بيان 2: مسح امبراطور المال الياباني اساوا ناكوتشي من ذاكرته فترة عصيبة ومرعبة تتعلق بخدمته كأحد جنود المشاة في الحرب العالمية الثانية، فمع اقتراب نهاية الحرب، وبينما كانت قوات المارينز الامريكية تجتاح الفلبين في عام 1945 يتذكر انه كان يجثم مرتعداً في الغابة، ويكافح بجهد جهيد كي يبقى مستيقظاً خوفاً من ان يقوم رفاقه بقتله والتهامه اذا ما غلبه النعاس. وقد أخبر كاتب سيرته الذاتية في وقت لاحق ان تلك التجربة علمته درسين قاسيين هما: «من يحتل المرتبة الثانية فهو خاسر» و«لا تثق بأحد». وكان من شأن هذه العقيدة المقولبة بانعدام الأمن والثقة ان تحمل ناكوتشي الى القمة، ولكنها ايضا هيأته لسقوط يعكس الآن الاتجاه التنازلي المرعب الذي يتخذه الاقتصاد الياباني. بعد الحرب العالمية الثانية، عاد الجندي الشاب الى ارض الوطن ونجح في تحويل مستودع الادوية الصغير الذي لوالده الى اكبر امبراطورية لتجارة التجزئة في اليابان، وفي الخمسينيات، اشاع السجلات النقدية. وفي الستينيات، كان رائداً في مجال التخفيضات على البيع بالتجزئة،مما جعل شركته «دايي» وال مارت عصرها في اليابان. وبحلول بداية التسعينيات كان يوظف 100.000 شخص ويمتلك حوالي 300 نشاط للاعمال من بينها فنادق ومطاعم وفريق محترف لكرة البيسبول. وكانت العوائد تزيد على 40 مليار دولار، مما جعل «دايي» التي يسميها المقربون «دكان ناكوتشي» واحداً من اقوى اللاعبين في الاقتصاد المحلي الياباني. الاقتراض الميسر غير ان التوجه لاحتلال المركز الاول لم يكن بلا ثمن. وكما هو الحال مع العديد من الشركات اليابانية الاخرى التي بحجمها فان صعود شركة «دايي» تعزز من خلال الاقتراض الميسر من بنوك صديقة وفي منتصف التسعينيات ومع انفجار الفقاعة الاقتصادية خافت البنوك من تخلف واسع الانتشار عن سداد هذه القروض، ولهذا قامت بتوزيع المزيد من السيولة في محاولة يائسة للابقاء على المقترضين الكبار بعيداً عن الغرق. وفي احد اعدادها الاخيرة حددت اورينتال ايكونومست وهي نشرة اخبارية شهرية 66 شركة يابانية ممن تزيد ديونها على مليار دولار وهي تدين مجتمعة بمبلغ 260 مليار دولار او حوالي ضعف الدين الوطني للارجنتين، وتستحوذ دايي لوحدها على17 مليار منها، مما يضعها قريبا من قاع هذه الفئة التي يعرفها اليابانيون باسم «زومبي جايشا» او شركات زومبي. ان هذه الشركات هي الروح المريضة للتدهور الاقتصادي الياباني، وقد غذت ثقافة الاقراض المتهور بعد الحرب حالات مذهلة من انعدام الكفاءة، وتعتبر الاسماء التجارية المعروفة في سوق التصدير العالمي مثل تويوتا وسوني الاستثناء في اليابان، حيث يعمل 95% من السكان لصالح شركات تبيع منتجاتها بشكل اساسي للسوق المحلية. وهذه الشركات تعتبر اقل انتاجية بمقدار الثلث في المتوسط من الشركات في الولايات المتحدة كما يقول معهد ماكنزي العالمي، ويقول بنك اليابان «البنك المركزي الياباني» ان هذه الشركات تتحمل ضعف ديون الشركات الامريكية وتصنف اليابان نفسها كمجازفة خطيرة على نحو متزايد من قبل المؤسسات المتتبعة لشئون القروض مثل مودي وستاندرد اند بور، وهي تندرج الآن في فئة المديونية نفسها التي تضم سلوفاكيا. وقد بدأ بعض المحللين يحذرون من ان اليابان ربما تكون متجهة نحو ازمة مديونية مشابهة لازمة الارجنتين ولكن مع مضامين اكثر خطراً بالنسبة لآسيا والعالم. ولاتزال اليابان عائمة على الرغم من اقتصادها المحلي العاجز ولكن بصعوبة، وقد تصل الازمة الحالية الى ذروتها في الحادي والثلاثين من مارس المقبل، عندما تقوم اليابان في اطار اصلاحاتها المالية بوقف التأمين على الايداعات الضخمة في البنوك وتهدف الخطة الى تشجيع اليابانيين على سحب الاموال من حسابات الادخار واستثمارها في الاقتصاد. لكن الخوف يتمثل في ان يكون الناس العاديون قد فقدوا ثقتهم ببلادهم بشكل يدفعهم الى تصفية حساباتهم وارسال الاموال للخارج. ومن شأن الاصلاح الذي يتمتع بالمصداقية ان يخفض الخطر، لكنه سيؤدي على الارجح الى انهيار العديد من كبريات الشركات اليابانية، مما يدفع الى تسريح عشرات الألوف من العمال ويتسبب بأزمة سياسية لرئيس الوزراء جونيشيرو كويزومي. اصلاح الخلل تبرز شركة دايي الآن كاختبار من الدرجة الاولى للمدى الذي ستذهب اليه الحكومة في اصلاحها للخلل السائد في الاقتصاد، وبحسب سياسيين وبيروقراطيين بارزين في اليابان، فإن وكالة الخدمات المالية، وهي هيئة مراقبة ستصدر امراً للبنوك بايقاف العمل في عشرات النشاطات التجارية المدنية، ومعظمها في مراحل البناء مثل العقارات وتجارة التجزئة والتمويل والتي تعتبر الاعمدة المنهارة للاقتصاد المحلي. وفي شهر نوفمبر قامت الوكالة بتضمين شركة دايي قائمتها للشركات ذات الديون الميتة والنتيجة المتوقعة لهذه الخطوة هي ممارسة الضغط على بنوك دايي الاربعة للتخلي عن العملاق المريض الآيل للسقوط، وسينجم عن ذلك تصفية معظم اصول شركة دايي. والجانب المتضمن للمفارقة في قصة شركة دايي يتلخص في ان ناكوتشي بدأ عمله التجاري كمتمرد يهاجم المصالح المحصنة قبل ان يصبح واحدا منها وقد اتبع منذ البداية استراتيجية هجومية في تنافسه مع الشركات الاخرى وتعامل بالسوق السوداء المزدهرة الى ان وصل الى القمة وبات يمتلك امبراطورية شاسعة تمتد اذرعها الى معظم الانشطة التجارية وتدر مليارات الدولارات سنوياً. ومع ان صعوده قد يبدو سريعا بعض الشيء إلا ان سقوطه قد يكون اسرع بكثير. ضرار عمير