لعل هؤلاء ليسوا «الرستافاريين» الذين تخيلتهم أو سمعت عنهم، مئات من راستا الـ «بوبو اشانتي» يعيشون معزولين في معتقلهم الجبلي داخل مجمع يدعى «المؤتمر الاثيوبي الدولي الأسود» على بعد 16 كيلومتراً، عبر طريق وعرة من العاصمة الجمايكية كينجستون. انهم من أشد المؤمنين عناداً بعقيدتهم ويسعدهم جداً ان يتقاسموا وقتهم وآراءهم مع كل من يحمل نفسه مشقة المجيء لزيارتهم. والواقع ان الزيارات قليلة والزوار يستقبلون بحفاوة إذا توفرت بعض الشروط، وقد جاء في دليل لونلي بلانيت عن جمايكا: الزوار يتم استقبالهم على الرحب والسعة طالما انهم يتقيدون بالمبادئ ويحسنون التصرف، ولعل التبرع بمبلغ 20 دولاراً يفيد كثيراً أيضاً. هناك لوحة لافتة على البوابة الخشبية المؤدية إلى المجمع المحاط بالأسوار كتب عليها: «اطرق الباب وانتظر» وبعد فترة وجيزة تسمع صوت رجل يقول: «آتٍ حالاً» وتمضي دقائق أخرى وتخرج الامبراطورة كيتو وتسأل احدى الزائرات إذا كانت «حرة» طيلة 21 يوماً، أي منذ بداية اخر طمث لها، ويتبين ان ثلاث نساء فقط تستطعن الدخول، ولا تلفظ أسماء العائلة، وتكفي عبارة «مبارك أنت» لتبادل التحيات. ويتوجب على الزوار ان يوقعوا على أوراق الاستقبال على طاولة يقف وراءها رجل له وجه حازم يرتدي ثوباً أسود وينادي باسم «الكاهن وارن» وهو يحمل كتاباً مقدساً قديماً. ويقول الكاهن ألن، زميل وارن وهو أحد الرجال المسنين في المجمع: «اننا أمة ذات سياسة ومن الضروري ان نراقب كل ما يجري ونحفظ سجلاً بالزائرين». وليس واضحا كيف جاء هؤلاء إلى هذا المكان، ولا أحد يبدي استعداداً للحديث عن ماضيه، إلا انه يبدو ان ثمة نقطة مشتركة بين الجميع وهي الابتعاد عن جمايكا وعن الحياة العصرية والاعتزاز القوي بالأمة السوداء، وهم يعتبرون جمايكا ملاذاً مؤقتاً إلى حين عودتهم إلى أفريقيا يوما ما.ويقول الكاهن وارن عابساً: هنا في جمايكا لا أصدقاء لي ولا مأوى وأشعر بالاحباط. نشأت الراستافارية التي لها اتباع عددهم حوالي مليون شخص في مختلف بلدان العالم، في جمايكا وانتشرت في منطقة الكاريبي في الثلاثينيات بشكل فورة غضب عمت أوساط أحفاد العبيد الزنوج الذين تعرضوا لاضطهاد السلطات الاستعمارية. وقد تميز اتباع الطائفة بالسراويل الفضفاضة التي يرتدونها وجدائل الشعر الطويلة. في روايته الملحمية «الكاريبي» وصف الكاتب جيمس ميتشنر مظهر الراستافاري بأنه «مرعب» للاستعماري الأبيض الذي كان يراه كإنسان «معتوه تقريبا» عندما يلقي موعظة ما. ويقول ميتشنر: «الجميع يزيحون عن الدرب لتسهيل مروره، وما يجعله يبدو متوحشاً وشرساً، هو شعره الذي لم يقصه أو يمشطه منذ خمس أو ست سنوات، وبسبب التشابك الطبيعي المدعم بطبقة من الوحل والزيت والمواد الكيميائية جعل الشعر يتدلى في خصلات مكبسة طويلة، أشبه بأفعى تتلوى». ويعتقد الكثيرون من «الراستا» العودة إلى أفريقيا وهي رغبة جامحة بصورة خاصة بين اشانتيو البوبو، الذين يختلفون عن الراستا والذين يختلفون عن طوائف الراستا الأخرى ان مؤسسهم «الأمير عمانوئيل الأول» هو التجسيد الزنجي للسيد المسيح. والناس هنا يؤمنون بقوة ان سفناً ستأتي في النهاية ـ ربما سيرسلها أحد زعماء العالم، أو ربما الله ـ ليعيدهم إلى أفريقيا. وحتى يتحقق هذا الحلم يعيش هؤلاء حياة تقشف ويقتاتون الثمار التي تنتج في حدائق المجمع، والتبرعات وريع المكانس الخشبية التي يصنعونها ـ وبعض الموارد الغامضة الأخرى. وقد اكتسب الراستا بعض الشهرة في العالم بفضل الموسيقى الجاميكية والأغاني المثالية من تأليف المغني الجمايكي بوب مارلي. ويشرح الكاهن فلسفة طائفته بالقول: «امم تخلطت بأمم أخرى، هذا سيء، نحن نريد عنصراً زنجياً نقياً، ينبغي ان يعود الاثيوبيون والصينيون إلى الصين والأوروبيون إلى أوروبا، وحينئذ سيعم السلام في العالم». وإلى حين ذلك فإن الراستا عالقون في «بابل» التعبير الذي يستعملونه لوصف احتياجاتهم غير الكافية للحياة. وفي محاولة للتكيف مع وضعهم جعل الراستا الصلاة إلزامية ومتكررة، للزوار والمقيمين على حد سواء، ويطلب من الضيوف ادارة وجوههم نحو اثيوبيا، وتشكيل مثلث يمثل الثالوث المسيحي بأيديهم والقاء صلاة قصيرة تنتهي بجملة «عمانوئيل الأول» هيلا سيلاسي الأول، جاه راستافاري. وتكرر هذه الصلاة، كلما دخل أحدهم غرفة أو غادرها، وكلما يتم ذكر هيلا سيلاسي.