بيان2: «فيدل كاسترو واحد. لا يوجد سوى فيدل كاسترو واحد». لم يعرف عن الجموع المحتشدة في ملعب البيسبول بمدينة جوانتنامو الكوبية انشادهم تلك الكلمات بين جولات المباريات، لكنهم يتقنون اداء اللحن افضل من أي مشجع كرة قدم انجليزي. وهم ايضا يعرفون كلمات انشودة «جوانتناميرا» التي نظمت في الثلاثينيات اجلالا لذكرى فتاة ريفية كوبية في اقليم جوانتنامو، الطرف الموجع في جسد كوبا والجزيرة التي جرحها القدر بجعلها موقعا اخر «برلين» في العالم. اسفل الجبال الجرداء بشرقي كوبا تربض كل من الرأسمالية والشيوعية، وتحملق كل منها بالاخرى عبر حاجز مميت يفصل بينهما. هكذا كانت حال برلين. قطعة من الشرق مملوكة ومحتلة من قبل الغرب. والآن اصبحت الحرب الباردة مسألة مجازية، وغدت كما في برلين موضوعا لجذب السياح اكثر من اي شيء اخر. لكن الآن، ربما يعرف القارئ بالمعاهدة التي منحت قطعة ارض بمساحة 45 ميلا مربعا من جمورية كوبا للولايات المتحدة حتى عام 2033 ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك ويقدر الامريكيون كثيرا اهمية فرصة جمع المعلومات الاستخباراتية التي تتيحها قاعدتهم البحرية في خليج جوانتنامو التي تشكل شوكة في خاصرة كاسترو. وهم يتلذذون جدا بامكانية ابعاد الاشخاص المثيرين للجدل الى ركن امريكي ناء على جزيرة أجنبية. ومن الطبيعي ان كوبا بعد 43 عاما من تحدي عملاق الشمال الامريكي، تسيطر عليها هواجس امنية مقلقة، وربما يفاجأ المرء بمعرفة ان النظام الكوبي يرحب بالسياح الى الحزام العسكري الذي يطوق قاعدة البحرية الامريكية هذه، التي يحتجز فيها الآن مقاتلو القاعدة وطالبان في ظروف مزرية. والنطاق العسكري المتاخم للقاعدة الامريكية في جوانتنامو مفتوح للزوار لسببين، أولا حرص الكوبيين على ان يظهروا للاجانب حجم المفارقة المثيرة للغضب المتجسدة في امتلاك خصمهم الاكبر قاعدة عسكرية على جزيرتهم. وثانيا ان فرصة جني بضعة دولارات من كل سائح كرسم لزيارة الحزام العسكري لا يمكن ان تفوتها الجزيرة التي تعاني من عجز كبير في السيولة. واسهل طريقة لرؤية برلين الاخيرة هذه هي الانضمام الى جولة سياحية منظمة. وبوسع اي شخص يصل الى مدينة سنتياجودي كوبا ان يرتب لرحلة من هذا النوع الى القاعدة البحرية الشهيرة، وسانتياجو هذه تعتبر محطة مهمة في الطريق الثوري، فقد كانت مسرحا لأول عصيان مسلح ضد نظام باتيستا المستبد في 26 يوليو عام 1953، والذي لا يزال يعتبر ابرز يوم في التقويم الشيوعي الكوبي. وكان فيدل كاسترو من بين الذين نجوا من تلك الاحداث. والآن بعد حوالي نصف قرن يحظى الزعيم الكوبي بالسيادة على كامل اراضيه باستثناء رقعة تقدر بمساحة 45 ميلا مربعا من الجزيرة. مواقع جميلة ليس هناك الكثير من المعالم البارزة في بلدة جوانتنامو، لكنها تحتوي على بضعة مواقع بالغة الجمال. فعند محطة القطار يقود مدخل باهت عتيق الى حديقة استوائية رائعة تضم بناء «اديفيسيو سالينيز» الذي تتجلى فيه مسحة ملفتة للنظر من الفن الحديث، وعلى السطح هناك تمثال «المرأة» الذي يعتبر رمز المدينة. والمتحف البلدي يمكن ان يليّن الزائر ايديولوجيا بالتذكارات الثورية القديمة والحديثة والسوق الرحبة التي تمثل صفا كاملا من الابنية تتسم بطابع كلاسيكي حديث بقببه الاربع الكبيرة. وتعيش في جوانتنامو جاليات نشطة تتحدث الانجليزية والفرنسية وهؤلاء من نسل المهاجرين الذين قدموا من جمايكا وهاييتي. ولا شيء يلفت الانتباه الى بداية الحزام العسكري سوى كشك متواضع يطل منه جندي لتفقد جوازات سفر الزوار قبل ان يرحب بهم الى ما يبدو انه برية مأهولة بالصبار. واذا كنت تقود سيارتك الخاصة هناك فيمكنك ان تضبط جهاز الراديو لاستقبال ارسال المحطة الاذاعية الخاصة بالقوات المسلحة الامريكية. وستستمع الى موسيقى الروك وبيانات خاصة تبدو معدة لاقناع كوادرهم بأنهم يحظون باعلى درجات الامان في ضاحيتهم الهادئة رغم كونهم مطوقين ببلد اجنبي ممتعض من ثلاثة جهات وبالبحر من الجهة الرابعة. الطريق يزداد وعورة في الاراضي الجرداء القاسية وبعد ستة اميال يصل الزائر الى مركز قيادة «لوس مالونيس» حيث يستقبل الى غرفة اسمنتية مبنية في اسفل هضبة. وهناك يتحدث الملحق العسكري انيق الملبس للسياح باسهاب عن الاسباب التي تقف وراء رغبة كوبا في استعادة اراضيها. وعلى قمة الهضبة، هناك نقطة مراقبة مموهة فيها تلسكوب ومنظار روسيي الصنع، يقف بجانبهما جندي كوبي. ومن هنا يمكنك رؤية ما يقال انه احد اكثف حقول الالغام في العالم. الوان ونجوم العلم الامريكي تبدو جلية على برج المراقبة عند مدخل القاعدة الامريكية، الذي يشاهد المرء وراءه مهبط طائرات وسفن راسية في الميناء وبضعة جنود وسيارات عسكرية تتحرك في انحاء القاعدة. وتأوي المساكن الفخمة الموجودة في القاعدة 7000 امريكي من جنود البحرية ومواطنين وعوائلهم، وتضم ملاعب جولف ودور عرض سينمائي وكنائس لكن بالطبع فان وسائل الترفيه هذه ليست موجودة في معسكر «اشعة اكس» الذي يحتجز فيه سجناء القاعدة وطالبان. وليس محتملا ان يسمع الحرس في المعسكر اناشيد يردد فيها المحتجزون شعارات تنظيم القاعدة، كما هي الحال على الجانب الكوبي، حيث تتردد شعارات هافانا التقليدية لكن ربما يخطر لهؤلاء الحراس ان يسلوا انفسهم بالضحك من سخرية الاقدار التي جعلت الدفاع عن الحرية او احتجاز «اعدائها» يحدث في ركن امريكي لا يمكن تبرير وجوده الا بالقوة العسكرية. علي محمد