بيان الكتب: جوناثان جلوفر، مؤلف هذا الكتاب هو مدير مركز القوانين الطبية والمسائل الاخلاقية في المعهد الملكي البريطاني بلندن. «انسانية» كتاب يتعرض لتاريخ القرن الماضي «العشرين» ولكن من زاوية محددة هي زاوية القطاعات التي عرضها هذا القرن والتي لم تكن الحربان الكونيتان 1914 ـ1918 و1939 ـ 1945 أقلها فظاعة اذ ذهب ضحيتها ملايين البشر. ولا يتوقف المؤلف عند دراسة الاحداث الكبرى التي شهدها القرن العشرون من حيث الاسباب السياسية والاستراتيجية والاقتصادية التي دعت لها وانما وخاصة، من زاوية الدوافع النفسية «الانسانية»، كما جاء في عنوان الكتاب، التي كانت وراء ارتكاب المجازر والفظاعات التي تتنافى مع المشاعر الانسانية ذاتها. اذ هل فكر الامريكيون، مثلا قليلا بالبشر من المدنيين الذين لم تكن لهم أية مساهمة مباشرة بالحرب العالمية الثانية، وذلك عند قصف الطائرات الامريكية بالقنابل النووية مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين في مطلع شهر اغسطس من عام 1945؟! و النمط نفسه من الاسئلة يمكن طرحه حيال احداث ووقائع وممارسات اخرى كانت بعيدة تماما عن أي بعد انساني.. ومن بين الاكثر قربا تلك المذابح التي شهدتها رواندة وبروندي في منطقة البحيرات الكبرى الافريقية عام 1994 وذهب ضحيتها ما يقارب المليون نسمة.. وبعيدا عن النزاع القبلي بين «الهوتو» و«التوتسي» أي بين القبيلتين المسيطرتين في المنطقة، كان هناك قسوة في التنفيذ هي أحرى بأن تكون صادرة عن الوحوش وليس عن بني البشر. ان المؤلف يسوق ايضا العديد من الامثلة الاخرى في يوغسلافيا «السابقة» على يد الصربيين خاصة، وفي كمبوديا، كما فعلت الميليشيات المعروفة باسم «الخمير الحمر» وفي المانيا النازية وعبر معسكرات الاعتقال الستالينية.. وامثلة اخرى كثيرة. ومن خلال البحث والتحليل يجدد المؤلف عددا من النقاط المشتركة في «سيكولوجية» اولئك الذين كانوا وراء تلك المجازر: ويرى في الوقت نفسه بان الوسيلة الاكثر فعالية من اجل تجنبها تكمن في تطوير مخيلة سياسية وشخصية تعتمد على عدد من المبادئ الاخلاقية التي يمكن تثبيتها عبر مجموعة من الآليات التي يمكن ان تؤدي الى تحوّل عميق في الذهنيات بحيث يمكن للبشر ان يمتلكوا ادوات مقاومة الذهاب باتجاه ارتكاب المجازر والفظاعات. ولا يكتفي «جوناثان جلوفر» بالبحث عن محاولة فهم الدوافع وراء ما عرفته البشرية من مجازر واعمال عنف ـ وهي كثيرة ـ طيلة القرن الماضي «العشرين» وايضا محاولة رسم الملامح النفسية للاشخاص الذين كانوا وراءها. وانما يذهب ابعد من ذلك عندما يحاول تحديد الادوات والسبل التي يمكن ان تؤدي الى عدم تكرار ذلك في المستقبل. ويرى في هذا السياق بأن تعزيز مبادئ حقوق الانسان وجعلها مكونا اساسيا من الثقافة السياسية للبشر وليس مجرد اطروحات نظرية «بلاغية» يتم استخدامها عندما تقتضي المصلحة وبعيدا عن أي تفكير حقيقي بالبعد الانساني الذي يفترض ان يكون الدافع الوحيد وراء احترامها. كذلك لا يناقش مؤلف هذا الكتاب «عدالة» الحروب او المشاريع الاجتماعية الكامنة وراء ممارسة العنف مثل حلم بناء مجتمع افضل والبناء على أسس جديدة بعد الانتهاء من البنى المتصدّعة، ذلك ان وراء كل عملية بناء عملية «هدم» أولا، كما تقول بعض الاطروحات «الطوباوية» على الأقل، لكن اذا كانت القضايا التي تقوم على أساسها بعض الحروب عادلة ـ كحروب التحرر الوطني مثلا ـ فان هذا لا يمنع واقع ارتكاب افظع الجرائم على قاعدة «العدل» واكثر منه على قاعدة «اليوتوبيا» ان عملية التوصيف التي يقدمها المؤلف لما ارتكبه الانسان ضد الانسان من جرائم تبدو احيانا شديدة القسوة وصعبة التحمل، لكنها لابد وان تحرك «الضمائر» في الوقت نفسه. «انسانية» هو في نهاية المطاف كتاب عن القرن العشرين بكل ما عرفه من مآس ومجازر وحروب وملايين الضحايا اغلبهم من المدنيين الابرياء. ولكن ربما كان بالامكان تجنبها كلها «بقليل من الانسانية» ويبدو احيانا ان مؤلف هذا الكتاب يحاول ان يجعل منه «دليلا» على غرار «كيف تتجنب الحروب؟».. ولعل الاجابة المختصرة المفيدة التي يمكن تقديمها في هذا السياق هي ان يكون الانسان «انسانا» وبحيث تحركه «انسانيته» في ممارساته وليس غريزة الوحوش الكاسرة.. لكن مثل هذا التبدل الجوهري في سلوكيات البشر قد يحتاج الى ملايين السنين. هناك حكاية قديمة عن صياد كان يذبح العصافير ويبكي شفقة عليها.. اشار البعض الى الرحمة في قلبه التي تعبر عنها الدموع في عينيه فقال الاخرون ولكن «انظروا ما تفعله يداه». وكم يقترف باسم «الانسانية من مجازر