بيان الكتب: شهدت صناعة النشر في الآونة الاخيرة تطورا كبيرا بعد ان كانت تعتمد على الأدوات التقليدية، بدأت ثورة النشر الالكتروني مؤخرا معتمدة في تطورها على الاستفادة من الثورات الثلاث الضخمة التي تسود العالم منذ منتصف الستينيات من القرن الماضي وهذه الثورات هي ثورة الوسائط الالكترونية ، الحاملة للمعلومات وثورة تكنولوجيا الاتصال وثورة الحاسبات الالكترونية، حيث أصبحت صناعة النشر في أي دولة تعتبر من أهم المعايير التي يقاس بها تطور نهضتها ورقيها وهي سجل صادق يعكس مستوى عقول أبنائها. وفي هذا الاطار يقدم الدكتور عيسى عيسى العسافين مدرس علم المعلومات في جامعة دمشق كتابه الجديد «المعلومات وصناعة النشر» مشيرا الى التلازم بين النشر والمعلومات بهدف التعرف على ظاهرة النشر بشكل عام ورصد واقع حركة النشر في سوريا حيث قسم كتابه الجديد الى عدة فصول. حيث يعالج الكتاب في فصله الأول مفهوم المعلومات من حيث المعنى اللغوي والاصطلاحي ومن ثم يتولى بيان العناصر الاساسية للمعلومات وهي فئات المعلومات وثورة المعلومات وسماتها، بعدها يتناول الدراسة المعلوماتية وبعضا من قضاياها حيث ينتهي الفصل باستعراض يتضمن واقع المكتبات ونظم المعلومات السورية في الوقت الذي اتسعت فيه دائرة المعلومات في القرن الحالي بحيث أصبحت تشمل جميع المجالات وزاد الانتاج العلمي زيادة كبيرة وصاحب ذلك تطور كبير ومذهل في الاجهزة والآلات التي تم استخدامها في حفظ المعلومات واسترجاعها وأدى ذلك الى ما يعرف الآن بثورة المعلومات واصبح المجتمع الذي نعيشه اليوم يسمى مجتمع المعلومات. وقد أدت الزيادة الكبيرة في كمية المعلومات التي تنشر كل ساعة بلا حدود الى خلق ضرورة ملحة لوضع نظم متكاملة لهذه المعلومات بهدف التحكم والسيطرة عليها تستخدم فيها أساليب فنية متطورة قادرة على التعامل مع أحدث الاجهزة الالكترونية في مجال تداول المعلومات وتخزينها ومعالجتها واسترجاعها. ولم يعد التفكير في المعلومات كعلم مستقل بذاته الا في السنوات القليلة الماضية عندما زادت الحاجة الى ادوات التنظيم والضبط للمعلومات في المجالات العلمية والادارية المختلفة حيث يشهد العالم اليوم اهتماما بالغا ومتزايدا بظاهرة المعلومات التي تخدم اهدافا عديدة في جميع انشطة المجتمع التنموية المختلفة، وقد تنبهت الدول المتقدمة الى أهمية المعلومات فقامت بتطوير النظم واستخدام التكنولوجيا الحديثة للمعلومات التي أحدثت تغييرا كبيرا في مجال نشاط البحث العلمي، وعلى الرغم من أهمية المعلومات وخطورة المشاكل الناجمة عن عدم توافرها، فانها لا تلقى الاهتمام الكافي في معظم الدول النامية ومازالت أوعية المعلومات تحفظ بطريقة بدائية وغير سليمة مما يعرضها للتلف والضياع وبالتالي عدم الاستفادة منها. وعن سمات ثورة المعلومات يرى الدكتور العسافين في كتابه الجديد ان السمة الأولى هي ان الثورة الراهنة تجنح نحو العالمية او محاولة توحيد العالم في سياق واحد، كما تعمل على ازالة الاثر التقليدي للتمايز الجغرافي وللحدود السياسية التي كانت تشكل ضمانة وشرطا وعاملا متميزا ومستقلا في تكوين نمط الحياة والعمل. اما السمة الثانية وهي ان الاهمية المتزايدة والاستثنائية في الثورة الراهنة تبرز من خلال وسائل الاتصال والمعرفة والعلم وهذا يعني تحول المعلومات بالمعنى الواسع للكلمة الى مركز الثقل في هذه الثروة، في حين تبدو السمة الثالثة في ان التدويل المتزايد للمجال الانساني يرتبط بالتفاوت النوعي في الوقت الذي تتعرض فيه الانسانية للتأثيرات الثقافية والمادية والاقتصادية نفسها بحيث ان اي تبدل في مكان ما يؤثر على الجميع فان توزيع امكانيات ووسائل النمو يتفاوت يوما بعد يوم، مما يخلق نوعا من الاحتكار الشامل لعناصر التقدم من قبل البعض ونوعا متفاقما من التهميش الانساني للبعض الآخر الذي يكاد يشمل الآن القسم الاعظم من الانسانية. في حين يتناول الفصل الثاني من كتاب «المعلومات وصناعة النشر» للدكتور عيسى عيسى العسافين موضوع النظر ومفهومه العام في اطار الذاكرة الخارجية ويتضمن المعنى اللغوي والاصطلاحي للنشر وحلقات النشر والذاكرة الخارجية ومراحل النشر مع التركيز على المرحلة ما قبل الورقية حيث ينتهي الفصل بالكتب ومواد الكتابة في العصور القديمة. فاذا كان مفهوم النشر يعني رسالة فكرية موجهة الى جمهور القراء المستهلكين للرسالة، فان هذه الرسالة لكي تصل لابد ان تكون على وعاء المعلومات الذي هو وسيط مادي خارجي تسجل عليه المعلومات بطرق مختلفة ومن أوعيتها الكتب ومقالات الدوريات والمصغرات والوثائق والملفات وقواعد البيانات وهذا يعني ان الكتاب وما يشبهه من أوعية الذاكرة الخارجية هو المجال الذي اختارته عملية النشر ليكون موضع نشاطها. ويرى الدكتور العسافين مستندا الى نظرية الدكتور سعد الهجرسي عن الذاكرة الخارجية بأنها مجموعة الوسائط المادية التي اصطنعها الانسان ليسجل عليها خبرته كالحجارة والألواح الطينية وسعف النخيل والبردي والعظام والورق الصيني ومشتقاته اليدوية والآلية والمواد المصنفة حاليا، كاللدائن والمركبات الكيمياوية ذات السمات الطبيعية الخاصة. وعلى هذا الاساس ليست الذاكرة الخارجية بالمعنى السابق الا امتدادا للذاكرة الداخلية ولكنها تتميز بأنها امتداد مادي محسوس يعتمد على وجود الوسائط الخارجية او الاوعية ومن الطبيعي في موقف المقارنة بين الذاكرة الداخلية والذاكرة الخارجية ان الثانية منها لا تقف عند حدود معينة من ناحية قدرتها على الاختزان بسبب انها تعتمد على هذه الوسائط المادية اللامتناهية. وفي هذا الاطار يرى الباحث ان نشأة انظمة الكتابة قد تأثرت بالمواد الطبيعية والنباتية والحيوانية التي وجدت بمناطق مختلفة، فقد اثرت المادة الخام المتوافرة في بلاد العراق والشام القديم التي كانت تؤخذ لصنع الرقم الطينية من ضفاف نهر دجلة والفرات في ظهور الكتابة المسمارية وكان المصريون بكتابتهم على الحجارة المسطحة للمعابد وعلى المقابر وفيما بعد على نبات البردي الذي كان ينمو على ضفاف النيل قد اثرت بعمق في ظهور الكتابة الهيروغليفية وان الواح الكتابة الخشبية والكراسات الجلدية التي استخدمها الرومان كانت من العوامل التي ساهمت في نشأة نظم الكتابة اليونانية. اما الفصل الثالث من الكتاب الجديد فيعالج المرحلة الورقية ويتضمن ظهور الورق والاشكال الورقية للرسالة الفكرية واسباب الهجوم على اوعية المعلومات الورقية ونشأة الطباعة في العالم مع التركيز على وضع المطابع في سوريا ومراحل تطورها وعمليات الضبط الببليوجرافي للانتاج الفكري السوري ويتضمن كذلك دراسات الاتجاهات العددية النوعية والفئوية للكتاب العربي والسوري. كذلك يتناول هذا الفصل الاتجاهات الشكلية للانتاج الفكري السوري من حيث دراسة الكتب والكتيبات وحركة الترجمة في االنتاج الفكري السوري وقوانين وتشريعات الكتاب السوري من حيث الرقابة على المطبوعات والحماية الفكرية واخيرا مقومات النشر في البلاد العربية عموما. حيث تشارك كثير من الفئات في صناعة النشر وذلك اما لصلتها المباشرة بعمليات النشر ونظمه ووسائله او بحكم استعانتها ببعض الجهات من خارج دائرة النشر لتأثيرها الواضح في صناعة النشر او لانها تعد بحكم طبيعتها من الجمهور المتوقع للرسالة الفكرية التي تضعها المطابع في المجتمع، لذلك ينبغي ان تساهم هذه الفئات جميعها في صناعة النشر بشكل او بآخر كذلك ينبغي عدم اغفال القوانين والتشريعات في هذه العملية. ويرى الدكتور العسافين انه عند التفكير في دراسة واقع النشر في اي نطاق جغرافي فهناك منظومة من العناصر ينبغي ان نضعها في الاعتبار من ناحية المؤلف والناشر والرقابة والطباعة، كذلك التوزيع والمستهلك. ففيما يتعلق بالتأليف نجد ان المؤلف على مستوى البلاد العربية يعاني من كثير من المشكلات المادية والمعنوية التي تحد من انتاجيته العلمية وابداعه الفكري. فمن ناحية يتعذر على المؤلف العربي العيش الكريم من دخل بيع مؤلفاته في مجتمع لم يعد يقرأ الا فيما ندر، اذ نلاحظ ان الناشرين لايطبعون سوى الفي نسخة من اكثر العناوين رواجا مخصصة لمئتي مليون مواطن عربي وبمعدل نسخة واحدة لكل مئة الف عربي . ومن ناحية ثانية تعتبر قيود الرقابة العشوائية والضوابط المفروضة على المؤلف في البلاد العربية من الاسباب الاساسية التي تخنق فكره وتضيق مجالات حركته داخل وطنه، يضاف الى ذلك مجموعة من التعقيدات البيروقراطية الادارية التي تحكم نشاطه اليومي. وفي هذاالسياق يشير العالم المصري فاروق الباز الباحث في وكالة الفضاء الامريكية الى وسائل الحد من هذه الهجرة والتي يلخصها باهتمام الدولة ومؤسساتها بدعم العلم، والبحث والاستكشاف وتوفير الامكانات العلمية ووسائل البحث العلمي المتقدم وكثرة الحوافز الادبية والمالية لمن يبدع في الانجاز العلمي وسهولة المعيشة والراحة النفسية للعملاء وعائلاتهم. وازاء تلك الحقائق الخاصة بالتأليف فان صورة الانتاج الفكري مازالت قاتمة في الوقت الذي لاتزال فيه الدول العربية من اضعف البيئات في العالم بانتاج الكتب بما لا يتناسب بأي مقياس مع الامكانيات البشرية والمالية العربية المتاحة اذ يدور انتاجه حول 1% من اجمالي الكتب الصادرة في العالم وسكانه حوالي 4% من سكان العالم. وفيما يتعلق بالناشر يؤكد مؤلف الكتاب الجديد ان طبيعة وحجم المؤسسات التي تتعاطى وظيفة الناشر حاليا تجعلها اقرب الى المؤسسة الحرفية منها الى المؤسسة المتخصصة، لذلك فان نشاطها وانتاجها محدودان ولا يمكنها بوضعها الحالي وتنظيمها الداخلي المعمول به ان تقوم بدورها الفاعل كأداة لتعميم نشر الثقافة العربية من خلال نشر الكتاب وغيره من المطبوعات وان حصر دوافع النشر بتحقيق الربح المادي السريع يجعل الناشر يتبنى سياسة من شقين الأول نشر كتب المؤلفين المشهورين والثاني نشر الكتب التي ترضي اذواق القراء الذين يعيشون حالة الاستلاب دون النظر الى مدى ما يحدثه هذا الكتاب او ذاك من نمو في وعي وثقافة المجتمع العربي. ويرى الدكتور عيسى العسافين ان الشق الاول من سياسة النشر المعتمدة لا يشجع اطلاقا محاولات المؤلفين المبتدئين والمبدعين الجدد ولا يسعى لصقل خدمات يمكنها ان تعطي وتبدع فيما لو توفر عنصر الرعاية والمساعدة وهذا يلغي بطبيعة الحال امكانية ظهور انتاج فكري متنوع مما يشحذ دوافع القراء ويشجعهم على الانطلاق. اما الشق الثاني من هذه السياسة فيؤدي الى المحافظة على الثقافة السائدة مهما كانت متخلفة او لانها لا تأخذ بمعطيات التطور والتقدم ويرسخ ابشع صورها المتمثلة في ثقافة الاستغلال والاستهلاك والاستلاب والانحلال باسم إرضاء أذواق المطالعين القراء وبهذا يتحول دور المؤلف من كاتب وشاحذ لملكات التفكير والبحث الى مجرد حارس للثقافة والأفكار الموجودة في المجتمع ومروج لتلك البضاعة الرائجة وبهذا يتضح عدم وجود سياسة سليمة تحكم عملية النشر في البلاد العربية، اذ تشترط دار النشر للحصول على مخطوطة الكتاب بهدف اخضاع مضمونها لآلية السوق المتمثلة في قدرة الكتاب على طرح نفسه في السوق وسط الزحام وتحقيقه الربح ومدى صلاحيته للنشر فاذا نجح في هذه السلسلة من الاختبارات تبدأ عملية المساومة على سعر الغلاف. وبالنسبة الى الرقابة فيؤكد مؤلف الكتاب بأن حرية الفكر والابداع في البلاد العربية مازالت مرتبطة أولا واخيرا بالحدود التي سمح بها مقصي الرقيب. ويستشهد الدكتور العسافين بما كتبه الباحث محمد عدنان سالم حول ازمة الكتاب المزمنة وحلولها المستعصية على هذا الوتر حيث يقول ان ازمة الكتاب العربي باتت معروفة لكثرة ما تناولها الدارسون بالبحث والتحليل وباتت مزمنة لكثرة ما انتابها من طول الامد حتى تصلبت وغدت مستعصية عن الحل ولخصها في قدود الرقابة العشوائية المزاجية المتباينة في الوطن العربي التي مازالت تقطع اوصال الكتاب وتضيق مساحة انتشاره وتحرم القاريء العربي من الاطلاع على ثمرات الفكر والثقافة وتعده قاصرا فتفرض وصايتها عليه وتحبس في اقبيتها الابداع غير المحدود مدة تطول او تقصر ريثما يفرغ الرقيب من تقليب اوراقه بحثا عن كلمة تخالف المألوف او فكرة تعارض المعروف، وهو يرى انه لا يمكن للمجتمع العربي ان ينهض بأفكاره المستقرة لديه ما لم يطورها وينميها ولا يمكن للافكار ان تنمو دون تزاوج و تصادم واحتكاك. وبالنسبة الى الطباعة فهي تعاني في معظم البلاد العربية من بدائية الآلات المستخدمة في الطباعة والنقص في الغيار، وتخلف عمليات الاعداد الفني فضلا عن نقص القوى الفنية العامة في مجال الطباعة بسبب الاجور القليلة مما جعلها تسافر الى خارج اوطانها الى البلدان المتقدمة او البلدان الخليجية ذات الدخول المرتفعة في مسعى منهم لايجاد الفرص الافضل في مجالات العمل، وهذه العوامل انعكست سلباً بطبيعة الحال على جودة المطبوعات. فلاشك ان الرقابة الشديدة التي تخضع لها المطابع العربية اثناء العمل والاجراءات الادارية المعقدة قبل انشاء المطبعة وبعد قد ساهمت في الحد من انتشار المطابع في البلاد العربية علاوة في النقص الحاصل في الورق الذي يعد من اهم مواد الطباعة، حيث لا تغطي معامل الورق العربية إلا جزءاً يسيراً من حاجة السوق مما يؤدي الى استيراد هذه المادة من الخارج وبالتالي تخضع الى آلية السوق السوداء التي ترفع سعره في بعض الاحيان الى الضعف، الامر الذي يؤدي الى رفع سعر الكتاب، وما يرافق ذلك من اشكاليات خطيرة للمستهلك القاريء. اما بالنسبة لتوزيع الكتاب العربي فيؤكد الدكتور عيسى عيسى العسافين في كتابه الجديد «المعلومات وصناعة النشر» انه يعاني من ضعف التوزيع والتسويق بالاضافة الى نقصان واضح في تداول الكتاب بالدولة العربية فمن ناحية تبرز مشكلة أسعار الكتب التي تعتبر من أهم مشاكل ترويج الكتاب محليا نظرا لضعف القوة الشرائية عند غالبية الشعوب العربية كذلك على الرغم من الاتفاقيات العربية والدولية فلايزال الكتاب العربي محاصرا يشكو من بعض الانظمة الجمركية المعقدة وانظمة الشحن التي تقف في وجه تصدير الكتاب العربي الى الخارج اضافة الى ظاهرة العزوف عن القراءة بوضوح في عالمنا العربي من خلال الاعداد الهزيلة من النسخ المباعة من هذه المطبوعات. وتناول الفصل الأخير من الكتاب الجديد المرحلة اللاورقية ويتضمن أوعية المعلومات الورقية التي انشطرت الى قسمين هما أوعية المواد السمعية البصرية والمصغرات الفيلمية وأوعية المعلومات الالكترونية، كما تناول هذا الفصل موضوع النشر الالكتروني ومدى تأثيره على الأوعية الورقية من خلال دراسة الكتب والدوريات الالكترونية. رنا يوسف