تجد طاقات الشباب الابداعية في مختلف العناصر المسرحية طريقها الى الجمهور في مصر عن طريق مسرح مركز الهناجر للفنون، بفضل رعاية رئيسته الدكتورة هدى وصفي التي شجعت الفرق المسرحية الحرة، ودعمت أكثر من عمل مسرحي شبابي، وأشركت الشباب في ورش مسرحية عديدة مع مخرجين عرب وأجانب. وقد شاهد جمهور «الهناجر» ـ وله تميزه في التذوق في الفترة الأخيرة عرضين لمخرجين جديدين واعدين هما منال ابراهيم في عرض «فات الميعاد» وطارق الدويري في «زمن الطاعون». تخوض منال ابراهيم تجربتها الاخراجية الأولى بعد أن عملت مساعدة لأكثر من مخرج مصري وعربي، ومشاركة في أكثر من ورشة وعرضها «فات الميعاد» مأخوذ عن نصين مسرحيين هما الأقوى لأوجست سترند بيرج و«ساليري وموتسارت» أو «العبقرية والشر» لبوشكين، قام يحيى فكري بإعدادهما ودمجهما وقصة العلاقة بين الموسيقيين ساليري وموتسارت، فكانت موضوع الفيلم الامريكي أما ديوس 1984 وهو الاسم الأول لموتسارت للمخرج التشيكي الأصل ميلوش فورمان، وفاز مؤدي دور ساليري بجائزة الاوسكار، كما كانت موضوع مسرحية أما ديوس للكاتب بيتر شيفر، والتي قدمت على مسرح الطليعة بالقاهرة تحت اسم الناي السحري سنة 1995 من اخراج رأفت الدويري، ورغم عناوين الفيلم أو المسرحية المرتبطة باسم العبقري النمساوي فولفجانج أما ديوس موتسارت « 1756 ـ 1791» الا أن البطل الحقيقي فيها هو الموسيقار الايطالي ساليري، الذي كان يشغل منصب موسيقي وقائد أوركسترا بلاط امبراطور النمسا، وكان يحقد كل الحقد على العبقري الشاب موتسارت الذي لا يظهر في المسرحية لكننا نستمع الى موسيقاه الرائعة، الموسيقى التي تثير غيره ساليري الذي يبدو على خشبة المسرح وهو يستمع اليها ويهتف لها بنفاق وحقد أسود ما كل هذه الروعة يا موتسارت، أنا وحدي أدرك عظمتك هذه.. ثم يتوجه للجمهور مقدما نفسه أنا ساليري.. ألا تعرفون من أنا بعد مضي مئتي عام لم يعد هناك من يذكرني ثم يشير الى البيانو الذي كانت تتصاعد منه أنغام موتسارت أما هو فلا يزال يطاول بألحانه أصوات الملائكة ونغمات الفردوس ثم تذوب نظراته ليعترف لنا بلهجة فيها نعومة تشف في الوقت نفسه عن عقدته كيف تعلم الصنعة «وأصبح حرفياً ماهراً» عاملت الموسيقى كأنها جثة أقوم بتشريحها طبقت عليها قوانين الجبر حتى أحقق الانسجام لايقاعاتها قضيت الأيام والليالي في صومعتي غارقا في الابداع ثم يقول في هدوء مصطنع «بعدها كنت أحرق ما كتبت وأتطلع في برود لابداعاتي وهي تتبخر مع الدخان». ثم تدخل وفاء في ملابس أنيقة وقفاز حريري تجلس أمل «آية سليمان» قبالتها غير عابئة بحضورها تحدثها وصوتها يحمل شعورا بالذنب أنها تسببت في منعها من دور البطولة بعد أن حققت تفوقا. تعترف لها بأنها خافت منها.. فهي قد شدت اليها كل الاهتمام وغيرتها منها وصلت الى محاولة التقليد بل التقمص ألبس نفس ألوانك أقرأ ما تقرأين «وكأنما تستنكر نفسها» روحك دخلت روحي مثل السوس الذي ينخر في الخشب. حقد وفاء رغم نجوميتها على الممثلة الشابة حتى رغم تحقيق الشهرة بسبب بعدها عن النفاق الاجتماعي تمازج مع حقد ساليري على موتسارت وعدم وصوله الى عظمته ولكن في حين وصل الينا صوت موتسارت رغم عدم حضوره عن طريق موسيقاه، فان أمل كانت حاضرة ولكن صامته تعبر بملامح وقسمات وجهها.. عن احتقارها لوصولية ونفاق النجمة.. وهل هذا ما يدعو الى أن مثل هذه الأعمال محدودة الشخصيات يجب أن تقدم على مسارح صغيرة.. حتى يتسنى اقتراب الجمهور من الممثلين.. كما في قاعتي «الزرقاني» الملحقة بالمسرح القومي، و«يوسف ادريس» الملحقة بمسرح السلام أو لعله كان يمكن أن تعبر الممثلة آية سليمان وهي من أعضاء فرقة المسرح الراقصين عن مشاعرها بالحركة.. وكان صوت وأداء الممثل أشرف فاروق موفقين في دور ساليري ومن خلال اختيار الممثلين وديكور محمود حنفي، تؤكد منال ابراهيم حضورها ونجاحها كمخرجة في عملها الأول. العرض الثاني زمن الطاعون للمخرج طارق الدويري مأخوذ عن مسرحية «حياة جاليلي» للكاتب والشاعر الألماني برتولد بريخت الذي ترك بصمة واضحة على المسرح العالمي والعربي والمصري، تبارى مخرجون كبار وخاصة في الستينيات وعهد الأيديولوجيات في تقديم أعماله التي طالما أثارت الجدل وكما تقول عنه الدكتورة هدى وصفي في تقديمها للعرض انه ككاتب وشاعر غنائي ومنظّر ومخرج، دافع عن تصوره الخاص للمسرح والذي كان يستمد وجوده من وظيفته الاجتماعية والسياسية، ومسرحه ملحمي يعي أنه داخل التاريخ يقدم نفسه بوصفه نسقا مفتوحا لاستيعاب تقلبات هذا التاريخ وأن بريخت قدم عروضا مسرحية يعتبرها برغم اختلافها تجريبية، فهو يتبنى مفهوما للتجريب شديد المرونة احتوى على كل تجريب الرواد على مستوى الاخراج بل أيضا على الدراماتورجية التجريبية، فكل دراماتورجية غير أرسطية تجريبية. يحاول المخرج الشاب أن يستجيب لهذا التصور، وأن يعطي بعدا عصريا بداية من تغيير العنوان من «حياة جاليلي» الى «زمن الطاعون» فالطاعون في رؤيته مازال يهددنا حتى اليوم متمثلا في محاولات الارهاب الفكري والتخلف والتعصب والتضييق على حرية التعبير، وطمس الحقيقة، ويحاول أن يجابهك برؤيته هذه أو يهيّئك حتى قبل دخول قاعة العرض ـ حيث وضع على المدخل يساره ويمينه معلّقات طويلة من ورق يبدو وقد احترق من جوانبه نقشت عليه أسماء رموز حرية الفكر من بينها الرازي والتوحيدي وابن سينا وابن رشد وغيرهم من الماضي حتى طه حسين وعلى عبد الرازق ومحمد أحمد خلف الله ولويس عوض ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد وغيرهم من الحاضر.. كما ينقش عناوين أعمال نهضوية مثل من هنا نبدأ لـ «خالد محمد خالد» و«حياة محمد» لمحمد حسنين هيكل. «جاليليو جاليلي» ـ العالم الايطالي الذي عاش بين 1564 ـ 1633 والذي أكد بأبحاثه وابتكاراته العلمية أن الأرض تدور حول الشمس وليست ثابتة كما كان شائعا ـ وكما كان يروج بين الشعب من خرافات وأساطير أو بين رجال الدين الذين أنكروا آراء العالم البولندي كوبر نيكس، ووقفوا ضد أفكار واجتهادات جاليليو العلمية وقدموه لمحاكم التفتيش التي اتهمته بالزندقة، وأمام تهديد قد يلحق به ما حدث لعالم سبقه هو برونو، الذي أحرق، خضع للتهديد حتى يحفظ حياته، وأعلن تراجعه عن آرائه، ولكنه عاد أمام ضميره ومريديه يعلن تمسكه بها. قد يبدو الموضوع جافا ومعروفا علميا، ولكن بريخت أراد أن يدين كل نوازع التخلف، وكل محاولات القهر والقمع، وهو الذي عانى من النازية وهرب من ألمانيا الهتلرية الى أمريكا، ويعري العلاقة أو المصلحة المشتركة بين كل قوى القهر والتخلف بمختلف صورها والتحالف بين الرأسمالية والقوى الرجعية «العلم والربح» كما أراد أن يؤكد على دور الوعي.. فقد وقف ابناء الشعب والفلاحين ضد هرطقة جاليليو الذي صدمهم بأفكاره الجديدة حول دوران الأرض وأعلن ميلاد قرن جديد. حاول المخرج طارق الدويري أن يقرب النص للجمهور عن طريق استحداث خلفية بالفيديو في عمق المسرح تجسد هواجس جاليليو وعن ما يتوعد البشرية من مصير وجوه فزعة ومآس مهلكة وتعبر أيضا عن أسرار الكون والطبيعة من خلال تلسكوب جاليليو، وقد أعد هذه المادة الفيلمية المصاحبة المخرج السينمائي الشاب أكرم فريد.. كما حاول تجسيد خيالات جاليليو ووقائع بعض الأحداث عن طريق الرقصات التي صممها وليد عمار، وبمصاحبة موسيقى هيثم الخميس، والتحرك المحدود لديكور مدحت عزيز بين روما والبندقية وفلورانسا، وبادوفا، وأزيائه بين ثوب الملاك الأبيض، وشياطين محاكم التفتيش المرعبة السوداء، كل هذه العناصر من الفنانين الشبان، بمواهبهم مع مجموعة أو مجموعات الممثلين، نجحت في طرد أي شعور بالملل في عرض استمر أكثر من ساعتين بقي الحضور حتى النهاية واستقبلوا كل الفريق بالتصفيق. وقد يناقش اجتهاد الدويري في محاولة اختزال مشهد هام مثل المحاكمة بتقديمه أو الاشارة اليه حوارا بالخلفية أو تقديمه لنص بريختي تفترض فيه الملحمية بأسلوب كلاسيكي، قد يكون قد انعكس على أداء بعض الممثلين الانفعالي، ويحسب للدويري هنا استعانته بعناصر تمثيلية شابة أدى بعضهم أكثر من دور الى جانب عناصر راسخة مثل سامي عبد الحليم في دور «جاليليو». القاهرة ـ فوزي سليمان