بيان الكتب:انجريد بيتانكور، هي عضوة في مجلس شيوخ بلادها، كولومبيا، أمضت سنوات من حياتها في فرنسا ثم عادت الى موطنها لتقود «معركتها» ضد مجموعات تجار المخدرات والمافيات. الكتاب يحكي قصة نضال هذه المرأة. تبدأ الحكاية ذات يوم من شهر ديسمبر 1996، وفي خضم النقاش اثناء احدى جلسات البرلمان التي كانت المؤلفة تشارك بها بوصفها نائبة فيه، جاء رجل وألحّ بطلب مقابلتها. وافقت على ذلك ولبضع دقائق فقط.. لكنها كانت كافية لابلاغها رسالة جاء فيها: «عليك ان تفهمي بانك في خطر واسرتك في خطر. انني اتحدث اليك باسم اولئك الذين وقعوا عقداً من اجل التخلص منك انهم ينصحونك بالرحيل فالقرار قد تم اتخاذه». لقد فهمت بانها قد تجاوزت «الخط الاحمر».. وان زمن التهديدات «الشفهية» قد انتهى لتبدأ فترة اخرى والتهديد بـ «التصفية الجسدية». وكانت هناك اسئلة كثيرة، اذ كيف وصل ذلك الرجل الى مكتب النائبة دون ان يسأله أحد من هويته بينما من المفروض ان لا يصل احد الى داخله الا بدعوة من احد النواب والا بعد التعرف على هويته بدقة. ولكن لمن الشكوى؟. هل للشرطة؟ لكن الشرطة تعمل لحساب الحكومة التي تريد اسكات صوتي. وخاصة رئيس الدولة ارنستو سامبير فأنا كنت الوحيدة التي تحدثت عن فساده علنا تقول مؤلفة هذا الكتاب، وحيث تؤكد بانها عاشت لحظات مرعبة في مواجهة «كابوس» امكانية الحاق الاذى بابنها «لورنزو» ابن السابعة وبابنتها «ميلاني» البالغة الحادية عشرة من العمر، وقد كانت هي وولداها اهدافاً سهلة اذ لم يكونوا يتمتعون بأية حماية حقيقية. كان الحل الوحيد المطروح هو ترحيل الطفلين الى «نيوزيلاند» حيث يعمل ابوهما بعد ان انفصلا عن والدتهما، وهو دبلوماسي فرنسي. لقد انفصلا ولكنهما احتفظا بعد مرور صدمة الانفصال بصداقة واحترام حقيقيين. هكذا ذهب صباح اليوم التالي، بعد التهديد بالقتل، الطفلان وامهما وخوان كارلوس، الرجل الذي يقاسم الام حياتها بعد الانفصال عن زوجها، الى «اوكلاند» عاصمة نيوزيلاند. لم يعرف احد بذهابهم وحتى والدة ووالد «انجريد». ان المؤلفة تعود بقارئها، مرات في هذا الكتاب، الى «لقطات» من حياتها الماضية وحيث «يعرف» بان اباها كان وزيراً للتربية في كولومبيا وكاد يصبح ذات مرة رئيسا للجمهورية. وكانت والدتها «ملكة جمال» لبلادها قبل ان تصبح مناضلة معروفة من اجل حماية الطفولة وحيث اسست «المعهد الخيري الاجتماعي» ثم كان سفر الاسرة كلها للاقامة في باريس حيث كان يتواجد شاعر شيلي الكبير بابلو نيرودا الذي اصبح صديقاً حميماً وحيث تقول المؤلفة عن ذكرياتها لتلك الفترة: «هناك القليل من البالغين يعرفون كيف يجدون الكلمات الصحيحة كي يشاركوا الاطفال في انفعالاتهم. وكان بابلو نيرودا يعرف ذلك». وذات يوم وبعد ان كان «نيرودا»، قد نال جائزة نوبل للآداب قالت له الطفلة هل تعرف انني ايضاً اكتب الشعر فاردف نيرودا اصحيح هذا؟ حسناً فلنتبادل الشعر، اتوافقين؟ في المرة المقبلة تلقين علي اشعارك وانا القي عليك اشعاري». هكذا كانا يتبادلان كل مرة افضل انتاجهما.. وحيث لاتزال المؤلفة تحتفظ حتى اليوم بجملة كتبها لها بابلو نيرودا وجاء فيها: «انجريد، انني اترك له وردة» عمّك: بابلو نيرودا». لكن عقد الاسرة ينكسر وينفصل ابوها عن امها، لان مشروعيهما في الحياة افترقا. لقد عملت الام فيما بعد موظفة في السفارة الكولومبية في باريس حيث تزورها ابنتها «انجريد» ـ المؤلفة ـ بعد سنوات لتجدها محاطة بعدد من الاصدقاء من بينهم الروائي الكولومبي الشهير «جابرييل جارسيا ماركيز» وزوجته «مرسيدس». وقد انجزت «انجريد» دراساتها في العلوم السياسية بجامعة السوربون قبل ان تقرر العودة نهائياً الى «بوجوتا» العاصمة الكولومبية في عام 1990. وبعد ان كانت قد قررت الانفصال عن زوجها الفرنسي «فابريس بيتانكور». كان نداء كولومبيا أقوى من كل الروابط الاخرى. تقول: «لقد انفصلت عن فابريس وحزمت حقائبي وطرت وحيدة الى بوجوتا. كنت اعرف جيدا الالام التي تنتظرني، الابتعاد عن اطفالي وألم الاحساس بالاخفاق في انقاذ اسرتي الصغيرة، كما كان قد حصل لأمي قبل خمس عشرة سنة، لكن كانت لدي القناعة بان هذا هو الثمن الذي علي ان ادفعه كي اجد مكاناً بين اهلي. وبعد ان استقرت في بوجوتا قررت خوض المعركة الانتخابية للفوز في مقعد بالبرلمان. كانت ترى بانه ينبغي تغيير الامور عبر الهجوم على رأس الفساد. هكذا اصبحت نائبة وهي في منتصف الثلاثينيات من العمر. انها لم تخطيء معركتها.. فهي تريد ان تحارب الفساد بكل اشكاله ودفاعاً عن الديمقراطية والليبرالية.. وذلك في مواجهة المافيات ذات «الكلمة العالية» في البلاد والتأكيد على ضرورة احترام مباديء المنظومة الاخلاقية التي ينبغي ان تحدد سلوكيات رجال السياسة. لقد اصبحت «رمزاً لمحاربة الفساد» في كولومبيا. في عام 1994 وبعد شهرين فقط من انتخاب «انجريد بيتانكور» نائبة في البرلمان الكولومبي، ثم انتخاب «ارنستو سامبير» رئيساً للجمهورية. ولقد تبيّن بان اموال المخدرات ساهمت كثيراً في حملته الانتخابية وحيث تم بث شريط مصور يدل على علاقته بأكبر المجموعات المافيوزية الكولومبية. سرت تساؤلات كثيرة حول حقيقة هذا الشريط.. ولكن ما بدا ثابتاً هو تشابك العلاقة بين رجال السياسة واصحاب «كارتل» المخدرات، ان مؤلفة هذا الكتاب تتقصى تحديداً حول آليات هذه العلاقة وتشابكاتها في كولومبيا. والصفحات الاخيرة تستحق بجدارة ان تنتمي الى صنف الروايات البوليسية التي تشد الانفاس. ان وصف عملية اللقاء بين النائبة ـ المؤلفة واثنين من زملائها مع الاخوة «رودريجيز» من كبار عرّابي مافيا المخدرات في كولومبيا يبدو، اي الوصف، وكأنه احد مشاهد «جيمس بوند» بالسيارة ذات الزجاج المعتم والبيت المهجور والغرفة الفارغة الا من طاولة حولها ست كراسي والانتظار لساعات طويلة. كتاب عن ملحمة نضال امرأة ضد المافيات العملاقة في بلادها.. كولومبيا. وعلى غلاف هذا الكتاب اختارت المؤلفة ابياتاً من الشعر لبابلو نيرودا يقول فيها «أكثر من الغضب... واكثر من الاحتقار... واكثر من النحيب»