصين في المياه الضحلة. وعلى الرغم من ان هذا المشروع كان مجرد البداية لعلم الآثار المتعلق باعماق البحار، الا انه بات بالامكان الان كتابة فصل جديد في التاريخ الاقتصادي للعالم الروماني. والمشروع التالي سيكون مسحاً للاعماق في البحر الاسود، حيث هناك احتمال بان تكون السفن الخشبية المحطمة لاتزال بحالة جيدة في الاعماق المستنزفة من الاوكسجين. وهناك يمكن ان يجد الفريق سفناً اقدم مخبأة مثل كبسولات الزمن في انتظار حقبة جديدة من الاكتشافات الاثرية. استخدمت مركبة «جاسون» ذراعها المتحركة لرفع مرساة على عمق 2600 قدم من السفينة الرومانية الملقبة باسم ايزيس، وباستخدام كاميرات ثابتة وكاميرات فيديو وجهاز سونار وقدرات دقيقة في رسم الخرائط، استطاعت جاسون ان تقوم بعمل تحليلي لكل سفينة متحطمة. تتصل المركبة «جاسون» بمنصة معدنية مزودة باضواء وكاميرات مراقبة وتمثل قاعدة ثابتة تسمح لجاسون بالمناورة. ويقوم مصعد برفع القطع الاثرية في شباك لتوفير الوقت على المركبة. ويتيح مفاعل نووي متصل بالغواصة التحرك في الاعماق الى ما لا نهاية دون الحاجة الى الصعود الى السطح. وفي داخل الغواصة، يعمل علماء على توجيه الكاميرات للاشراف على عملية انتشال القطع الاثرية ومراقبتها من على شاشات بصرية.