بيان 2:اقدم عدد كبير من الجزائريين على الانتحار في السنوات الأخيرة بمختلف جهات الجزائر، حتى غدت الظاهرة موضة يحتكم إليها من ضلوا طريق حل مشاكلهم أو داهمتهم صعوبات ظرفية عجزوا عن مجابهتها. وإذا كان اللجوء الى مغادرة الحياة طوعا ، بسبب جروح لا تندمل كقضايا الشرف مثلا أمرا مفهوما بالنسبة للكثيرين فإن محاولات الانتحار لأتفه الأسباب أصبحت تشغل السلطات والمجتمع المدني والطبقة السياسية كونها سلوكا سرطانيا انتشر بسرعة فائقة في جميع شرائح المجتمع حتى أن نواب البرلمان طرحوا أسئلة مقلقة في هذا الشأن نهاية السنة الماضية على رئيس الحكومة ووزير الداخلية. وطلب النواب إيجاد جواب لسؤال صعب: «لماذا ينتحر الجزائريون؟» ويقبل على الانتحار ما معدله خمسة أشخاص يوميا حسب بعض التقديرات غير الرسمية. ويحاول الانتحار الكبار والصغار الفقراء والميسورون الأميون و المثقفون. ولم يجد أحد حتى الآن الأسباب التي دفعت خير الدين عمير مدير نشر يومية «لاتريبيون» الى إسكان رصاصة في رأسه بسلاحه الشخصي في يونيو عام 2000م كونه كان ناجحا مهنيا ومستقرا عائليا ولا يعاني من أية اضطرابات نفسية وهو من ألمع الصحفيين في الجزائر اشتغل في حقل الاعلام أكثر من ثلاثين عاما. ورجح الكثيرون أن يكون تصرفه رد فعل على الانسدادالسياسي الذي آل إليه الوضع في الجزائر ومثل هذا التفسير كان قد قدم بعد انتحارالصحفية الشاعرة صفية كتو بإلقاء نفسها من جسر تيلملي العالي بمرتفعات العاصمة، والصحفي زايد صالح الذي فضل السباحة في الفضاء تحت جسر قسنطينة المعلق قبل أن يسقط جثة هامدة لا حراك لها. وظلت أسباب انتحار عدد من الكبارات والمثقفين لغزا محيرا للجميع. أما حين يتعلق الأمر بالفقراء فإن التفسير يبقى بسيطا جدا ويتحامل الجميع على الوضع الاجتماعي باعتباره الدافع لهذا السلوك. ولقد أحصت مصالح الشرطة والحماية المدنية عام 2001 أكثر من 1700 محاولة انتحار، قضى خلالها 193 شخصا وفشلت محاولات الباقي بسبب تدخل الجيران والمصالح الطبية. ويشكل الشباب من الذكور والإناث أكبر عدد من تلك المحاولات وأكثر طرق الانتحار رواجا هي تناول مواد سامة وكميات كبيرة من الأدوية والشنق والسقوط العمدي من الجسور والمباني العالية واستخدام السلاح الناري. وقد حاولت الممثلة الكوميديةالمشهورة (بيونة) الانتحار الأسبوع الماضي بتناولها أربعين قرصا من الدواء دفعة واحدة ينصح بعدم تناول أكثر من قرصين منه. وقد وصلت الى المستشفى حيث تم إنقاذها وهي في حالة غيبوبة عميقة. أما الأسباب التي دفعتها الى محاولة وضع حد لحياتها فهي إهمال السلطات العمومية وطلبها سكنا جديدا بعدما ألحقت سيول وفيضانات 10 نوفمبر الماضي أضرارا كبيرة بمنزلها بحي ميرامار بالعاصمة. و (بيونة) واحدة من أنشط الممثلين الجزائريين وأضحكت الناس لأكثر من ثلاثين عاما لكنها سقطت أخيرا في شراك اليأس. وهي الوحيدة في الجزائر التي تملك عقدا دائما مع شركة «ويرنر بروس» العالمية. وفي نفس الفترة نجح أساتذة وطلاب مدرسة مولود قاسم الثانوية بالعاصمة في إقناع ثلاثة من زملائهم صعدوا معا الى سطح البناية وحاولوا إلقاء أنفسهم احتجاجا على ما اعتبروه معاملة سيئة من الإدارة. وقالت مريم عكاشة وهي اختصاصية في علم النفس ان الظاهرة غيرقابلة للدراسة من وجهة النظر النفسية فحسب. يجب دراسة الظروف المحيطة بكل حالة وربما كانت محاولات الانتحار متباينة الأسباب مثلما هي مختلفة بصمات اليد... يجب إذن أن تكون مقاربة الموضوع جماعية وشاملة وهو ما لم يحدث حتى الآن في الجزائر «ويعتقد محمد أرزقي مؤمن وهو أستاذ فلسفة بمدينة بجاية التي سجلت العام الماضي رقما قياسيا في عدد المنتحرين ودرس الحالات و أوضاع العائلات التي ينحدرون منها أن حالة القلق العام دافع حاسم لليأس. ودرجة اليأس تولد طاقة عكسية لمواجهة الوضع، ويحدث أن لا ينتبه المحيط لوضع الشخص المعني فينهار ويتحول انعدام مبرر للحياة الى مبرر لانتحار». ويقول مؤمن إن معظم حالات الانتحار في بجاية ناتجة عن أزمات لها علاقة بالوضع الاجتماعي للمقبلين على الانتحار وعائلاتهم. ويسود القلق عامة الناس جراء تفاقم الظاهرة، وتنقل الصحافة يوميا وقائع عن أشخاص انتحروا أو حاولوا لكن لم تقدم أية جهة رسمية على دراسة الظاهرة.