لا يماري أحد في مكانة الشعر عند العرب، ولا تستطيع الفنون الأخرى قديمها والحديث أن تطاول هذا الفن، وأن تزاحمه لتزحمه أو لتنزله عن الصهوة التي تسنمها من العصر الجاهلي، الى عصرنا الحديث، لا لأن العرب كانوا يعتزون بفصاحتهم التي مثلها الشعر أحسن تمثيل، ثم أقاموا على هذا الاعتزاز، بل لأن الشعر كان فنّ العرب الأول والأخير. فالفنون الأخرى من تمثيل على منصة المسرح، وضرب على أوتار المعازف، وتصوير بالخطوط والألوان، ونحت ونقش في الحجر لم تكن لتتجلّى في حياة الحلّ والترحال تجلّياً يرقى بها إلى أفق الجمال والكمال لسبب معروف، وهو حاجة هذه الفنون الى استقرار واستمرار يلصقان الإنسان بالعمران، ويربطان المبدع بدولة وأرض. وكلّ ذلك ليس من طبع البداوة ولا طبيعتها. أما الشعر المتخلّج في الجنان، المتوهّج على اللسان فمسارحه المضارب والأطلال، وموسيقاه الأعاريض والقوافي، ومعازفه الألسنة الفصاح، ومنحوتاته الصور المجسّمة التي ينحتها الخيال من المرئيات والمسموعات، وألواحه الخطوط والظلال التي ترسمها الكلمات بألوان الطبيعة. وإذا كان العرب في مطلع عصر النهضة قد قبسوا فنون التمثيل والرسم والنحت، وحاولوا أن يرقوا بها، فإنهم حتى يومنا هذا لم يبرعوا براعة الغربيين، ولم يستطيعوا أن يجاروهم في ميادينهم. ولهذا بقي الشعر فن العرب الأول. ويُخيّل إليّ أن مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري وقفت على هذه الحقيقة الحلوة المرّة حينما وقفت اهتمامها كله أو جلّه على الشعر، وعبّرت عن هذا الاهتمام تعبيراً عملياً تمثّل بصور كثيرة منها: نشر الدواوين، وتأليف المعجمات، وإجراء المسابقات، ومكافأة المتفوقين، وعقد المؤتمرات، ووضع الحجر الأساس لأول مكتبة عربية تحتضن الشعر وتتخصّص برعايته، والاحتفال بكبار الشعراء، ومنهم عبدالله الفرج وأمين نخلة. ولما كان أمين نخلة أشهر من عبدالله الفرج لحداثته ولظهوره في لبنان السبّاق الى التأثر بالنهضة، والمجلّي في ميادين الصحافة والطباعة والنشر، ثم لقدم عبدالله ولبعده عن المراكز الثقافية العربية فقد رأيتني إلى الحديث عن الفرج أسرع، وعلى التنويه بشعره أحرص، لعلي أردّ إليه بعض ما أخذ الإغفال منه، وأكشف عنه بعض ما ألقى الإهمال عليه طوال قرن ونصف. لقد تهيّأ لأمين نخلة من يطرونه ويشهرونه، ومن يلهجون بذكره وشعره في لبنان وسوريا ومصر والعراق. أما عبدالله الفرج فقد بقي شعره حبيس ديوان نشرت طبعته الأولى في دمشق سنة 1953. ولم يتداول مطبوعته غير القادرين على فهم الشعر النبطي من أهل الخليج وجزيرة العرب، وهم قسم من الناطقين بالضاد لا كل الناطقين بها. وهذا يعني أن الشاعر حجّر على نفسه واسعاً، وضيّق رحيباً، إذ صبّ أفكاره ومشاعره وصوره في اللهجة الكويتية أو الخليجية. وهذه اللهجة، على انغماس جذورها في الفصحى، لا تستطيع أن تخالط أذهان العرب وقلوبهم في الأقطار الأخرى إلا بعد مناقشة أو معايشة، لأنها، كغيرها من اللهجات العامية، قطرية لا قومية، ولأن ناموس التطور يفرض سلطانه غير المدافع عليها، فتصاب ألفاظها بتغير في النطق، وتنحرف دلالاتها بعض الانحراف عن معانيها المعجمية، أو تُغلف بظلال فكرية ونفسية واجتماعية لا يدركها إلا أبناء الخليج العربي عامة، وأبناء الكويت خاصة، إذ يقل هذا الإدراك دقة ووضوحاً كلما ازداد الناس بعداً عن بيئة الشاعر. ولو تخير عبدالله الفرج الفصحى وحدها في ديوانه كله لكان له شأن أيّ شأن، ولانتظم في سلك الشعراء الكبار الذين شهدهم عصر النهضة كالشيخ أمين الجندي في سوريا، ومحمود سامي البارودي في مصر، وغيرهما من لداته. ومهما نتّهم القرّاء بالعقوق وفتور الوفاء، أو بالتقصير والقصور فإننا لا نستطيع أن نبرئ الشاعر من كل التبعات. لأنه باختياره العامية قصّ القوادم من جناحي الشهرة، وكلف الخوافي الطيران، فرفّ ولم يحلق. وهأنذا بعد معايشتي أهل الكويت والإمارات بضع عشرة سنة أجدني عاجزاً عن أن أفهم شعره النبطي كله. ولو فهمته لدرسته، ولو درسته لفسّرته، ولحللّت مواضع الجمال والسحر فيه، ولو حللّت مواضع الجمال بالفصحى لنقلتها إلى أسماع المتكلمين بالضاد، فاستوعبوه وأحبوه. ولهذا أراني بعد اعترافي بالقصور مضطراً إلى الاقتصار، أي إلى الاكتفاء ببعض الوفاء، وهو التعريف بالفصيح من شعره. وهذا الفصيح يقع في عشرين صفحة من ديوانه النبطي الضخم بطبعته الجديدة التي نشرتها مؤسسة البابطين سنة 2001 وعدة صفحاتها أكثر من أربعمئة صفحة. ينطوي الفصيح من شعره على ست قصائد، وست مقطعات. أطول القصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وأطول المقطعات في الغزل العفيف. ومن ينظر في المطولات والمقطعات يغلب على ظنه ان للشاعر قصائد أخرى لم يظفر بها الباحثون. وإلى ذلك أشارت الترجمة التي تصدّر بها الديوان. جاء فيها: «وقد ضاع كثير من شعر صاحب الديوان، لأن مخلفاته ظلت مدة طويلة في يد من يجهل قدرها، فلعبت بها أيدي الضياع». وذكر أحد المحاضرين المشاركين في مئوية الرحيل والميلاد أنه ظفر بعشر قصائد من شعره لم تنشر في الديوان. وتأويل الضياع أن الذين رووا شعره كانوا إلى النبطي أميل، فنقلوا ما نقلوه من شعره، وأغفلوا ما أغفلوا وفقاً لأذواقهم، فظلموا وحرموا: ظلموا الشاعر إذ أبرزوا ما يؤثرون إبرازه، وأهملوا الذي يحرص على ابرازه أكثر الناس، فحرموا العرب من التمتع بشعره الفصيح، وحرموا الشاعر وشعره من الامتداد والاتساع في الأفق القومي الرحيب. وإذا أخذنا بالرأي القائل: إن الشاعر ابن بيئته وجب علينا أن نجعل البيئة ذات بعدين: بعد جغرافي، وبعد تاريخي، أي أن ننظر الى شعر الفرج بعينين عين المكان وعين الزمان. فالمكان هو الخليج الكثير الدرر القليل المطر، والزمان هو القرن التاسع عشر الذي امتد جسراً، عبر عليه الشعر العربي من التقليد إلى التجديد. فإن وضعنا شعر الفرج على هذا الجسر كان موضعه على الثلث الأول منه، أي الأقرب الى القديم المقلد لا إلى الحديث المجدد، إلى الذي يصور كثرة اللؤلؤ وقلة الماء، ويشكو من الجدب، ويتوق إلى الخصب، ويتغنى بانزلاق السفينة على ظهر البحر، لا باختراق القطار بطن الغابة. قال في قصيدة أرسلها إلى أحمد فارس الشدياق الكاتب الصحفي: وما اللؤلؤ المنظوم إن راق نظمه بأبهج من نظم له في القوالب فدونك من أرض الكويت بديعة أتتك على سفن البحور المراكب ألا ترى أن الشاعر يصور ما يرى، وانه بهذا التصوير يبرهن بالأدلة القاطعة على عمق الإحساس بالانتماء، وشدة الاخلاص للبيئة. وهو لم يكتف بتصوير ما رأى، بل جاوز هذا التصوير إلى تصوّر ما يحلم برؤيته، فمثّل بشعره رؤيته وحلمه، وواقعه وطموحه، وعبّر في الوقت نفسه عن الظمأ العربي العريق والرغبة الملحاح في الارتواء بالماء. جاء في ديوانه: قال وقد خرجوا إلى الاستسقاء والجوّ معتم بالغيم. فلما شرع الإمام بالدعاء انجلى الغيم: خرجنا لنستسقي بيوم تراكمت به المزن حتى غودر الصبح كالجنح تقدم شيخ ذو عصاة ولحية حكت ذنب السرحان من كاذب الصبح فما فرغنا من صلاة، وبالدعا شرعنا، تسرّى الغيم إذ شحّ بالسح فعدنا معاً، والشيخ لم يدر أننا خرجنا لنستسقي به أم لنستصحي وصلاة الاستسقاء المقترنة في الذاكرة العربية الاسلامية بجفاف الضروع ويبس الزروع لم تكن لتطوف بذهن الشاعر لولا تعلقه ببيئته، وارتباطه بأرضه، وإخلاصه للمعتقدات التي تشد الأرض إلى السماء، وتجعل المسلم عبداً لله وحده، يضرع إليه في الشدائد، ويلتمس منه لا من سواه العون. ومع أنه عاش في الهند أمداً طويلاً، وثقف لغة الهنود ولغة الإنجليز فقد بقي عربي الفكر واللسان نقيّ السريرة، متأثراً بكتاب الله وسنة نبيه، لا في مدائحه النبوية وحسب، وإنما في أكثر الأغراض التي خاضها. وهو لم يكن يقنع من التأثر باقتباس المعاني، بل كان يقتبس آيات أو عبارات من آيات بمعانيها وألفاظها ليخلع بركتها على شعره. ومن ذلك قوله في رثاء الشيخ عبدالله العدساني: وكيف وقد ضرمتْ في البلاد مصائبه (النار ذات الوقود) وإذا كان الرثاء بما فيه من خضوع لله، وخشوع بين يديه، واستسلام لقضائه وقدره يسوّغ الاقتباس، فإن الغزل، ولو عف، لا يسوّغه. غير أن عبدالله الفرج اتكأ عليه في مقطعة غزلية اقتبس في أعجازها عبارات من آيات كريمات، وردت في سورة مريم، فقال: ربّ هب لي من الجلادة صبراً آتني من لدنك ربّ وليا كيف أنسى كلامها اليوم لمّا نبذتني به مكاناً قصيّا عاتبتني فأوسعتني عتاباً فكأني أتيت شيئاً فريّا وبعد.. فإذا كان الوفاء للوطن والعقيدة، ولتراث الأجداد ولغة الضاد هو الذي حثّ عبدالله الفرج على التعلق ببيئته وأمته، وعلى الإخلاص للكتاب والسنة، فإن الوفاء أيضاً هو الذي حثّ مؤسسة البابطين على الإخلاص لهذا الشاعر خاصة، فبعثت شعره من مرقده، وللشعر والشعراء العرب عامة، فنذرت نفسها لجمع الشعر ونشره، وتمجيد الشعراء وتخليدهم، فلها منهم صيّب الشكر، ومن التاريخ طيّب الذكر.