بيان 2: يسود اعتقاد راسخ في الاوساط العلمية والشعبية على حد سواء بأن الأضداد تتجاذب عندما يتعلق الامر بالتفاعل البصري بين الجنسين. لكن الامر ليس كذلك بالضرورة في مختبر ديفيد بيرت، اذ ان اصحاب الاشكال المتناقضة، لا يتجاذبون هناك. ففي الحجرات الضيقة الهادئة في قسم علم النفس بجامعة سينت اندروز الاسكتلندية، ينجذب الشبان والفتيات الى اشباههم من الجنس الآخر في انتظام لا يحتمل الخطأ. وفي بيانات استندت الى افادة طلاب ينظرون الى وجوه افتراضية على شاشات حاسوبية، فان النتائج الاخيرة احدثت ضجة كبيرة في الاوساط العلمية. بيرت عالم نفس رفيع المستوى متخصص بدراسة القضايا المتعلقة بالادراك، وقد اشتهر ببراعته في التلاعب الرقمي بأشكال الوجوه البشرية باستخدام التقنيات الحاسوبية. يعكف بيرت وفريقه منذ اكثر من عشرة اعوام على متابعة دراسة مستفيضة، حيث يطلبون من الاشخاص المتطوعين، الذين عادة ما يكونون من الطلبة، الجلوس امام شاشات حاسوبية تعرض امامهم سيلاً من صور الوجوه البشرية، ثم يطرحون عليهم اسئلة بسيطة لكن ذات دلالة كبيرة مثل: اي من هذه الوجوه يستميلك ويستهويك اكثر؟ قام بيرت وفريقه بالتقاط صور فوتوغرافية للاشخاص المشاركين بإحدى هذه التجارب، ثم استخدموا برنامجاً حاسوبياً بارعاً لتعديل الصورة على نحو مثير بحيث تتحول الى الجنس الآخر ـ نفس الطريقة التي اتبعها ثيرت لتحويل مارجرت تاتشر الى جون ميجور ـ ثم ضموا الصورة المعكوسة جنسياً لكل شخص الى مجموعة الوجوه التي تعرض امامه على الشاشة دون اخباره بذلك. وعندما طلب من المتطوعين اختيار الوجوه التي تستميلهم اكثر للجنس الآخر، اختار جزء كبير منهم الصور المقتبسة من صورهم دون ان يدروا بذلك. ويعتقد العلماء اننا ننجذب لهذه الوجوه ليس لأنها تذكرنا لا شعورياً بانفسنا، بل لانها تذكرنا بآبائنا او امهاتنا. تطابق الخصائص يقول بيرت ان الزوج والزوجة يكونان في احيان كثيرة متطابقين في خصائص عديدة كالحجم ولون العينين والقوة، وهذه ليست مقاييس ثابتة للجاذبية. اذن، فلابد ان هؤلاء يختارون شركاء يشبهونهم او يشبهون افراداً من عائلاتهم. وللتحري عن هذه النظرية قام بيرت بدراسة تالية لمعرفة ما إذا كانت اشكال ابائنا وامهاتنا تؤثر على اختيارنا لشركاء حياتنا. عرض الباحثون امام عدد من طلبة الدراسات العليا، صوراً محوسبة لوجه قياسي في عدة اعمار، وطلبوا منهم ان يصنفوا الوجوه حسن جاذبيتها. وكانت النتائج مدهشة. فعلى الرغم من ان كل الطلبة فضلوا الوجوه الاصغر سناً على غيرها، فان اولئك الذين كان اباؤهم فوق سن الثلاثين عندما انجبوهم، كانوا اكثر انجذاباً الى الوجوه الاكبر سناً. اذن يبدو انه كلما كان عمر والديك اكبر في نشأتك، كنت ميالاً لاختيار شريك اكبر سناً في مراحل حياتك اللاحقة. وبتركيزهم على العمر تخطى الباحثون عقبة كبيرة كانت تعترض نظريتهم. فنحن نشترك مع آبائنا في كثير من المظاهر الجسدية بسبب الجينات المتوارثة. وهذا التشابه في حقيقة الامر كبير جداً لدرجة انه كان من الصعب معرفة ما اذا كان الطلاب تعلموا تمييز الملامح الجذابة، بالنظر الى آبائهم، أو الى انفسهم في المرآة. وهذا ما دفع الفريق للتركيز على العمر. لاننا لا يمكننا ان نكون من نفس عمر آبائنا او امهاتنا. اذ لابد ان الطلاب كانوا يتذكرون آباءهم او امهاتهم لا شعورياً عندما اختاروا الوجوه الافتراضية الاكثر جاذبية بالنسبة لكل منهم. ويجري زميل لبيرت يدعى توني ليتك الان دراسة لمعرفة مدى تأثير الشخص بمظهره او مظهر والديه عندما يتعلق اللون بلون الشعر والعينين في شريك حياته. ويقول ليتك: «تحتاج الى عينات كثيرة جداً واحصائيات معقدة لموازنة تأثير صورة الذات في العقل الباطن. لكن الى الان تبدو النتائج واعدة». وتشير نتائجه الاولية الى ان الشاب ينجذب اكثر للفتاة التي لها نفس لون عيني والدته، وكذلك فان الفتاة تنجذب اكثر للشاب الذي له لون عيني والدها. محور آخر وثمة محور آخر للبحث في هذا السياق يتمثل في فكرة مثيرة مفادها اننا نتعلم كيف نميز الاشياء الجذابة الجميلة من والدينا من نشأتنا، لكن هذه الفكرة ليست غريبة على علماء الاحياء الذين لاحظوا ان الحيوانات بمراقبة ابائها وامهاتها قد تعرف من سن مبكرة جداً من عليها ان تعاشر عندما تكبر. ولذلك فان البطة التي تنشأ مع عائلة اوز، ستحاول التزاوج مع الاوز عندما تصل سن البلوغ. كما ان طائر المانيكين بني اللون يميل الى معاشرة الطيور ذات الاعراف الحمراء، اذا نشأ بين والدين الصق على رأسيهما ريش أحمر. وبالطبع، فان البصمات الجنسية المميزة في هذه الحيوانات تؤدي دورها على مستوى بسيط. فكل ما تفعله الحيوانات اليافعة هو استخدام آبائها وامهاتها لاختبار النوع الاحيائي الذي ينبغي ان تتزاوج معه. وبالنسبة لنا نحن البشر، لا نحتاج الى ان نتفحص أباءنا وامهاتنا حتى نتعلم كيف نميل الى البشر مثلنا وليس الى القردة. اذن، لابد ان يكون للانطباعات الذهنية المتكونة عند الصغار دور اعمق من ذلك، ربما يتجسد في ضبط خيار شريك الحياة قياساً على النموذج «الأبوي». اللغز الاكبر لكن حتى لو صحت هذه الفرضية، فانها لا تفسر اللغز الاكبر وهو: لاي غاية يتم ضبط لواقط الجمال في ادراكاتنا؟ ربما تفسر النظريات السابقة سبب ميلنا الى تفضيل الوجوه الاشبه الى وجوهنا او وجوه آبائنا. لكن نفعل هذا؟ ما المردود التناسلي من هذه النزعة؟ بات اندرسون من جامعة كامبردج يعتقد ان الاجابة قد تكمن في أن التوالد الداخلي ينطوي على جوانب ايجابية، رغم كل ما يقال عنه، فالتزوج من احد الاقرباء ربما يحافظ على تشكيلات جينية تأقلمت بنجاح مع البيئة المحلية. وربما يزيد ايضاً نسبة الجينات المشتركة بين الاب والابناء، مما يعزز رابطة الابوة من وجهة نظر الجينات الانانية. ويرى بيل اموس من جامعة كامبردج ايضاً ان الامر برمته له علاقة بالمخاطر التي قد تنجم عن التوالد الداخلي في مجتمع معين مشيراً الى ان تلك المخاطر اكبر عند الحيوانات مثل الحيتان مما هي عليه عند البشر. حيث يقول: «في مجتمعاتنا البشرية المتوسعة على نحو مثير، تصبح الاثار السلبية للتوالد الداخلي محدودة جداً، لاسيما اذا ما قورنت بفوائد هذا النوع من التزاوج. وهكذا فان ميلك الى شريك يشبه والدك، يصبح استراتيجية جيدة لان مجرد وصولك الى مرحلة تؤهلك لاختيار شريك حياتك يعني ان والدك كان موفقاً في انجابك وتنشئتك». علي محمد