اختتمت أمس الدورة 52 لمهرجان برلين السينمائي الدولي (617 فبراير 2002) بعرض فيلم «الدكتاتور العظيم» الذي أخرجه وكتبه وأنتجه وقام ببطولته شارلي شابلن عام 1940 في ذروة قوة هتلر، ويدور حول التشابه بين شخصين يؤديهما شابلن نفسه، ادينويد هينكل وهو دكتاتور بروسي يحكم دولة تومانيا، رمز واضح لأدولف هتلر، ومقابله شخصية تبدو متناقضة ظاهرياً لحلاق يهودي خجول يعيش في جيتو، في المشاهد الأولى نرى الحلاق ضحية حادثة طائرة في الحرب العالمية الأولى، يمكث في المستشفى عشرين عاماً، يعاني من فقد الذاكرة، وعندما يعود إلى الجيتو يجابه بمعاداة السامية والاستعدادات لحرب جديدة بسبب تعطش الدكتاتور للغزو وتوسيع نفوذه، ويزور دكتاتور دولة بكبتريا «يشبه موسوليني» اسمه هنا بنرينو نابالوني، تومانيا لمفاوضات تعاون، ويلقي القبض على الحلاق عن طريق فرقة «العاصفة» ويعتقل في معسكر يتمكن من الهروب منه مع صديقه شولتز ويذهبان إلى دولة أوشيرليش ولم يكونا يدركان ان هينكل قد أمر جيشه بغزوها وان وصوله مرتقب ويحدث خطأ والتباس بين الشخصيتين هينكل والحلاق بسبب تشابههما الجسماني، حيث يؤخذ الحلاق على انه هينكل ويلقى القبض على هينكل عن طريق جنوده الذين يظنون انه الحلاق، يجد الحلاق نفسه أمام حشود ضخمة من الجماهير وميكروفونات كثيرة، ويقوم بإلقاء خطاب مثير يدعو فيه إلى السلام والتسامح. في مذكرات شارلي شابلن في «سيرتي» 1964 يذكر ان المخرج الكسندر كوردا اقترح عليه عام 1937 ان يقدم فيلماً عن هتلر على أساس هوية ملتبسة يكون فيه لشخصية هتلر شارب مثل شارب شخصية المتشرد الذي طالما أداها شابلن، عاد شابلن إلى هذه الفكرة المقترحة فقد وجد انه يستطيع تجسيد شخصية هتلر بالحركة الايمائية وعندما شرع بالعمل في مشروع فيلم «الدكتاتور العظيم» تلقى تحذيرات من شركة الانتاج «يوناتيد ارتيست بأنه سيواجه مشكلات رقابية كما تشكك الموزعون الانجليز في امكانية عرض الفيلم في بريطانيا ولكنه صمم على المضي في مشروعه «لأن هتلر، يجب ان يكون محل سخريتنا وضحكنا». فيلم «الدكتاتور العظيم» هو أول أفلام شابلن التي استخدم فيها تقنية الصوت وآخر أفلامه التي ارتدى فيها زي المتشرد. الطريف ان كلاً من شارلي شابلن وهتلر ولدا في العام نفسه 1889 وفي شهر ابريل، الأول في 16 ابريل في لندن والثاني في 20 ابريل في النمسا، وكان شابلن قد زار برلين عام 1937 وقوبل بحماس كبير في العام 1933، تولى هتلر السلطة وقد بدأ شابلن تجهيز الفيلم عام 1938، وتلقى تلميحات وآراء سلبية من الجانب الانجليزي والألماني وقد استعان بخطب هتلر والأخبار التي نشرت عنه الصحف اضافة إلى الأفلام النازية. والطريف ان سكرتير في لجنة الرقابة السينمائية في لندن ارسل برقية إلى قنصل المانيا في لوس أنجلوس عام 1939 ينبهه إلى ضرر المساس بشخصية رجل دولة أوروبي ومع تقدم الجيش النازي في أوروبا انتهى تجهيز الفيلم وتوليفه الذي أدخل فيه شابلن تعديلات بعد العرض الخاص وفي 15 اكتوبر 1940 كان العرض الأول في نيويورك وحقق نجاحاً ضخماً وكانت له ردود فعل نقدية، كما ان الساسة الأمريكيين الذين كانوا يفضلون عدم التورط في الحرب الأوروبية، لذا عارضوا الفيلم ، كما منع عرض الفيلم في الدول الأوروبية التي احتلها الجيش النازي وهناك من يؤكد ان هتلر قد شاهد الفيلم في عرض خاص وكذلك فعل ستالين، وفي 30 ديسمبر 1940 اختار نقاد نيويورك شابلن كأحسن ممثل للعام ورفض شابلن جائزتهم، وفي عام 1945 عرض الفيلم في ألمانيا في القطاع الذي تحتله القوات الأمريكية، ولقي مقابلة باردة لأن أهوال النازية كانت لا تزال تسيطر على أذهان الألمان، ولم يعرض الفيلم في جمهورية ألمانيا الاتحادية إلا في سبتمبر 1958. نسخة الفيلم التي عرضت في ختام مهرجان برلين جرى ترميمها من النسخة الأصلية السالبة كما تم تجويد نوعية الصوت باستخدام التقنية الرقمية «ديجيتال». يأتي عرض الفيلم في برلين في جزئها الشرقي الذي كان على مدى أكثر من 45 سنة عاصمة لألمانيا الديمقراطية وعلى مقربة من مقر هتلر الذي دمره الحلفاء، والسور الذي كان يفصل بين الألمانيتين، كحدث له دلالته يبدو في اطار لمراجعة الماضي، لأن هناك أكثر من فيلم بالمهرجان عن فترة النازية. برلين ـ فوزي سليمان