بيان الكتب: الدكتور احمد العراقي احد اهم الباحثين في المغرب العربي، واستاذ الادب بكلية العلوم الانسانية ظهر المهراز فاس، وله عدة ابحاث ودراسات عن الادب العربي بشكل عام، ودراسته الموسومة «الادب المغربي من خلال تواصلاته» هي احدث اصدار له، الا انها جاءت محددة اقليميا بمنطقة المغرب العربي، واجد ان هذا التحديد ضرورة لابد من تكرارها للتعريف بصروحنا الادبية في بلاد المغاربة من هذا الوطن ـ وقد جاء هذا التخصص وفق رؤية الكاتب ووعيه وتخطيطه . ان هذه الابحاث فيما رامته قد اختارت توجها اقليميا يدخلها في سياق ما نتوخاه، وتوخاه قبلنا بعض اشياخنا من رواد الدرس الادبي المغربي في رحاب الجامعة المغربية وخارجها من سعي لاقامة صرح تاريخ الادب العربي في المغرب، ورسم معالم ما لابس مسيرته من طوابع مميزة والوقوف على ظواهره وقضاياه، والتعرف بالادباء المغاربة وبنوع اسهاماتهم المختلفة في مجالات الابداع والفكر. ان هذا الكتاب يمتلك مشروعية الاهمية من خلال طروحاته المتعددة في العلاقات المختلفة في الادب العربي بشقيه المشرقي والمغربي والأثر المشترك والمتداخل بينهما لما كان لهما من اهمية في التأثر باداب الشعوب التي نشر فيها الدين الاسلامي واثرت ثقافتها وحضارتها في تكوين الحضارة العربية الاسلامية، ومن ثم ادبنا العربي الذي مازال يحتل مساحة واسعة بين الاداب العالمية الحية. نقرأ في بداية البحث عن التأثير الاندلسي في الشعر المغربي زمان العلويين من خلال فن المعارضات، وقد اقتصر البحث على واحد من اهم شعراء تلك الفترة «حمدون بن الحاج» (1232 هـ ـ 1817م) والمعارضة كما يشرحها الدكتور العراقي (هي ان ينظم شاعر قصيدة او مقطوعة يحتذي فيها نصا لشاعر آخر ينسج على منواله)، لذا نجد الباحث يستعرض هذه المعارضات. فقد عارض شاعرنا نونية ابن زيدون: اضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا وعارض رائية ابن عمار: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى والنجم قد صرف العنان عن السرى وعارض ابن سهل، وابي البقاء الرندي، ورائية ابن الخطيب في مدح ابي سالم المديني، وموشح ابن زمرك، اضافة الى معارضات اخرى كان من بينها معارضته بثلاث قصائد للقصيدة الغرامية في مصطلح الحديث لابن فرح الاشبيلي والتي مطلعها: غرامي صحيح والرجا فيك معضل وحزني ودمعي مطلق ومسلسل وعارضها شاعرنا بثلاث قصائد مطلع اولاها: حديث الهوى مني صحيح ومسلسل وقلبي موقوف على الوجد معضل ثم يبدأ الدكتور العراقي في تقديم تحليل نقدي مقارن لهذه المعارضات واثر هذه المعارضات، وتصنيعها، وحضورها امام النص الاصيل، وموقف الشعر من القصائد التي عارضها، ومحاولته اثبات ذاته على طريقة الشعراء المقاربة. ثم ينتقل بنا الدكتور احمد العراقي الى التأثير المشرقي في الشعر المغربي زمان العلويين من خلال فن المعارضات، وهو ايضا يتمثل بشعر حمدون بن الحاج، ويتخذه انموذجا لدراسته، ويبدأ العراقي دراسته بالعلاقة الجدلية بين المشرق والمغرب، روحا، وابداعا، وفكرا، وثقافة، ومصيرا (قد يكون من نافلة القول التذكير بان المثقفين المغاربة علي مر العصور الادبية ببلادهم كانوا شديدي التعلق بالمشرق فهو مهد ثقافتهم العربية الاسلامية، ومنبع لغتهم العربية، والمصدر الاول لآدابهم، فهم يتطلعون باستمرار الى كل ما يعتمل في ساحاته الفكرية والادبية، والى ما يظهر من رجالاته، والى ما يسبقون اليه في مجالات الفكر والابداع) ويؤكد في دراسته على وحدة الفكر والابداع مع وجود النهكات الخاصة التي تميز هذه الحركة او تلك . وبعد التوسع في مدى التأثير وحجمه واثره يعود الى شاعرنا الانموذج حمدون لنكتشف معا المعارضات التي ابدعها للعديد من امهات القصائد العربية مثل نونية ابن كلثوم المعلقة والتي مطلعها: الا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الاندرينا وكذلك سينية ابي الطيب المتنبي والتي مطلعها: هذي برزت لنا فهجت رسيسا ثم انثنيت وما شقيت نسيسا ثم تقرأ الكثير من المعارضات مثل (بديعية الحلي، وبديعية الحموي، ولامية عمر بن الوردي، والمنخل بن عامر اليشكري، وبردة كعب بن زهير، ولامية العجم للطغرائي) ثم يواصل الباحث العراقي دراسته بالتحليل والمراجعة والدلالات والاشارات التي وردت في هذه المعارضات، واثر ذلك في الشعر العربي عموما. وينتقل الدكتور احمد العراقي الى صدى بعض الاحداث الكبرى بالجزائر في الشعر المغربي خلال عهد السلطان العلوي المولى سليمان ـ وقد حدد حقبة محددة من الزمن هي مابين 1206هـ الى 1238 ه، وخلال هذه الفترة شهدت الجزائر العديد من الاحداث الكبرى، وانتهت بسقوط الدولة العثمانية التي كانت تسيطر على الجزائر، ومن ثم دخول الفرنسيين واحتلال الجزائر (وقد تعددت احداث التمرد والثورة، وتزعمها في الغالب مشايخ الطرق الصوفية وفقراؤها، وبخاصة المنتسبون منهم للطريقة الدرقاوية الوافدة الى الجزائر من المغرب) ثم يركز على حدثين هامين اثرا في الشعر هما ثوره درقاوة بغرب الجزائر، وانشقاق احد البايات في المنطقة نفسها على الحكم التركي المركزي وميله الى السلطان المغربي ومبايعته اضافة الى وصفه الحالة السياسية والامنية العامة، ثم ينتقل الباحث الى حمدوث بن الحاج ويقدم دراسة وافية عن شعره وتأثره بالمشرق على ان ينتقل الى احداث اخرى اثرت بشكل مباشر على الادب المغاربي. ومن اعنف الاحداث قنبلة الموانيء الجزائرية ما كانت تعرضت له مدينة الجزائر، وميناؤها في السابع والعشرين من سنة 1816. من قبل الاسطولين الانجليزي بقيادة اللورد اكسموت والهولندي بقيادة فون كابلين، لقد كان قذف هذه المدينة مدمرا اتى على عدد كبير من الارواح وألحق بها خسائر فادحة، وقد انعكست هذه الاحداث كما يحقق الباحث العراقي على الشعر، وظهرت موجة من القصائد ارخت هذه الاحداث ووصفتها وادانت المعتدين. احقا ما اشيع عن الجزائر من ارهاب البواطن والظواهر لئن نزل الهوان بها وذلت فقد شمل البوادي والحواضر وكيف يلذ في بلد مقام اذا هان الهوان على الاكابر ونسافر مع الدكتور العراقي لنطلع على تاريخ التواصل الثقافي بين الاقطار المغربية، وهي حركة واسعة لتبادل العلماء والادباء وهجرتهم من قطر الى آخر واقامتهم في مدن ورحيلهم، واثر هذه الهجرات على الثقافة والتواصل الثقافي، كما نقرأ عن اسباب ودوافع هذه الهجرات، والمدونات التي تبحث عن هذه الرحلات، ثم ينتقل الباحث الى استعراض اهم العلماء الذين هاجروا مابين دول المغرب العربي، مثلما تطلع على جانب من حياتهم، وحكايات عديدة عن هذه الاشعار والرحلات. ونصل الى مساق الكتاب الاخير، لنطلع على اسهام الرحالة العلماء المغاربة في النشاط العلمي بالحرمين الشريفين خلال القرنين الهجريين الحادي والثاني عشر، وهي علامة من علامات التاريخ في المغرب وجزء من التواصل الذي جمع المشرق والمغرب، ونتج عن ذلك مدونات عديدة ابرزت هذه العلاقات، مثلما ابرزت اهم الاجتهادات، ونقلت بعض مميزاتها، غير ان الباحث يجد ان يركز على نموذجين من هذه الرحلات ويجعلهما ممثلين لغيرهما (الاول رحلة ابي سالم العياشي، والثاني، رحلة احمد بن ناصر الدرعي) ومن خلال التركيز على هذين النموذجين يتسنى لنا الاطلاع على الحياة العامة في الجزيرة آنذاك وما أخذه هؤلاء العلماء كما نطلع على ما اعطوه من علم ومعرفة (وقد جاءت هذه الرحلة (رحلة ابو سالم بن محمد العياشي) سجلا لما تحقق لصاحبها في ميدان السجاع والرؤية وتحصيل الاسانيد العالية، ولما كان له من اتصالات مع اشياخ العلم الذين عرف بهم وبما اخذه عنهم وبآثارهم حتى صارت بذلك على حد تعبير احد الباحثين اعظم رحلات اهل المغرب العلمية. ان هذا الكتاب يطرح نفسه في المكتبة العربية ليؤكد اهميته في سد فراغ كبير تعاني منه المكتبة العربية المعاصرة، ويكشف عن الكثير من الحقائق والتواصل والترابط بين مختلف الساحات الثقافية العربية. عبدالاله عبد القادر