كلمة «من» (بفتح الميم) ـ في اللغة ـ اسم مبني على السكون أي سكون آخره وهو النون. ولكن يلاحظ في النطق أحياناً تحريك هذا السكون بالكسر إذا جاءت بعده همزة وصل، أي سكون، وذلك تخلصاً من التقاء الساكنين، وتحقيقا لانسياب موسيقى الكلام، كقولنا: «مَنِ الطارق؟» (بكسر النون في النطق). وتأتي «مَن» هذه في استعمالات عدة منها: ـ استعمالها اسم استفهام، يستفهم به عن العاقل المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع، كما في الآية الكريمة: «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله» وكما في المثل القديم: «من يمدح العروس إلا أهلها» وكما في قول طرفة بن العبد: إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني عنيت، فلم أكسل ولم أتبلد ومن ذلك أيضاً القول الشهير لأبي فراس الحمداني: تسألني: من أنت؟ وهي عليمة وهل بفتى مثلي على حاله نكر؟ ـ استعمالها اسما موصولاً، للعاقل، المذكر والمؤنث، المفرد وغيره (بمعنى: الذي والتي واللذين واللتين والذين واللاتي) ويكون اعرابها هنا بحسب موقعها في الجملة. من ذلك قول الآية الكريمة: «ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين» (هنا «من» مبتدأ مؤخر). ومن ذلك المثل القديم: «لا يصلح رفيقاً من لم يبتلع ريقاً» (هنا «من» فاعل للفعل يصلح)، ومن ذلك قول الشاعر: إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن (هنا «من» مفعول به) ومن ذلك أيضاً قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح؟ (هنا «من» مضاف إليه) وقد تستعمل «من» لغير العاقل قليلاً، كما في الآية الكريمة: «والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع» وكما في قول الشاعر: أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير؟ ـ استعمالها اسم شرط جازم لفعلين: فعل الشرط وجوابه ومن ذلك الآية الكريمة: «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره» عليها ووقوع الصفة بعدها، والغالب فيها ان يحل محلها كلمة «انسان» كما في قول الشاعر: رب من انضجت غيظاً قلبه قد تمنى لي موتاً لم يطع ملاحظة يجب ملاحظة ان هناك ضوابط خاصة بكتابة كلمة «من» (بفتح الميم)، أولها وجوب وصلها بالحرفين «مِن» (بكسر الميم) و «عن» إذا جاءا قبلها، مع حذف النون منهما، فيقال ويكتب «ممن» و«عمن» بدلاً من «من مَن» و «عن مَن». ومن ذلك في الآية الكريمة «وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون» وقول الباردوي: وما أنا ممن تأسر الخمر لبه ويملك سمعيه اليراع المثقب كذلك يجب وصل «من» بالحرف «في» إذا جاء قبلها بدون حذف شيء، فيقال ويكتب «فيمن» بدلاً من «في من» كما في قول الحديث الشريف في جزاء الذاكرين: «وذكرهم الله فيمن عنده» ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر وهي تنوب وفيما عدا تلك الأحرف الثلاثة لايتصل بها شيء جاء قبلها، كما انه لا يتصل بها ما جاء بعدها من ضمير أو اسم اشارة أو حرف، وهذا ما نلاحظه في الآية الكريمة «من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا» والآية الكريمة: «أم من يبدأ الخلق ثم يعيده» والحديث الشريف: «من لا يرحم لا يُرحم»