فجأة.. احمرّت شاشات الفضائيات واستهلكت خطوطها كل المخزون اللوني الأحمر لديها، احمرت ملابس المذيعات والمقدمات.. واحمرت ملابس الضيفات والضيوف، واحمر الديكور.. أرضاً.. وحوائط.. ومقاعد، ولم يترك اللون الأحمر مكانا للألوان الأخرى الا في النادر القليل..! لم تحمر شاشات الفضائيات خجلاً من نفسها ومن مواقفها مما يحدث في الارض المحتلة، ولم تحمر عيونها من فرط البكاء على الشهداء المتساقطين هنا وهناك تحت وقع السلام الاسرائيلي المسلح والعدل الأمريكي الفاضح...! ولم يكن احمرار الشاشات الفضائية العربية راجعاً الى كم الدماء العربية المتدفق يومياً في كل المواقع الفلسطينية او الدماء الاسلامية المراقة على أرض أفغانستان، ولم يكن كذلك بسبب خلل في الارسال او الاستقبال ولا عيب في الدش او القمر الصناعي..، فكل شيء هنا وهناك تمام التمام والاحمرار ليس عطلاً فنياً بل قرار شخصي اتخذه والتزم به كل من أطل على الناس من شاشة فضائية سواء كان هذا المطل ذكراً ام أنثى.. وسواء كان في العير او في النفير، وسواء كان فناناً او فنانة ممن يشار الى الواحد منهم بالبنان.. أو ممن يشار اليهم بأي اصبع آخر....، فالقرار الدولي الصادر بناء على فرمان الموضة العالمي قال كلمته وما على البشر الفني على كل مساحة الشاشات الفضائية الا الالتزام بالاحمرار التام خوفاً من التخلف الزؤام، ومن ذا الذي او التي يجد او تجد الشجاعة لمخالفة فرمانات الموضة الدولية ومن ثم تعريض نفسه او نفسها لنظرات وهمسات الاستنكار.. وغمزات ولمزات الشجب والتنديد، فلا مكان ولا لقاء ولا حوار مع المتخلفين لابسي الأصفر او الأخضر او الأزرق، فمظهرهم اللوني المتخلف لا يليق بقناة متحضرة تعرف الأصول.. وتتابع أحداث الموضة العالمية لحظة بلحظة قبل ان تتابع أحداث العالم الدامية...! «الأحمر موضة هذا الموسم» مانشت غير مكتوب ولا مقروء ولا معروض على الشاشة، ولكنه وصل وانتشر بسرعة سبقت مطابع الصحف وسابقت موجات الأثير واخترقت حواجز التشفير، وكان ان القى الجميع بملابسهم اللاحمراء او تبرعوا بها لدعم الفقراء والمساكين الذين لا يعرفون عن الأحمر الا انه لون اللحم الذي لا يملكون شراءه او لون الدم الذي يلطخ اجساد شهدائهم، ومن ثم أسرع اتباع المذهب الاحمر الجديد الى شراء كل ما هو أحمر.. بنطلوناً كان ام فستاناً.. وبلوزة كانت ام قميصاً.. وشالاً كان ام ربطة عنق...، المهم والأهم ان لا يخرج على الإجماع وألا يشذ عن حكم الأغلبية في عالم الموضة، وهو العالم الوحيد الذي تطبق فيه ديمقراطية الأغلبية بدقة والتزام..! تفتح شاشة التلفزيون فتجد المذيعة وقد احمرت ملابسها تحاور ضيفة احمرت بلوزتها وسط ديكور احمرت اركانه والاثنتان تجلسان على مقاعد احمرت كسوتها.. وتتبادلان حواراً لا يقل «احمرارا» عن كل ما حوله، وتتصور ـ لسذاجتك وجهلك بتقلبات الأحوال الموضوية ـ ان هناك خللاً لونياً في ارسال او استقبال القناة المذكورة، فتحول اتجاهك بريموت كونترولك الى قناة اخرى فتفاجأ بنفس الحال ونفس الألوان، وقناة بعد قناة تغلق التلفزيون ناوياً ان تحيله في اليوم التالي الى ورشة الاصلاح عسى ان يعيد الفني المختص نظام الألوان في التلفزيون الى وضعه الطبيعي الذي لا يميز لوناً عن لون.. ولا يتحيز للأحمر دون باقي الألوان.. ولا يخضع ـ كما هو مفروض فيه كجهاز عاقل وليس بشراً ـ لمزاجات ملاحيس الموضة! .. والحكاية تبدأ بقرار دولي صارم يقضي باعتماد «الأحمر» لونا رسمياً وعالمياً للأزياء هذا العام، ويحذر كل من لا يلتزم بهذا القرار بأوخم العواقب، وأوخم العواقب كما هو معروف هو ادراج اسم المخالف ضمن قائمة المتخلفين حضارياً، وهي قائمة لا تقل خطورتها عن قائمة المشتبه بهم في أحداث سبتمبر، وبالتالي يتم اعتباره منبوذاً ومحروماً من اي لقاءات او ندوات تلفزيونية حتى يعلن توبته «ويحمر» كما الاخرين، ويبشر القرار كل من التزم او التزمت بالاحمرار ملبساً.. ومكياجاً.. وسلوكا «ان أمكن».. بالحصول على شهادة «الأيزو 2002» في الموضة الدولية، ومن هنا بدأ التنافس الفضائي المحموم نحو الإحمرار شكلاً وموضوعاً، اصبح «الأحمر» سيد المكان والزمان، وتراجعت او انكمشت باقي الألوان، فاختلط الأمر على المشاهدين ولم يعد احد يدري ان كان ما يشاهده شاشة لبرنامج احمر ديكوره وضيوفه.. أم شاشة أخبار اكتست بدم شهيد غطى لونه الاحمر على كل ما حوله..! .. ومادام «الجنون فنون» و«الفنون جنون» كما يقولون.. فلا لوم اذن ولا عتب على مجانين الموضة.. فنانين كانوا ام مجانين فعلاً، ولكن يأتي العتب على من اكد لنفسه وللآخرين صدق نظرية «داروين» التي ادعى فيها ان الانسان اصله ـ ولا مؤاخذه ـ قرد، والقرد كما هو معروف هو رائد التقليد الأعمى على مدار التاريخ، ويكون على هذا الانسان القرودي او القرد الانساني ان يعيد النظر الى أحواله وتصرفاته، فان وجد في نفسه ميلاً غريزياً الى تتبع كل موضة.. والجري وراء كل موجة او هوجة فليطمئن الى صحة النظرية، وان يسعى الى توطيد علاقته بإخوانه وأبناء جلدته الذين مازالوا ضيوفاً على حدائق الحيوان!! تعولمت الدنيا فتعولموا.. واحمرت الموضة فاحمرّوا.. والجميع اكدوا فعلاً انهم «أحمر» من بعض!!