بيان الكتب: دونيس روبير هو صحفي تحقيقات. سبق له وقدم حوالي عشرة كتب من بينها «العدالة والفوضى» و«الصفقات تستمر» و«ساعتان من الصفاء» هذا الكتاب الاخير هو محصلة مجموعة لقاءات مع المفكر الامريكي، نعوم شومسكي، ومن كتبه ايضا «يوميات سرية لصفقات جارية». هذا الكتاب الجديد «الصندوق الاسود» الذي صدر في مطلع عام 2002 تم وصفه على انه «قنبلة ذرية في عالم المال والصفقات في لوكسمبورج التي وصفها تقرير برلماني فرنسي مؤخرا بأنها اكبر مراكز تبييض الاموال والعمليات الغامضة على الصعيد المالي في العالم. تجدر الاشارة هنا الى ان لوكسمبورج التي يبلغ عدد سكانها 420000 نسمة تحتوي على 227 بنكاً ويعمل خسمون الف شخص في القطاع المصرفي والمؤسسات المالية الاخرى. موضوع هذا الكتاب هو رجال المصارف في لوكسمبورج.. ويبدو ان الفكرة في البداية كانت مجرد القيام بتحقيق صغير.. لكن سرعان ما بدأت المضايقات وايضا التهديدات اذ ان ارباب البنوك لا يحبون ان يكشف احد اسرارهم». ولا يخفي المؤلف منذ البداية بانه احس باستمرار بانه «يلعب في الشطرنج ضد خصم غير مرئي» «هم» ضدنا.. ولكن من «هم»؟. الاجابة الاولى الاساسية التي يقدمها هذا الكتاب هي ان اسرار عالم المال والتمويل وكل الصفقات محفوظة في «صندوق اسود». لكن من هو هذا «الصندوق الاسود؟». انه باختصار المؤسسة البنكية التي تشرف على عمل جميع البنوك في لوكسمبورج.. وهذه المؤسسة معروفة باسم «كلير ستريم»، او «بنك البنوك».. وهنا يطرح السؤال: «من الذي يقف وراء هذا الصندوق الاسود؟». في لوكسمبورج كل شيء سري، ولكن كل شيء ينتشر بسرعة ايضا: وما فعله مؤلف هذا الكتاب في تحقيقه هو مقابلته للعديد من الموظفين السابقين في البنوك بلوكسمبورج والذين قاموا بتسليمه عددا من الوثائق وكشفوا له كيف اتلفوا آلاف الملفات التي تتعلق بعمليات مالية او صفقات تجارية بطلب من مؤسسة «كلير ستريم» بعض رجال المصارف اكدوا مثل هذا القول. كما ان مؤلف هذا الكتاب قد كشف عن وجود العديد من الحساباتي «المخبأة» لدى المؤسسة المذكورة.. ويكشف ابعد من هذا عن الآليات القائمة على التزوير والتزييف وحيث يتم «غسل» كميات كبيرة من الاموال في أوروبا وبما في ذلك مؤسسات مالية فرنسية «محترمة». ويؤكد هذا المؤلف ايضا بأن رؤوس الاموال المتأتية من اوساط الاجرام او من الدعارة او من تجارة المخدرات ليست هي وحدها التي تستفيد من موقف اللامبالاة الذي يبديه ارباب المصارف في لوكسمبورج وانما ايضا هناك مؤسسات اوروبية رسمية تقوم باستغلال الاموال عبر الالتفاف على تشريعاتها الخاصة في بلدانها «لكن بالمقابل، يرى مؤلف هذا الكتاب بأن هذا المركز المالي العالمي يحظى بالحماية القوية على قاعدة المصالح الاقتصادي للقوى العظمى. كان مؤلف هذا الكتاب قد نشر عام 2001 وبالتعاون مع «ارنست باكس» كتابا تحت عنوان «كشف اسرار» وتعرض فيه ايضا لعالم الاموال والبنوك في لوكسمبورج، وما كشف عنه الكتاب الأول كان الواقع الحقيقي وراء تأليف هذا الكتاب الجديد «الصندوق الاسود» ولا يتردد المؤلف في القول بأن مسيرة حياته كلها قد تغيرت منذ أن بدأ الاهتمام بكواليس الصفقات المالية مع ان كل ما كان سيسعى اليه في البداية هو التأكد من صحة ما يقال». مؤسسة «كلير ستريم» في لوكسمبرج هي التي تمتلك الاسرار التي بحث عنها المؤلف.. وقد كانت هذه المؤسسة تسمى «سيديل» حتى عام 1999 وقد كان رجال يعملون داخل أهم البنوك العالمية قد انشأوا هذه «الاداة المعقدة» التي لا يعرف آليات عملها بل ولا يعرف بوجودها سوى اولئك الذين كانوا وراء تأسيسها. لكن تاريخ هذه الاداة قديم جدا اذ كان الهنود يطلقون عليها تسمية «الثقة» «هاوالا» اما كيفية عملها فهي بسيطة مبدئيا اذ يأتي مثلا رجل الى ممثلها في فرانكفورت يريد ان يرسل 1000 يورو لاخيه في نيودلهي.. الرجل الوسيط يأخذ المبلغ وفائدته ويتحدث بالهاتف مع زميله في نيودلهي الذي يقوم بتسليم المبلغ للرجل المطلوب. هكذا كان يتم الاعتماد في الاصل على انتماء الوسطاء والزبائن ايضا الى نفس «العشيرة» او نفس «الاثنية».. من هنا جاءت تسمية «الثقة» كل ما في الامر تم اليوم استبدال الوسيط التقليدي بمصرفي حيث المبادلات لا تتم بالآلاف وانما بمئات الملايين من اليورو.. وعلى سبيل المثال بلغت قيمة المبادلات التي تمت عن طريق «كلير ستريم» خلال عام 2000 حوالي 50 تريليونا «1 تريليون = الف مليار يورو». وبالطبع لا يتم الحديث هنا عن اموال سائلة وانما عن سندات وقروض واستثمارات ومضاربات. وبكل الحالات يتم اللعب على عامل الوقت، كما يقول مؤلف الكتاب. وحيث لا تشكل المبالغ النقدية سوى الجزء اليسير من هذه المبادلات. او ربما يمكن القول بأنه يتم «شراء وبيع وعود». كما ان المبادلات اصبحت تجرى «الكترونيا». ان الاموال تنتقل من ناسو الى فرانكفورت عبر تحولها الى سندات ارجنتينية او اسهم امريكية وتعود الى حساب في ليختنشتاين دون ان يكون قد جرى اي انتقال حقيقي. فكل شيء قد بقي في ذاكرة الحاسوب الذي قام بالعملية». كما يقول المؤلف. ان المؤلف يقدم في هذا الكتاب العديد من الارقام «المثيرة»، اذ تعرف مثلا. ان هناك حوالي سبعة الاف بنك في العالم او مؤسسة مالية حيث يقوم أقل من نصفها قليلا اي حوالي ثلاثة الاف بنك ومؤسسة مالية بعمليات تبادل سنداتها واسهمها عبر اداتين دوليتين هما «يورو كلير» التي يوجد مقرها الرئيسي في بروكسل ببلجيكا والثانية هي «كلير ستريم» في لوكسمبرج.. وهناك 60% من مالكي الاسهم في هذه الاداة هم ايضا من المساهمين في «يورو كلير» كما ان ثلث اداريي المؤسستين يعملون بشكل مشترك «هكذا يمكن القول بأن «كلير ستريم» هي في الواقع نوع من «بنك البنوك» وينقل المؤلف عن مديرها السابق «اندريه لوسي» قوله: «البنوك عندها عملاء.. ونحن عملاؤها تتمثل بالبنوك». ان الاستراتيجية التي يقول بها مصرفيو هاتين «الاداتين» يرددون دائما للعالم الخارجي بأن عملهم هو تقني فقط اذ ان دورها هو فقط «تسهيل المبادلات بين البنوك». وضمن هذا السياق يركز المؤلف على القول بأن «خصوصية مؤسسية» كلير ستريم تكمن في انها «تبيع العتامة» ويضيف: «ان هذا يعود اولا الى التقدم الهائل الذي تم تحقيقه على صعيد التقنيات المالية التي تسمح للبنوك عبر استخدام المبادلات الالكترونية ، كما تفعل كلير ستريم، بالخلط بين المال المشروع والمال غير المشروع»، كما يؤكد المؤلف بأن الورقة الثانية التي تلعبها «كلير ستريم» انما تتمثل في تواجدها بـ «لوكسمبورج» التي تمتلك بنكا مركزيا منذ حوالي سنة تقريبا.. لكنها تبقى بنظر جميع الاخصائيين بعالم المال ومبادلاته بمثابة «الفردوس المالي والقانوني والمصرفي». هذا الكتاب هو في الواقع بمثابة تحقيق بوليسي عن عالم المبادلات المالية في لوكسمبورج. هكذا نجد الى جانب المؤلف ـ المحقق الرئيسي ـ عددا من الشخصيات الاساسية «ذات العلاقة» مثل موظف سابق في «سيديل» اي «كلير ستريم» حاليا ومصور تلفزيوني، سبق للمؤلف وانجز فيلما وثائقيا برفقته عن «لوكسمبورج» لكن هذا كله لا يمنع واقع ان «قانون الصمت» يعمل بشكل جيد لدى عدد من المصرفيين كما هو الامر في «اوساط المافيات» هذا لا سيما وان «الجرائم المالية» لها مكانتها في منظومة الصفقات المالية. ويحاول المؤلف ان يرسم نوعا من «الخريطة» او الصورة لعالم المال والتمويل.. اما النتيجة فهي «مذهلة» اذ ان حقائق المبادلات المالية وحجمها يجعل من جزر «كايمان» اكبر بمئة مرة من البرتغال و«لوكسمبورج اكبر بألف مرة من القارة الافريقية كلها». ان المؤلف يتحدث عن الاموال الآسيوية وعن النشاط المالي للشركات النفطية الامريكية والبنوك الاوروبية المختلفة. وعن الاموال غير المشروعة التي يتم «تبييضها» عبر قنوات «كلير ستريم» التي يصفها احد الذين التقاهم المؤلف بأنها: «اكبر غسالة للمال القذر في العالم».. ان الأموال التي يجري الحديث عنها تعد بعشرات المليارات من الدولارات.. وشهود وقضاة ومحامون ومخبرون ومدراء سابقون وحاليون ومصرفيون واحداث 11 سبتمبر 2001. كتاب وصفه ناشره بالقول بأنه «قنبلة ذرية في عالم المال»