بعد العمالقة الأوائل الذين أرسوا دعائم الصحافة السودانية حاملين قبس التنوير بيد وبأخرى قضية، من طراز عرفات أحمد عبدالله الذي أضاء «الفجر» وحسين شريف الذي نحت مقولة «السودان للسودانيين» دخل إلى بلاط صاحبة الجلالة رهطٌ من الرجال العظام رغم أن بعضهم كان مسلحاً فقط بِوَلَه المهنة. من هؤلاء البناة العشّاق ثلاثة قدموا إلى الخرطوم من القضارف. كان في رصيدهم حظٌ قليلٌ من التعليم وقدرٌ كبيرٌ من العُصامية ونهمٌ غير محدود للإبداع، تلك الكوكبة قوامها عبدالله رجب ومحمد أحمد السلمابي ومحمد الخليفة طه الريفي. لكل منهم سيرة حافلة تُغري بالاقتداء وتُغري بالنسيج على منوالها إذ صار كل منهم علمٌ على طريقته. أقام الأول داراً صحفية وانتهى الثاني إلى دائرة أعمال تجارية، وأما الثالث فلم يبتسم له الحظ كما أراد إلا في وفاته ودفنه بمصر. رغم قلة حظه عاش الريفي حياة هانئة ذلك أنه كان رجلاً متصالحاً مع نفسه ومع الآخرين من حوله. ينعكس هذا التصالح في أن الريفي يُعد أكثر أنداده تنقلاً بين صحف الخرطوم إذ عمل في «صوت السودان»، «السودان الجديد»، «الرأي العام»، «الصحافة» و«الأيام». وقعد على كرسي رئيس التحرير أربع سنوات. كان الريفي مهيئاً لهذا التنقل بين هذه الدور متباينة المشارب والتوجهات استناداً إلى حرفة مهنية صقيلة مهدّت له القبول والنجاح، إذ كان صحافياً مطبوعاً يتميز بعين نافذة وبصيرة لمّاحة وبديهة حاضرة وعبارة قصيرة بليغة ولاذعة وصاحب أسلوب سلس في التناول والعرض والإمتاع. هذا التنقل لا يعني أن الريفي كان مجرداً من الرؤية السياسية. فالرجل شديدالاعتزاز بانتمائه الطائفي للختمية على نسق اعتزازه بانتمائه القبلي للشايقية وهو اتحادي مُلتزم، ولكن عند الحديث عن التشققات داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي فإنه غير مستعد للمساومة على ختميته فحيث تكون إشارة السيد علي الميرغني مرشد الحزب وزعيمه الروحي يميل الريفي. وكان الريفي من السودانيين المؤمنين بوحدة وادي النيل وكان مصري الهوى كثير السفر إلى القاهرة والبقاء فيها ولابد أنه كان سعيداً وهو يلفظ أنفاسه في «التوفيقية». ربما كان يُصعب عليه هو نفسه أن يرجّح بين كفتي ختميته ومصريته بل لعله كان يراهما وجهتين لعملة واحدة. ليت الاتحاديين عامة والختمية خاصة قابلوا وفاءه بوفاء مماثل في مماته بعد جحودهم في حياته. الظُرف الذي يتمتع به الصحافي الراحل شكّل بطانة من نسيج تلقائي ضد تحرشات المتطرفين من الساسة والصحافيين. فقد كان رجلاً حلو المعشر خفيف الظل يحفظ رصيداً ثراً من الشعر والأغاني والمدائح النبوية وله باعٌ طويلٌ في شرح ذلك كله والحديث عن مناسبات كل منها وصويحباتها. وكان يتمتع بصوت شجي عميق يطرب حين يصدح وحين يدندن. كان شخصية اجتماعية محبوبة غير أن دائرة علاقاته الشخصية كانت ضيّقة تضم بضع شخصيات أكثرهم من قبيلة الشايقية من أمثال حسن محمد صالح أحد كبار ضباط الشرطة الذين مروا على الخرطوم. التميز المهني هو الذي جعل الريفي صنواً للدكاترة الثلاثة في «صوت السودان» د. أحمد السيد حمد، د. محيي الدين صابر والدكتور عقيل أحمد عقيل. وهو التميز الذي عزز ولاءه عند السيد علي الميرغني فقرّبه إليه حتى كان بمثابة سكرتير خاص ودأب على كتابة بيانات الميرغني المقتضبة في المناسبات. وهو التميز نفسه الذي حمل الريفي إلى رئاسة التحرير لـ «الثورة» وهي الصحيفة التي كانت ناطقة باسم نظام الفريق إبراهيم عبود. وشغل الريفي هذا المنصب أربع سنوات من سني النظام الست. وكان الريفي ثالث شايقية ثلاثة اعتمد عليهم الفريق عبود على جبهات رئيسية أولئك هم: حسن بشير على الجبهة العسكرية، أحمد خير في الميدان السياسي ثم الريفي في المجال الإعلامي، وكتب الريفي العديد من خطابات الفريق عبود في المناسبات الوطنية. بعض من الذين كانوا داخل النظام حمّلوا هؤلاء «الطيانة» الثلاثة أكثر من غيرهم مسئولية تعجيل انهياره باعتبارهم بنائين لا يملكون رؤية سياسية محددة تُساهم في معالجة الأزمات التي ضاقت حول الفريق. ربما نتفق مع الذين ينتقدون أداء رئيس تحرير صحيفة النظام العسكري رغم أن الريفي لم يكن صاحب صوت متشنّج لكن ربما يكفي الرجل أن خرج من تلك التجربة غير ملوث بالفساد. فمع أن رجال الدولة وكبار الموظفين غنموا في تلك الحقبة مكاسب عديدة ليس أقلها بيوتاً فاخرة في أحياء حديثة، فإن حال الريفي ظلّ كما كان عليه باستثناء بيت متواضع في حي شعبي بالخرطوم بحري «المزاد». في مرحلة الديمقراطية الثانية أكد الريفي شعبيته عندما فاز بمقعد برلماني عن دائرة وسط البطاحين في الشرق خاض حملته الانتخابية فيها بلسانه الذرب ورصيده من الشعر الشعبي ليس غير فعرف كيف يحرّض به أهل البادية نحو صناديق الاقتراع واستقطابهم لصالحه بعد أن ضيّق عليه كهنة الحزب مجال المنافسة في مدينته الأم «القضارف». كان الريفي رجلاً ذوّاقة. ينهل من عيون الجمال في الشعر والصحبة والمكان وكان يخشى السفر بالطائرة ويتهرب منها حتى في المهام الرسمية. مرة واحدة استجاب لإلحاح الفريق عبود فصحبه في رحلة جوية إلى أديس أبابا. هكذا أقلع الريفي إلى الدنيا الآخرة وترك تجربة حياتية عامرة أبرزها قماشة صحافية في مجال المنوعات نسجها بموهبته الجوهرية ومرحه الذي لا يُجارى فما من أحد أتى بعده نجح في إعادة بهائها دع عنك التفوق عليها. سيظل كل صحافي سوداني يذكر الصفحة الأخيرة في «الأيام» التي كان يُحررها يومياً أنموذجاً لرجلٍ مبدع يتمكن الظُرف المهني والاجتماعي منه تمكن «شلوخه» من وجهه.