بيان 2: الطاعون ليس شيئاً جديداً على البشرية. فالجدري استفحل على وجه الارض قبل زمن الفراعنة بزمن طويل وظل يقتل ثلث من يصيبهم حتى نجحت جهود التطعيم العالمية الجبارة في السيطرة عليه حيث وقعت آخر اصابة به في العالم كله عام 1978 واعلن رسمياً عن القضاء عليه نهائيا عام 1980. لكن في آخر قرن فقط من حياته على كوكب الارض قتل مرض الجدري اكثر من نصف مليار انسان. كما ان الطاعون الذي شهده القرن الرابع عشر وعرف باسم الموت الاسود او الطاعون الاسود اباد حوالي ربع سكان اوروبا ومثل هذه الجائحة لا احد يتخيلها اليوم، وعندما وقعت ادى الجهل باسبابها وظلامية اجواء العصور الوسطى الى تدهور المجتمع الاوروبي نحو هوة اليأس والذعر. ثم اتى بعد ذلك وصول الاوروبيين للقارة الامريكية وهو ما اعطى الجراثيم والفيروسات الفرصة لتوجيه ضربة فتاكة اخرى. فما ان نزل رجال كولومبوس في جزر الهند الغربية حتى بدأت اعداد السكان الاصليين بالتراجع على نحو مخيف وكان السبب الى حد كبير هي تلك الامراض التي حملها الاوروبيون في اجسادهم وعلى سفنهم والتي كان يحمل الكثير منها ايضا ارقاء افارقة. وفي القرن العشرين خلف وباء الانفلونزا بين عامي 1918 و1919 عشرين مليون وفاة على الاقل، في مقابل 8.5 ملايين قتيل سقطوا اثناء الحرب العالمية الاولى كاملة والتي دارت رحاها بين عام 1914 و1918. وفي يومنا هذا تجد الجراثيم والفيروسات وسائل اسهل للانتشار، فمع انتشار الانظمة المركزية لتوزيع الغذاء والماء في الدول المتطورة يصبح تأثير اي جائحة وبائية اوسع انتشارا، فعند تلويث بحيرة ميتشيجان عام 1993 بالجرثومة المعوية كريبتو سبوريدوم على سبيل المثال اصيب مئات الآلاف من سكان ميلووكي بعدواها. وحينما باعت شركة وجبات سريعة امريكية هامبرجر غير مطبوخ بما فيه الكفاية ملوث بجرثومة ايكولي القاتلة في العام نفسه اصيب مئات من طلبة المدارس بالعدوى وتوفي العديد منهم، كما ان حالات عدوى واسعة بالاسهال قد تم تعقب سببها ليتبين انها براعم نباتية صحية نبتت من بذور ملوثة بالجراثيم وزعت على نطاق واسع من مصدر واحد، وفي عام 1996 تبين ان الفجل الابيض هو سبب وباء ايكولي في اليابان والذي امرض 10 آلاف تقريباً مات منهم 11 شخصاً. وفي الفترة الاخيرة بدأت الدول خصوصا المتقدمة تعي انها تستطيع تعزيز استقرار اوضاعها الصحية الداخلية وحماية نفسها من مثل هذه الجائحات عبر مقاومة الامراض في الدول الاخرى في الخارج قريبة كانت او بعيدة. غير ان المشكلة هي ان التعامل مع الامراض في المناطق التي لا تتمتع باستقرار سياسي او تعاني من حروب اهلية ليس بالامر السهل ابداً، وفي هذا السياق يقص المختصون قصة بونزالي كاتانجا، وكاتانجا هذا كان المسئول الصحي الوحيد في بلدة دوربا خلال الحرب الاهلية الشرسة التي شهدتها جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 1998. كانت الحكومة المركزية في البلاد ضعيفة وبلدة دوربا خاضعة لسيطرة المتمردين، وحينما بدأ الرجال يموتون بالعشرات في منجم الذهب الموجود في البلدة شك كاتانجا في ان السبب قد يكون فيروس ايبولا الرهيب او مرض ماربيرج ربما الذي يسببه فيروس مشابه. وطوال شهور حاول كاتناجا يائسا ان يرسل رسائله اللاسلكية الى رؤسائه في العاصمة الاقليمية كيزنجاني فيما يواصل فعل ما قدره الله على فعله للمرضى المحيطين به، ولم يرد المسئولون على مناشداته إلا بعد اربعة شهور وحينما وصلوا اليه كان هو بدوره ميتاً. لكن هؤلاء وجدوا ايضا عينة من دمه وضعها في البراد عمداً حينما احس بقرب المنية ليساعدهم في تحقيقاتهم حينما يصلون واكتشف هؤلاء ان هذه العينة تحتوي فيروس ماربيرج الذي اصيب بعداوه من المرضى الذين كان يعتني بهم. لقد كان كاتانجا يفعل بالضبط ما يقول مسئولو الصحة الدوليون انهم يحتاجون لفعله اذا ما اريد احتواء الامراض الوبائية الناشئة، فقد كان موجودا على الارض في موقع الحدث مبقياَ عينيه مفتوحتين لينذر السلطات حال اكتشافه لاي علامة مخيفة. كلمة السر وكلمة السر التي يشير اليها هؤلاء هي «المراقبة» وهي مفتاح المعركة مع الاوبئة المحدثة، والامر ليس بحاجة لان يكون معقدا او عالي التقنية، ففي وباء ميلووكي عام 1993 احتاج المسئولون عدة ايام حتى يعوا انهم يواجهون مشكلة بين ظهرانيهم، فهذه الجرثومة لم تكن من بين قائمة الاختبارات الدورية كما ان اول اعراضها وهو الاسهال لم يكن شيئا مما يسأل الناس عنه الاطباء على الاقل حينما يحدث وحده. وبعد هذا الوباء وتفرغ المسئولين لهرش الرؤوس اجروا دراسة استرجاعية لمعرفة اي من الملاحظات كان لها ان تدق جرساَ في رؤوسهم لكنها مرت عليهم مرور الكرام وتبين لهم ان اسرع وافضل مؤشر على وجود المشكلة كان زيادة كبيرة في مبيعات ادوية الاسهال وهي زيادة لم يكن هناك من ينتبه لها، اما الآن فإن الادارة الصحية لمدينة نيويورك مثلا تحصل على تقارير اسبوعية عن مبيعات هذه الادوية. لكن هذا لا يعني انه لا داعي او لادور للتقنية المتقدمة في المراقبة. وابرز الامثلة على ذلك هو ان هناك حوالي 110 مراكز ابحاث طبية عالمية تقوم بجمع عينات من فيروس الانفلونزا من شتى انحاء العالم كل شتاء وتجري فحوص وراثية معقدة على هذه الفيروسات التي تتغير بطفرات سريعة الوتيرة جدا من عام لعام، ويستخدم العلماء البيانات التي يحصلون عليها لتحديد اي من سلالات هذه الفيروسات ستكون لها الغلبة والهيمنة في العام المقبل لتسرع شركات اللقاحات في انتاج دفعات جديدة من اللقاح في الوقت المناسب تلائم انفلونزا الموسم المقبل.