بيان 2: يقول البعض ان القرارات المتعجرفة هي من الخاصيات المميزة للحكومة الفرنسية، ففي بيان صدر في ابريل عام 1999 أعلنت وزيرة الثقافة كاثرين تراوتمان عن اعتزامها انشاء منطقة معارض جديدة في باريس، للفنانين اليافعين على غرار المركز الموجود اليوم في كل من باريس وامستردام وبرلين ونيويورك في محاولة لاحياء مكانة العاصمة الفرنسية المتضائلة بوصفها منبراً للفن الدولي المعاصر. وأوكلت هذه المهمة الحساسة إلى نيكولا بوريو وجيروم سان، وهما اثنان من أوصياء المعارض والنقاد الفنيين الذين خرجوا عن التيارات السائدة واتخذوا لأنفسهم مسالك مستقلة وذلك بعد ان أثارا اعجاب البيروقراطيين في وزارة الثقافة باقتراح يعج بكلمات القرن الـ 21 الطنانة. وتتلخص فكرتهم في انشاء مختبر حي للفن المعاصر أو «حيز مكاني غير محدد يمكن فيه تهجين وتخصيب المشاريع المختلفة ببعضها البعض». أو «أداة تلعب فيها الفنون البصرية دور محرك البحث» وقد تم توقيع العقود وصرف الأموال للمشروع بينما جلس أساتذة الثقافة الفرنسية يترقبون ولادة المسرح الجديد. انتهت حالة الانتظار والترقب الشهر الماضي عندما افتتح رئيس الوزراء ليونيل جوسبان رسمياً «قصر طوكيو موقع الفنون المعاصرة» والمحصلة هي ان المعماريين آن لوكاتون وجان فيليب فاسال استطاعا بالتدجيل والخديعة ان يحولا مبنى «قصر طوكيو» التذكاري العظيم الذي يعود تاريخه لعقد الثلاثينيات من القرن الماضي إلى نسخة طبق الأصل عن مستودع مهمل مهجور وانفقا على ذلك 3.3 ملايين دولار من أموال دافعي الضرائب الفرنسيين. أسلاك الكهرباء المكشوفة ممدودة على طول العوارض الخشبية على السقف، الجدران الفجة غير المطلية تعج بثقوب وخدوش عشوائية منفرة وقائمة أسعار مشروبات المقهى مكتوبة بخط سيء على ورق ملصق على أعمدة أسمنتية غير مصقولة. إذن فبوريو و سان استخدما الأموال العامة والتبرعات الخاصة من رعاة مثل «بيونير» و «بلومبرج» لاعادة انتاج مربض برليني رث في قلب أحد أفخم المناطق الباريسية. لكن ما علاقة كل هذه القذارة الجديدة بالفن المعاصر؟ القيمون على منطقة المعارض لا يفسرون لنا الاجابة ولا يقولون لماذا لم يقوموا ببساطة باختيار موقع المعارض في أحد المواقع الصناعية المتخربة المهجورة على أطراف باريس. من المفترض ان جمهورهم يفضل القيود الأنيقة على الأشياء الواقعية. وهذا بالضبط هو مشكلة مفهوم «قصر طوكيو» انه زائف والأعمال المعروضة تتفق وجماليات القمامة المزيفة والعمل الأكثر بروزا في هذا السياق هو عمل الفنان الصيني وانج دو الذي يحمل عنوان «بدون تعليق» وهو عبارة عن سلة صحف عملاقة مملوءة بصحف قديمة وثلاثة أجهزة تلفزيون وتلاعب بصري على فكرة تلفزيون الترهات. أما الفنانة الأمريكية نعومي فيشر فقد صورت نفسها فوتوغرافيا على نحو مبهرج حيث تبرز النباتات في ثيابها الداخلية في حين ان الفنانة اليابانية يونيا ياميد تحول جداراً أبيض إلى دفتر تلوين ضخم تجرب عليه أقلامها. ان الشلل الفني المتجسد في عملة ياميد الذي يحمل عنوان «ليس في أي مكان» يعكس العبثية المستنبطة في عمل مارتن كريد «الأضواء تنير وتخبو» الذي فاز بجائزة تيرنر العام الماضي. يبدو ان القيمين على قصر طوكيو مصرون على اعادة انتاج الضجة التي طوت تيار المفهومية البريطاني الذي بزغ في التسعينيات لكن كما أظهرت جوائز تيرنر العام الماضي وبكل وضوح ان المشهد الفني البريطاني تفكك متحولاً إلى سيرك إعلامي. لقد كان الفن المفهومي يعبر دائماً عن الأفكار لكن لكي يكون مثيراً للاهتمام والمتعة يجب ان تكون الأفكار جديدة، ومن هنا فإن التعليقات الساخرة المبتذلة البالية عن المجتمع الاستهلاكي لا ترقى إلى الحد الأدنى في الجودة. وعلى خلفية معايير «ما بعد الحداثة» فإن مركز الفن المعاصر الباريسي لا يعدو كونه مجرد صدى لحركات فنية ولدت في مدن أخرى قبل عقود انه افراط في المفاهيم وشطط في الفن ولا يصح تسميته «مختبراً حياً للفن المعاصر» بحال من الأحوال.