بيان 2: صناعة الذهب وتسويقه في السودان قديمة قدم وعراقة السودان ولكن الصياغة عرفت بشكل واضح في سوق الخرطوم في بدايات العهد المصري التركي وكانت في ايدي عدد من الاتراك ثم انتقلت منهم ، تدريجياً إلى السودانيين وقامت أسر محددة بهذه المهنة مثل أسرة تبيدي واسرة مسيك واولاد حاج خالد وغيرهم وقد رسخت هذه الصناعة وأصبحت لها تقاليد وقيم معروفة توارثها الابناء عن الاباء ومضت السنوات وتتمدد الخرطوم ويتبعها تمدد صناعة وتجارة الذهب وتطغى في السنوات الماضية التجارة على الصناعة ودفعت تطورات السوق وتقلباته بعدد من الذين عرفت بهم هذه الصناعة وعرفوا بها إلى خارج السوق ولم تعد هناك ذات الضوابط الاخلاقية التي كانت تحكمها في السابق. «البيان» تجولت داخل سوق الذهب بالخرطوم وكانت هذه الحصيلة: عم تبيدي بدأ غاضباً لما آلت اليه الاوضاع داخل سوق الذهب وابتدأ حديثه قائلاً: «حقيقة ما يوجد في سوق الذهب حالياً لا يرضينا نحن الذين عرفنا هذه المهنة وعرفتنا منذ الازل أولاً الآن لا يوجد صاغة أبداً وان المتواجدين الآن هم مجرد تجار لا يتمسكون بالتقاليد ولا تردعهم اعراف المهنة ففي السابق كان الذي يريد ان يفتح محلا للصياغة لابد ان يصدق له شيخ الصاغة ولا يستطيع أي شخص دخول سوق الذهب الا بعد موافقته ولاتتم هذه الموافقة الا بعد ان تكون عملت صبياً صائغاً لفترة طويلة جداً من الزمان وعرفك الناس في السوق وعرفتهم لكن الآن ما حدث في سوق الذهب لا يمكن وصفه الا بالفوضى واللامسئولية واعيد هذا إلى فراغ منصب شيخ الصاغة اذ لم يعد مسئولاً عن تنظيم السوق ولا يعرف ماذا يدور فيه واصبحت الحكومة تعطي لكل من يملك قيمة رخصة محلاً لتجارة وصياغة الذهب دون النظر إلى ما كان يلتزم بأخلاق هذه المهنة واعرافها وضوابطها فتفشت ظواهر الغش والخداع وقطعاً ان سوق الذهب اذا لم يلتزم فيه بالاخلاق فمساحة الغش فيه تتسع لان صناعة الذهب تعتمد في الأساس على الاخلاق فالصائغ وحده الذي يعلم الاعيرة ومقاديرها وبامكانه ان يخدع الزبون وبشكل لا يمكن التعرف عليه أبداً وهذا ما يحدث الآن في السوق والاخطر من هذا وذاك تفشي ظاهرة التهريب والذي يهدر موارد عديدة على البلاد وهذه الظاهرة بدأت الآن تأخذ شكل الطابع المنظم، وتجسر تبيدي على الايام الماضيات عندما كان تجار كل سوق الذهب يعرفون بعضهم البعض ويعملون على تنقية السوق من الذين لا اخلاق لهم مثل عملهم على تنقية الذهب من الشوائب. شيخ الصاغة نصر الدين الحسن احد تجار الذهب قال أولاً انا لست صائغاً ولكني عملت في تجارة الذهب منذ فترة ليست بالقصيرة وعاصرت أواخر عهد ما عرف بشيخ الصاغة وحقيقة في ذلكم الوقت كان سوق الذهب يختلف كثيراً عن الآن ولم تكن هذه الظواهر موجودة فلذا ارى ان العودة لنظام ضبط السوق بشيخ الصاغة امر جيد لأن الصاغة يعرفون بعضهم البعض فلم يكن هناك ذهب مسروق يباع في السوق لأن الجميع يعرف من هو مشتري هذا الذهب ولكن الآن أصبح الصاغة ينسون بعضهم بعضاً وظهرت ممارسات ربوية واضحة في تجارة الذهب وظهر البيع الآجل وهذه من الاشياء التي لم تكن موجودة في الاصل وكذلك عملية ضبط الاعيرة والتلاعب الذي يتم فيها برغم الجهود التي يبذلها موظفو المقاييس والمواصفات لكن الامر كما قلت ضبطه بواسطة موظفين أمر بالغ المشقة. انتقلنا إلى محل آخر تحدثنا إلى شاب في مقتبل العمر يدعى عمر عبدالله نفى ان يكون يمتلك المعمل رغم ان معاملته للعملاء تدل على انه المتصرف فيه وقال اخطر ظاهرة في سوق الذهب الآن هي ظاهرة ما عرف بالكسر وهي ناتجة من ركود حركة البيع في السوق مما يدفع بأصحاب المعامل إلى البيع الاجل وبالاقساط والبيع بأسعار تقل عن السعر الحقيقي للذهب واردف، هذا لم نسمع به قبل الآن لأن سوق الذهب كان محكوماً بأسعار عالمية وبورصات لكن الآن بات واضحاً ان هناك جهات تعمل على تخريب السوق لمصلحة من لا أدري؟ وكيف تتحصل على سلعها من المصوغات التي نبيعها بأسعار بها فارق كبير عن السعر المحدد في السوق للجرام. تاريخ الصاغة فضل السيد أحمد عبدالمولى رجل تعدى عمره السبعين عاماً قال انه عمل في صياغة الذهب منذ ما يقارب الخمسين عاماً يمتلك محلاً صغيراً في أحد احياء الخرطوم القديمة «الديم» جلسنا إليه قرابة الساعات الثلاث تحدث خلالها عن تاريخ الصاغة في السودان منذ العهد الانجليزي المصري وإلى الآن وقال «زمان كانت الصناعة محدودة جداً ومقصورة على بعض الاثرياء الذين يقطنون المدن الكبيرة مثل الخرطوم ود مدني وعطبرة وسنار لهذا كان الصاغة متواجدين في هذه المدن وكانوا معروفين بالاسم مثلاً في عطبرة كانت اسرة أونسي هي المسيطرة وفي الخرطوم اسرة تبيدي وفي مدني أسرة الزهار وهكذا لم يكن هناك غرباء داخل هذه المهنة لهذا كان التعامل يتم عادة مع اناس يعرفون بعضهم بعضاً ومعروفون في المجتمع لهذا كان الصائغ عبارة عن بنك متحرك لا يقتصر دوره إلى الصناعة وانما كان هو مكان ادخار الفائض من الأموال لكل الناس وكذلك هو الشخص الذي «يسلف» في حالات الضيق لهذا كان الصائغ مكان احترام وتقدير كل الناس ونحن كنا نحلم ان نكون صياغاً فكنت أنا دائماً ما اذهب للسوق واجلس أمام محل عمنا فضل عبيد وافرح جداً عندما يرسلني لاقضي له بعض المهام وتطورت هذه المسألة قليلاً وأصبح يستعين بي في العمل داخل المحل وتطورت إلى ان أصبحت الآن امتلك محلاً للصياغة غير ان الزمان لم يعد هو ذاك الزمان والصناعة لم تعد ذات الصناعة، فالسوق يحتاج لاعادة ترتيب وتبويب لهذا لابد من اعادة كافة الضوابط التي كانت تحكم هذه المهنة.