لو تمكن العلماء من ابتكار كاشف لضبط الكذب مباشرة في دماغ المشتبه به، لانتفى الغلط القانوني المحتمل ولوقع المذنب ضحية خيانة أفكاره. ولكن رغم الابحاث الجارية في هذا الميدان، فإن مثل هذا الجهاز لايزال ينتمي الى عالم الخيال العلمي. وتؤكد دراسة أمريكية نشرت ابان المؤتمر الأخير لجمعية العلوم العصبية في سان دييجو انه تم الكشف عن المناطق الدماغية التي تتنشط عندما نكذب. الا ان هذه النتائج الأولى لم توضح سوى العمليات العقلية البسيطة نسبياً. ذلك انه اذا كانت تقنيات التصوير الطبي تتيح ملاحظة بعض الحسابات التي يقوم بها الدماغ، فإنها لا تتيح في الوقت الراهن كشف نشاطاته المعقدة. استخدم الدكتور دانيال لانكلبن الطبيب النفساني من جامعة بنسلفانيا، تقنية التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي لتتبع «التضليل» في تلافيف أدمغة ثلاثة وعشرين شخصا. كانت التعليمة التي تلقاها المشاركون في التجربة تحثهم على إنكار حيازتهم ورقة لعب، بينما هي لديهم في الحقيقة. وتبين ان بعض أقسام فصهم الجبهي بشكل خاص «التلفيف الحزامي الامامي والتلفيف الجبهي العلوي» تتنشط عند قيامهم بهذه الكذبة. ووفقا لرأي الدكتور «لانكلبن» فإن أهم نقطة في هذا الاكتشاف تكمن في ان التعبير عن الحقيقة يتوافق والحالة الأساسية للدماغ بينما الكذب هو حالة مشتقة. لقد أثبت تحلل العديد من العمليات الاستعرافية قيمته في أبحاث العلوم العصبية، وفقاً لعبارة «لانكلبن». ينبغي النظر بحذر الى أولى نتائج هذه الدراسة. وقد عبر الدكتور «لانكلبن» نفسه عن تحفظه: «أعبر عن حذري الشديد.. لا يمكن التسليم منذ الآن بأن هذه التقنية الاستكشافية ممكنة الاستخدام في التحقيقات الجنائية. يقول جاك برنييه مدير البحوث في المعهد الوطني للصحة والدراسات والبحوث الطبية (باريس) والاختصاصي في العمليات العقلية وتنشيط الدماغ، انه كي تثبت صحة التجربة يجب اثبات انها قابلة للنسخ، للتكرار. ويضيف: «ليست مناطق الدماغ المستكشفة عند لانكلبن نواحي نوعية. تشترك هذه المناطق في ضبط السلوك والانفعالات والانتباه وبرمجة الحركات... القشرة المخية الحركية معروفة منذ زمن طويل بالنسبة لدورها في ادارة التداخل، أي المعلومات المتضادة وصعبة الترابط. لم تكشف دراسة الدكتور «لانكلبن» الا عن جزء صغير من ميدان بحثي واسع: فهم الانفعالات والافكار المعقدة. وفي هذا الاطار، يعتبر الكذب آلية جديرة بالاهتمام. يرى ليونيل نكاش طبيب الاعصاب المتخصص في السلوك وطب الاعصاب الاستعرافي ان قابلية الكذب لا تولد مع الانسان. وتكشف هذه القابلية عما يسميه الاختصاصيون «نظرية العقل» أي ملكة التفريق بين ما نفكر فيه نحن وما يفكر فيه الآخرون، وكذلك امكان الصياغة الارادية لمعلومة كاذبة كي يعتقدها الآخر صحيحة. هذه القابلية غير موجودة عند الاطفال قبل سن السنتين، ولا يعون تقريبا قبل هذه السن ان الكذب موجود. ويشير الدكتور نكاش الى ان بعض المرضى الذين يعانون من اصابات في الفص الجبهي، عقب حادث وعائي دماغي مثلا، يفقدون قابلية الكذب. عندما تتأذى هذه المناطق، يلاحظ ظهور سلوكيات انعدام الكف. ان أسس سلوكنا الاجتماعي هي التي تتأذى بذلك. يضيف الدكتور نكاش. يأتي الكذب من سيرورات هي على ارتباط بمراقبة الذات وبالعلاقات مع الآخرين، ويتيح التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي للباحثين الوصول الى زوايا من الدماغ تصعب ملاحظتها بشكل مباشر، ولكن كي نقرأ الافكار يلزمنا التمكن من ربط باحة دماغية معينة بوظيفة معينة. الا ان ذلك ليس أسلوب عمل دماغنا. يقول جان دستي رئيس ابحاث الفيزيولوجيا العصبية في المعهد آنف الذكر والمحاضر في جامعة واشنطن/سياتل: «لا تستطيع تقنيات التصوير الطبي العصبي اطلاعنا على مضمون الفكر الا اذا قبل بالتشاكل بين نشاط الخلايا العصبية والمضمون السيكولوجي، الا ان الدماغ خلافا للأعضاء الأخرى، لا يظهر هذا التوافق المنهجي بين بنيته الفيزيولوجية والوظائف التي يضطلع بها. ان الربط بين النُسُج العقلية والملكات الفكرية هو رابط مرمّز لاتزال أسرار عقولنا خبيئة في جانب كبير منها، ولم يستطع الباحثون حتى اليوم فك رموزها. واذا ما توصلوا الى فكها ذات يوم، ستطرح العديد من التساؤلات الاخلاقية نفسها بالضرورة، فحريتنا الفكرية ستكون آنذاك في خطر. أما الآن ونظرا لتعقيد الرمز الذي يحكم أفكارنا، فإن أمام الكاذبين أياما طويلة يستثمرونها. محمد الدنيا