بيان 2: عندما غادر كريس باتن آخر حكام هونج كونج الجزيرة الصينية، معلنا بذلك أفول شمس الامبراطورية البريطانية، قال بعض الوافدين والدموع في أعينهم ان باتن كان ينبغي عليه ان يطفيء الأنوار وراءه. ففي منتصف ليلة الثلاثين من يونيو عام 1997، تخلى عن سيطرته على هذه الثروة الرأسمالية الواقعة على أطراف عملاق شيوعي. وتنبأ المتشائمون بأن بكين سرعان ما ستخرّب المنطقة التي خسرتها لصالح تجار الافيون البريطانيين في عام 1840، بينما ستغتصب شنغهاي مكانها كمركز تجاري لتوزيع السلع في آسيا. ولكن بعد مرور خمسة أعوام على حلول علم جمهورية الصين الشعبية محل العلم البريطاني، فإن الاضواء لاتزال تسطع أكثر من أي وقت مضى في ارجاء واحدة من أروع المدن في العالم. وللاحتفال بذلك، فإن مهرجان العام الصيني الجديد الذي شهدته المدينة مؤخرا، كان الأكبر من نوعه من حيث الاضواء التي سطعت على جانبي ميناء فيكتوريا، والتي كانت عبارة عن عرض مبهر لخيول راقصة ترحب بعام الحصان. وكان سعر التذكرة للابحار على متن معدّية من طرف لآخر في الميناء الذي يستغرق سبع دقائق يبلغ 1.70 دولار هونج كونج. وفي المكان الذي كان يشهد ذات يوم تسابق السفن المحملة بالافيون والشاي على عبور الخليج، يمكن للمرء الآن ان يركب المعدية «ستار فيري» أو يستأجر زورق السامبان الذي يسير بمجداف أو قارب شراعي لتفادي سفن الحاويات المختلفة، بينما تتنافس على خدمة هذا المعبر الى الأراضي الصينية الشاسعة وراءه، فعلى الرغم من النمو الاقتصادي الذي يشهده البر الصيني، الا ان هونج كونج لاتزال تعتبر القناة الأساسية لتجارة الصين والوجهة السياحية الاولى في آسيا وأعظم حي صيني على الأرض. قد يبدو من الغرابة بمكان وصف هذه المدينة الصينية بـ «الحي الصيني» ولكن اذا كان ذلك يعني جيبا للاجئين، الذين يكافحون بنجاح لكسب عيش أفضل، فإن ذلك الوصف يناسبها تماما. يقول دونكان بيسكود وهو بريطاني مقيم منذ فترة طويلة في هونج كونج، ويشغل منصب نائب المفوض لشئون السياحة ان هونج كونج تعتبر انصهارا حيا للشرق والغرب. فأنت يمكنك ان تخرج الى معبد وونج تاي سين وتجد من يقرأ حظك بعصيّ الخيزران وفي غضون ساعة واحدة تعود الى المنطقة السكنية الأكثر كثافة سكانية في العالم أو تتناول وجبة في جو عالمي في لان كواي فونج، وحتى بعد مرور 20 عاما فإن صخب المكان لا يزال يؤثر عليه. ويقول بيسكود حول هذا الأمر: «تستيقظ كل صباح ولديك شعور بأنك تستطيع انجاز شيء ما». ومن أبرز المعالم الجديدة مطارتشيك لاب كوك الذي يعتبر ربما افضل المطارات وأكبرها في العالم. ويقع المطار الجديد على أرض تم استصلاحها بالقرب من جزيرة لانتاو التي تعتبر أكبر الجزر الـ 260 التابعة للمدينة. تقوم جزيرة لانتاو التي يعلوها تمثال برونزي هائل لبوذا، بتسوية المزيد من الاراضي لاقامة معلم عالمي بارز آخر هو ميكي ماوس، الذي من المقرر ان يصبح جاهزا في عام 2005. وقد أمّنت هونج كونج ثاني ديزني لاند في آسيا بعد طوكيو، التي تعتبر أنجح منتزه في العالم. ولم يفعل أحد أكثر مما فعل مايك راوز، أبرز عضو بريطاني في ادارة هونج كونج بعد عام 1997 الى ان تخلى عن جنسيته في أغسطس الماضي وأصبح صينيا لجذب ميكي الى الجزيرة. ويشرح راور رئيس وكالة ترويج الاستثمار «انفيست هونج كونج» التحول الذي جرى بقوله: «لم يكن الامر مفاجئا وإنما كان تلخيصا للأعوام الثلاثين السابقة من حياتي، كنت فخورا بكوني بريطانيا، ولكن عند كل مفترق في الطريق كنت أرفض الشيء الموسوم بـ «هونج كونج/الصين». ويشير الساخرون الى انه ينظر الى الترقية المستقبلية، فالمواطنون الصينيون هم فقط الذين يستطيعون الاحتفاظ بالوظائف العليا، لكن راوز يقول ان خطوته هذه جاءت اعترافا بالفرص التي تمتع بها في هذه البلاد الحرة والمنفتحة». وبينما لاتزال الشفافية مفهوما غريبا فيما وراء الحدود التي لاتزال قائمة مع وطنه الجديد، فإن راوز يعدد عناصر القوة الدائمة التي تجعل 3000 شركة متعددة الجنسية تختار هونج كونج مقرا اقليميا لها. واذا كان الخالق قد وهبها افضل الموانيء ذات المياه العميقة على طول الساحل الصيني، فإنه قد خص البريطانيين بـ «حكم القانون وبنظام قضائي مستقل وفصل السلطات والتدفق الحر للمعلومات والأموال» وخصّ شعب هونج كونج بالضرائب المخفضة. ويقول راوز بهذا الخصوص: «ان قائمة الضرائب التي ليست لدينا أطول من الضرائب المفروضة عندنا». وتتطلع وكالة الاستثمار الخاصة براوز الآن الى البر الصيني من أجل توسيع مجال الأعمال وكذلك يفعل مجلس السياحة. فبعد سنوات من الازدراء لأبناء عمومتهم الشيوعيين الأقل تطورا، يدرك سكان هونج كونج الآن انهم يملكون المال في جيوبهم. يقول زهانج سونجشو وهو أحد الكوادر المتقاعدين في الحزب الشيوعي من مدينة نانجنج: «شعرت باثارة كبيرة واضطررنا أنا وزوجتي لأن نقرص أنفسنا لكي يذكرنا ذلك بأننا لسنا في حلم». كان زهانج من بين 4.5 ملايين زائر من الصين في العام الماضي من أصل 13.7 مليون زائر جعلوا العام 2001 عاما قياسيا بالنسبة للسياحة على الرغم من عمليات الالغاء في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك. ويضيف زهانج: «هونج كونج لم تخذلنا فالطعام والخدمة كانا جيدين والمدينة متحضرة جدا ومنظمة، ولابد ان ذلك هو من التأثير الايجابي للبريطانيين، الناس يصطفون بالطابور لركوب الحافلات بخلاف ما يجري في البر الصيني حيث يكون هناك شجار دائم، والشرطة ساعدتنا على الدوام بتقديم الارشادات حتى في عبور الشارع، كما لا أحد يرمي النفايات في الميناء». وإذا كانت الملامح البارزة لزيارته تتمثل في التناقضات الحادة مع الوطن، فإنها تلقي الضوء ايضا على التغيرات التي تجتاح هونج كونج التي كانت تعتبر طوال عقود مضت مجتمعا لللاجئين.