بيان الجمعة: اذا كانت الاعياد لدى امم الارض لهوا معيبا يتعاون فيها الناس على الاثم وبهرجة في المظاهر وغيبة في الايمان كذلك فان للاعياد في منطق الايمان مذاقا آخر فبينما المحرمون هناك يسفحون الدموع انهارا ويرسلون الآهات عواصف، فان المحرومين في المجتمع الاسلامي يجدون انفسهم في ذلك اليوم ويحسون بكرامتهم واذا شكلت الانانية هناك حاجزا مانعا من الاحساس بوجود الآخرين فكان العيد فرحة افراد فان العيد في منهج الامة الاسلامية التي صاغها الايمان هو عيد الجميع بلا استثناء. ان عيد الاضحى له مذاق خاص لانه يعقب يوم الحج الاكبر حيث كان حجاج بيت الله الحرام وقوفا بالامس على عرفات يكبرون ويهللون خاشعين خاضعين لله رب العالمين يسألونه من فضله كلهم على صعيد واحد لا فرق بين غني وفقير وصحيح وسقيم ذابت الفوارق وارتفعت الحواجز قد تجردوا مما اعتادوه من لباس وزينة يربطهم الاسلام بروابطه الوثيقة تلك الروابط التي لاتتصل بالدم ولا تقوم على علاقة النسب وانما تجتمع على المثل الفاضلة التي صاغهم عليها الاسلام، تلك المثل التي تصور المستوى الرفيع للانسانية ونحن ـ المسلمين اذ نحتفل بيوم عيد الاضحى انما نحيي به في نفوسنا الروابط الانسانية التي جمعت بين المسلمين في الاساس وفي الغاية هذا العيد اعلان وتعبير عن الشعور النفسي بالفرح والسرور بموسم شرعه الله للمسلمين رباطا للاخوة المشتركة فها نحن نشارك اولئك الذين وفقهم الله لاداء فريضة الحج في سرورهم باتمام نعمتهم التي حازوها فضلا من الله ورحمة وسرورا بما شملهم الله به من قبول التوبة. وسنة الاسلام في اعياده التي شرعها ان يتيح للمسلمين توثيق الصلات الانسانية وتعميق الاخوة الاسلامية بالتزاور والتهاني والتصافح والتسامح واظهار الفرح والسرور واباحة ممارسة اللهو غير الضار وغير المفسد فان القلوب اذا ملت كلت فكان العيد ترويحا وفسحة في نطاق ما اباح الله من الطيبات. روى انس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: «ما هذان اليومان؟ قالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية فقال صلى الله عليه وسلم: ان الله ابد لكم بهما عيدي الفطر والأضحى. ان عيد الاضحى يعقب المؤتمر السنوي العام للمسلمين حيث كان التقاء الحجاج التقاء الاخوة في الله لا يحملون حقدا بسبب الدنيا وما فيها من شواغل ولا يتعالى احد على آخر بسبب مال او جاه. كان لقاء الايمان بالله وفي سبيل الله ومسارعة الى رضوان الله بأداء فريضة الحج فكانوا في الخير وللخير ولأنفسهم ولأمتهم. ان هذا العيد من مراسم الحج الذي يتحقق بالانتقال من مكان الى مكان ومن ذكرى الى ذكرى فابتدأت هذه الرحلة وهذه العبادة بطواف القدوم وسعيا بين الصفا والمروة ثم الوقوف بعرفة ثم الافاضة من عرفة الى المشعر الحرام وهو المزدلفة يوم العيد او يوم النحر ثم رمي الجمار ايام التشريق الثلاثة ثم الطواف بالكعبة هذه العبادة تهدف الى صفاء النفوس وتزكيتها والى تهيئة جو قدسي تتصل فيه النفوس بجلال الله سبحانه وتعلن فيه راضية مرضية «لبيك اللهم لبيك» استجابة لأمره مهتدية بهديه متخلية عن فتنة الدنيا وزينتها متحلية بوقار الايمان وجلال الاخلاص لله رب العالمين: «قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». سيذكر المسلمون حين وقفوا على عرفات الله ونحن نذكر معهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوفد علي بن أبي طالب رضي الله عنه الى ابي بكر رضي الله عنه وقد كان أميرا على الحج في العام التاسع من الهجرة برسالة تلاها على الناس جميعا وكان فيهم المسلم وغير المسلم قال علي ـ رضي الله عنه ـ في هذا الموقف اني رسول رسول الله اليكم جميعا: فقالوا: بماذا؟ فتلا عليهم اوائل سورة التوبة ثم قال: امرت بتبليغ اربع: لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان من المشركين له عند رسول الله عهد فهو الى مدته. وفي العام العاشر حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب الناس على عرفات خطبة استهرت وذاعت ارسى فيها الحقوق وحدد الواجبات وأعلن قبل ان يعلن الناس ان للانسان حقوقا وله التكريم اعلن المواساة والمساواة بين الناس جميعا ولا فضل لأحد على احد الا بالتقوى والعمل الصالح وان المؤمنين اخوة ولا يحل لامريء مال أخيه إلا عن طيب نفس. نذكر اليوم موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصحه للأمة وابلاغه الرسالة ونذكر كلماته ونتخذها لنا دستوراً واماماً «اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا». ونحن نستقبل اليوم عيد الاضحى المبارك نتذاكر انه عيد التضحية بالأهواء والشهوات لتكون الامة صفا واحداً بل وجسدا واحداً، كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» حتى تواجه الاخطار التي احاطب بها والمؤامرات التي تحاك ضد أمنها وسلامتها. نسأل الله ان يرفع من قدرة الامة الاسلامية وقدرتها «والله غالب على امره» «ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز» وكل عام وانتم بخير. بقلم: احمد عبدالتواب احمد