احتل علي بدرخان، مكانا بارزا بين كبار المخرجين العرب رغم أنه لم يخرج سوى ثمانية أفلام فقط، منذ أن تخرج من معهد السينما عام 1967. لكن من ينسى «الجوع» 1968، «الراعي والنساء».. يؤمن بدر خان بأن الفنان يجب أن يلعب دورا عاما نشطا ازاء ما يجري داخل بلده أو في الوطن العربي أو في العالم الخارجي! هذه اطلالة على عالمه، خاصة بعد أن انتهى منذ فترة وجيزة من اخراج أحدث أفلامه «الرغبة». ـ بعد فترة توقف طويلة كالعادة، منذ آخر أفلامك «نزوة» 1996. لماذا جاءت عودتك الحالية مع هذا الفيلم بالتحديد؟ ـ أولا هذا الفيلم مأخوذ عن مسرحية عربة اسمها الرغبة للكاتب الأمريكي تينسي وليامز، التي كنت شديد الاعجاب بها، لأنها كانت ترصد مرحلة تحول اجتماعي في أمريكا، حيث تختفي طبقة وتظهر طبقة أخرى على السطح، كما ترصد تحولات الشخصيات اثناء فترة التحول وهو الجانب الذي يهمني.ويكون أمام تلك الشخصيات احتمالان اما أن تتكيف مع ما يحدث وتستمر أو تصدم بما يجري وتضطرب أحوالها مثل شخصية «بلانش» في المسرحية، وذلك اضافة الى قسوة الآخرين، الذين لا يتفهمون الأزمة التي تعانيها تلك الشخصيات، والتي قد تصل الى حد تدمير بعض منها كان ذلك هو محور المسرحية، الذي يعنيني وكنت أتمنى أن أخرجها للسينما منذ فترة طويلة. من أجل ذلك تحمست حين عرض على رفيق الصبان سيناريو الفيلم مع نادية الجندي، وقبلت! ـ من هي الشخصيات الرئيسية في الفيلم؟ ومن قام بأداء كل منها؟ ـ هناك أربعة أبطال: الأخت التي ترفض التغيير وتتشبث بالماضي بلانش في المسرحية ولعبت هذا الدور نادية الجندي والاخت الأخرى التي اتخذت القرار بأن تتغير ومثلت الدور الهام شاهين. وثالث الأبطال هو زوج الاخت الذي جاء من الطبقة الجديدة ولعبه ياسر جلال وهو أيضا صديق الزوج، وهو من الطبقة العاملة ومرشح للزواج من الاخت التي تحاول التغير، وقام بأدائه صلاح عبد الله. ـ وما هو محور الصراع بين تلك الشخصيات؟ ـ هناك صراع يدور بينهم ما بين الحب والكراهية، القبول والفوز، فالموضوع أساسا كناية عن أحاسيس ويتناول الفيلم عددا محدودا من الشخصيات يعيشون مرحلة تحول محصورين في حي واحد وبيت واحد، فالعمل يتركز أساسا عما يدور داخل تلك الشخصيات! ـ وكيف كان الأمر بالنسبة لياسر جلال؟ ـ لقد أدى ياسر جلال سابقا عددا من أدوار البطولة. وكان دوره في الفيلم دورا صعبا، لكنه أداه بشكل جيد، وأرى أن الجميع قد أدوا أدوارهم بشكل جيد! ـ لكن صلاح عبد الله، معروف ككوميديان كبير، فكيف كان دوره؟! ـ هو دور مختلف تماما عن أدواره السابقة وهو يلعب دور شخصية ظريفة، طيبة عاطفية جدا، لكنه يصدم في الشخصية التي انبهر بها وأحبها وقرر أن يتزوجها، فيضطرب ويتحول الى شخصية تراجيدية تعاني، وقد أدى دوره ببراعة. ـ كانت هذه أول تجربة لك مع نادية الجندي.. كيف كانت العلاقة بينكما؟ ـ لنجمة الجماهير نادية الجندي نجاحاتها الكبيرة في السينما، وقد اتفقت معها على أن نعمل معا، حتى نخرج معاً بشكل جديد. ولأن هذا الفيلم كان أول تعامل لنا معا، فلم أكن أعرف طبيعتها ولم تكن هي تعرف طبيعتي في البداية كان هناك شد وجذب ولكل منا رؤيته الخاصة، وتدريجيا سرى التفاهم بيننا، وعرفنا كيف نوصل الأفكار الى بعضنا. وكمثال لما أقصده بالتفاهم أن الممثل أحمد زكي، لأننا أصدقاء منذ زمن طويل عملنا معا كثيرا، فبمجرد أن ينظر الي يفهم ما أريده فورا دون أن أتكلم! وربما أصل الى نفس هذه الدرجة مع نادية الجندي بعد فيلم آخر أو اثنين! ـ ماذا عن الوجوه الجديدة في الفيلم؟ ـ هناك علي الزيدي، وهو مغربي الجنسية من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية، وأيضا حازم فودة خريج المعهد العالي للسينما قسم اخراج ثم ضاحكا. وهنا أيضا مفاجأة هي ولداي: بدرخان والمعتصم بالله.. بدرخان في الثامنة والنصف من عمره والمعتصم في الثانية عشرة من عمره يلعب بدرخان دور ابن اسرة جيران ياسر جلال أما المعتصم بالله فيلعب دور صبي في ورشة ميكانيكا ياسر جلال. ـ لماذا اتحت لهما فرصة للتمثيل في الفيلم؟ ـ حدث ذلك بعد الامتحانات وكانا معي في الاسكندرية أثناء التصوير وسألتهما اذا كانا يرغبان في التمثيل فوافقا، لكنهما أزعجا المنتج كثيرا ضاحكا، وذلك حين الحا على طلب عقدهما، وبسؤالهما المستمر حول كتابة اسمهما في الأفيش. ـ قرأنا في بعض الجرائد أخبارا حول سيناريو الفيلم! ـ أود أن أوضح أولا أن كوني مخرجا للفيلم يجعل لي يدا بشكل طبيعي في السيناريو، وهو ما يتم دائما بمعرفة كاتب السيناريو. وكان رفيق الصبان يعرف ذلك.ورغم أن عملي خاص بالاخراج، الا أنني أطلعته على ما أنجزته حتى يرى ما تم، لأنني سأستفيد اذا كان له أي ملاحظة، كما أن العمل السينمائي لنا جميعا في النهاية. وأنا ضد فكرة من يقول أنا سيناريست ولا يجب أن يغير لي أحد كلمة لأنه حين يقول السيناريست ذلك فلا يجب أن يعمل في حقل السينما، بل يجب أن ينشر عمله، وذلك لأن العمل السينمائي عمل جماعي فيه مخرج ومدير تصوير وممثلون، الخ ويجب أن يدلي كل منهم بدلوه، فنحن لا ننفذ مجرد ورق مكتوب بل يجب التفاعل مع الورق ونقول رأينا ونغير، ونصلح، ثم ننفذ، أثناء الاخراج أكون قد خططت حركة ما ثم يأتي مدير التصوير ويقترح رأيا يكون الأصوب فننفذه، وقد يأتي المونتير ويخبرني أن جزءا قد طال ويجب حذف لقطة معينة، أنفذ رأيه، لأنه في مجال صناعة السينما يجب أن يتكاتف كل العاملين من أجل انجاز عمل متكامل له تأثير، كما أنه عند نجاح العمل السينمائي ينصرف النجاح الى الجميع. ـ هل واجهتك مشاكل أخرى أثناء تصوير الفيلم؟ ـ لعل أهم مشكلة قابلتني هي أنني صورت الفيلم في وقت صعب. كنت أريد أن أصور على شاطئ الاسكندرية، قبل فترة الامتحانات أو أثناءها، حتى يكون الشاطئ، ومكان التصوير المختار هادئا وخاليا. ولكن حدثت ظروف خارجة عن ارادة الهام شاهين فأضطررنا أن نصور في فترة اجازة الصيف، وبطبيعة الحال لا يمكنك أن تبعد جمهورا في الصيف على الشاطئ، ويرون ممثلين يحبونهم وكاميرا، من أن يقف ويتفرج. وكانت هناك صعوبة ثانية، أنني كنت أصور الخارجي في الاسكندرية والداخلي في مصر، وكنت أريد أن أربط بين الخارجي والداخلي حتى لا يشعر المشاهد أنني أعتمد على ديكور، وهو ما كان يحتاج الى مزيد من العمل لتحقيق ذلك! ـ ما هي الفترة التي استغرقتها في التصوير؟ ـ انتهى تصوير الفيلم خلال أربعة أسابيع ونصف أو خمسة أسابيع. ـ ماذا أضاف هذا الفيلم الى رصيدك الفني المعروف؟ ـ لا أستطيع أن أقول شيئا في ذلك، فهذا موضوع أحببته وأنجزته. وأعتقد أنه نوع من الأفلام السهلة الممتعة! ـ ما مشروعك المقبل بعد هذا الفيلم، الذي ربما يكون مشجعا؟ ـ ليست المسألة مسألة تشجيع، بل هي مسألة انتاج.. ماذا يريد المنتجون؟ وما هي نظرتهم للصناعة؟! ـ لعل كلماتك الأخيرة تجرنا الى سؤال آخر، هو. كيف ترى واقع السينما الآن؟ ـ ليس هناك جديد، بل هو واقع يستمر في التدهور. وقد تبدو على السطح من حين الى آخر بعض المسكنات، وعندما ينتهي تأثيرها تعود الأزمة من جديد! ـ اذن، ما هو تعليقك أنه لأول مرة في تاريخ السينما المصرية أو العربية عموما، يحقق أحد الأفلام ايرادات تتجاوز المليون جنيه، وليست المسألة ذات طابع فردي، بل أصبحت ظاهرة متكررة؟ ـ أن يحقق فيلم ما ايرادات تتجاوز بالملايين، فليس تلك ظاهرة سينمائية، بل ظاهرة اجتماعية! ـ بمعنى أن الناس تعيش تحت ظروف ضاغطة، وأصبح همها الأساسي ماذا تأكل اليوم، ولم تعد تهتم بأن تفكر في الغلب الذي تعيش فيه، فأنصرف اهتمامها الى البحث عن الأفلام التي تتضمن بسمة أو ضحكة! بمعنى آخر أصبح هدف المواطن أن يكون معه فلوس، وتكوين الفلوس صعب في مجتمع تتكشف أقنعة النماذج فيه عن وجوه فاسدة، وأصبح النصاب هو النموذج المرتجى، وتدهورت القيم، ولم تعد القدوة موجودة.. وسط هذا المناخ لابد أن يتساءل المواطن عن أي شئ، تريدني أن أفكر، فلم تعد الناس تريد أن تفكر في الغد وأن تتطور أو تصلح من مواقعها وينتهي الأمر الى اعتبار التفكير وجع دماغ فيتقبل الفرد أن يعيش، دون أن يتدخل في أي شئ.. حينئذ، لم يبق له ألا أن يشاهد فيلما يسليه ويضحكه! وهناك عامل آخر قد يبرر ارتفاع الايرادات، هو أن السينما لاتزال هي الفسحة أو المتعة المتاحة لطبقة العمال والطبقة المتوسطة مهما ارتفعت أسعار التذاكر، مقارنة بمجالات الفسح والمتع الأخرى. ـ وما الذي تراه من حلول لأزمة السينما؟ ـ أن يتم تطوير صناعة السينما وأفلام وبرامج التلفزيون، لأنها تحقق مصالح البلد، حيث يمكن تصديرها بالكامل وتدر عائدا كبيرا. ومع وجود مدينة الانتاج الاعلامي، يجب أن يتوافر الى جوارها أفضل مصورين، أفضل ملحنين، أفضل كتاب.. الخ، حتى يساعد ذلك على جذب الأموال الخارجية للاستثمار في هذه الصناعة! ما يحتم ذلك ليس فقط ضرورته الاقتصادية، بل أيضا حتى تستعيد مصر جزءا من دورها الريادي كمركز للثقافة والفن في العالم العربي! القاهرة ـ حسين عيد