بيان الكتب: بالرغم من الأهمية التي تمثلها هذه النوعية من الكتب في تحديث وتعقيل الوعي العربي العام، الا انها تظل غائبة، الا حد كبير، بين جمهور القراء، الذين لا يزالون ـ هم أيضا ـ فئة ضئيلة داخل القطاعات الواسعة من المتعلمين في منطقتنا. اذ يكفي ان تتابع واحدا من تلك الاستفتاءات السنوية، حول أهم الكتب ذيوعا لدى النخبة أو عامة القراء، لتلحظ انعداما، شبه تام، للكتب التي تدور حول العلم وفلسفته ومشكلاته. وذلك بالرغم من الحاجة الملحة لبلادنا في ردم الفجوة، التي تفصلها عن بلدان الشمال أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأقصى، في ميدان العلم وتطبيقاته. وتلك هي المفارقة، التي تعكس المدى الذي بلغته حالة النكبة العربية مع النهضة الحديثة! لذا تأتي أهمية هذا الكتاب، الذي خصصه مؤلفه للنظر في فلسفة العلم، التي هي، حسب تعريفه، حديث فلسفي حول معارف العلم ومناهجها. وبمعنى أوضح، فإن هذا النشاط المعرفي هو بحث عن كلية العلم، من حيث طبيعة مفهوماته الاساسية، مثل اطارة أو الطاقة أو الموجة أو تركيب الذرة.. الخ، بغية استكشاف الوحدات الاساسية، التي يمكن ان ينسج من خلالها هذا الكون. كما انها بحث في مصادر المعرفة العلمية واخلاقها وقيمها وتاريخها، ومايقترن بها من قدرات ابداعية وخيالية، بجانب تفسير طبيعة التطور الاجتماعي ازاء تطور النظريات العلمية، الذي يعكس الصبغة السائدة لمرحلة معينة من أوضاع المجتمع، الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالعلم، في نهاية المطاف، هو نشاط انساني يتجلى في نظام أو مؤسسة ثقافية، يتبادل التأثر والتأثير مع غيره من الأنظمة والمؤسسات، توطئة لتجلية الخطة التي يتطور العلم بمقتضاها، أو يتدهور على مر العصور واختلاف المجتمعات. ومن دون ذلك يتحول العلم في رأى المؤلف، الى نبت شيطاني أو كائن علوي، هوى الينا من السماء، مكتمل الاعضاء والتكوين، لا نعرف له ماضيا، ولا نتنبأ له بمستقبل! فبخلاف العلم القديم، الذي كان مختلطا بالكهانة والسحر والتنجيم، يأتي العلم الحديث، بثورات معرفية، لم تعهدها البشرية من قبل، الا انه يظل بحاجة الى فلسفة تتولى تحليل نتائجه، التي اصابت المذاهب الفلسفية الكبرى بالضمور. وبذلك اصبح الدور الجديد للفلسفة يقوم على التحليل المنطقي للفكر الانساني، في ضوء المعارف العلمية الحديثة. اذ ان تلك المعارف المتعددة في حاجة الى من يعقد الصلات والفجوات فيما بينها، بغية الفهم الكلي لها. كما ان العلوم التجريبية لا تعين الفرد على ماينبغي ان يتخذه من قرارات أو مواقف ازاء مشكلاته فإذا كان رجال العلم يبحثون وراء الافتراضات الأولية لظاهرة ما، فإن رجال فلسفة العلم يبحثونها كي يقيمون عليها بناء أكثر شموخا. فرجل العلم الذي لا يعي اعماق أسسه، الذي يبنى فوقها، لا يدري الى أي ارتفاع يمكن أن يعلوا ببنائه، وذلك مقارنة بالفيلسوف، الذي بوسعه ان يعرف أو يقدر الى أين ينبغي أن يواصل البناء. فالمواقف المتجددة لا تنتظر حتى يفرغ العلوم من مسائلها كي يتقدم لها الانسان بالحل، في حين يظل دور الفلسفة فاعلا في استشراف الأهداف البعيدة للإنسانية، ومحفزة على المساهمة في تحقيقها. ومع بزوغ اكتشافات جديدة تندثر مشكلات قديمة، وتنهض مشكلات جديدة. ومن هنا تتحدد مشروعية النظر الفلسفي، في ظل مايثار من اسئلة تعبر عن حاجات ومطالب فكرية تحث عليها أو تنتجها أوضاع ثقافية، مادية، روحية. ولذلك يظل كل من العلم والفلسفة يتبادلات النقد، ليقدم كليهما للآخر المادة المثيرة للخيال. فالتداخل والانفصال بينهما ضرورة لممارسة دورهما، والا انزلقا الى لاهوت عصري، في حالة المزج بينهما، فيدفع بهما الى الاخفاق المشترك! ذلك مايحذر منه المؤلف في الفصل الأول المطور من هذا الكتاب، ليتطرق في الفصول الأربعة التالية للحديث عن دلالات العلم المتعددة، مثل البحث والتطبيق، موضحا ضرورة التمييز بين الاكتشاف والاختراع، حيث أن العلم بحث نظري بالأساس، بينما تقوم بواعث التطبيق أو التكنولوجيا من خارج العلم، استنادا الى ان الكلمة الحاسمة في تصميم المعدات وتوجيه استخدامها لا تصدر عن العلماء في معظم الاحيان! ولذلك يدعو المؤلف ايضا الى النظر الى العلم كمعرفة تقوم على مزيد من العمليات الاجراءات المتواصلة، مقارنة بالنظرة الاستاتيكية، والتي تمد الفراسة الى المعرفة العلمية الراهنة. وفي هذا الاطار يشير المؤلف الى ان الادراك الشائع أو الحس المشترك، الذي يسود في مجتمع ما، هو خليط بين مايسميه العلم واللاعلم وغير العلم، حيث تندرج الايديولوجية والفلسفة والفن ضمن غير العلم، لعدم اتفاقها مع اهداف العلم ومنهجه، بينما تندرج الاسطورة والفراسة والسحر.. الخ في طائفة اللا علم، لأن طريقتنا في فهم الطبيعة، تخالف المنهج العلمي الحديث. بينما يسلك العلم الحديث طريق فهم واستيعاب الرابطة بين الخبرات الحسية في شمولها، وذلك باستخدام الحد الأدنى من المفهومات والعلاقات الأولية. بيد أن مايراكمه العلم الحديث من معرفة لا يعوق مسيرته، كما جرى لعلوم العصور الوسطى، بسبب مايتمتع به العلم الراهن من مسلك ثوري، تمثل سمته التقدمية، بعد أن استطاع أن يقهر خمس عقبات اساسية في طريقه هي التجربة، التعميم، التفسير، اللفظي، تفسير الخصائص، النزعة الاحيائية المشبهة على العلوم الفيزيائية. فالروح العلمية الحقة، كما يقول المؤلف، تتميز بالقدرة على الاحساس بالمشكلة، فكل معرفة بالنسبة لها اجابة عن سؤال. واذا لم يكن ثمة سؤال فلن تكن المعرفة العلمية ممكنة. اذ أن البحث عن الحقيقة، على طريق المعرفة العلمية، يتخذ البحث عن الأمان، لأن العلم هو الذي يمكن أن يبث في النفس الطمأنينة وراحة البال، بدلا من أن يوجس البشر خفية من الطبيعة، التي تصبح كوارثها من دون العلم عقابا تصبه قوى الانتقام على البشر الواجفين، على حد تعبير المؤلف. بيد أن المؤلف يرى أن تحميل العلم تبعه تطبيقه سواء في البناء أو التدمير قد أفضى الى العجز عن فهم العلم، بوصفه فاعلية انسانية ينشئها الانسان، ومن ثم الى اغتراب العلم ونزعه عن أصوله الحقيقية، ليصير كائنا مستقلا عن الانسان، الذي هو خالقه ومبدعه! ولذلك يعتقد المؤلف ان عقد الصلة المباشرة بين البحث العلمي وبين تحقيق قيمه والتزاماته في المجتمع الانساني لن تتحقق دون الاعتراف بالسلطة الاجتماعية للعلم، وذلك عبر تطوير العلوم الانسانية أو الاجتماعية، التي بمقتضاها يمكن ان نعرف أسلوب تطور المجتمع، وان نكون على وعي علمي بالمصالح، والفئات والتيارات والعلاقات، التي تعين على تطور المجتمع أو تعوق تقدمه. أي أن خلق لغة مشتركة بين العلم والإنسانيات وسائر جوانب الثقافة من دين وفن وفلسفة، هو الطريق الى التكامل بين مختلف الفاعليات الإنسانية، وفي قلبها فاعلية العلم، بحسب رأي المؤلف وذلك لأن المؤلف يعتقد أن العلم ليس مجرد وسيلة خارج الغايات المستهدفة، نظرا لما يتضمنه العلم من غايات وقيم، يمكن ان تمتد وتؤثر خارج منطقة نفوذه المحدودة. ويعزو المؤلف السر في سوء تقدير قيم العلم، والعجز عن الالتزام بها - كما يقول - الى أن العلم مازال يعمل في نطاق ثقافة متخلفة عنه، وسابقة على تقدمه. لذا يشدد المؤلف على تطوير مايسميه العلم الاجتماعي الذي يمنحنا الوعي بالتيارات الخفية، التي تصادر العلم لحسابها، وتشوه وجهه الإنساني. لأنه متى عرفنا تطور الإنسان والمجتمع فبمقدورنا ان نعبئ له كل فاعلياتنا، ومنها العلم الطبيعي. وبذلك تغزو تطبيقات العلم التكنولوجيا موضوعا لدراسة العلوم الاجتماعية، حيث تنكشف صلتها بأهداف الانسان، ولا تعود طقوسا تمارس في الخفاء، دون أن نعرف الاهداف والاهواء التي تخدمها ومن ثم تستهدف العلوم الاجتماعية مخاطر التطبيق، كما يمكنها أن تهيئ له السبيل على أسس من التخطيط العلمي الشامل. واستنادا الى ذلك فقط يمكن للعلم - كما يرى المؤلف - أن يتخذ مكانته الأصيلة من الثقافة، وينساب التزامه في مجراه المتجه الى تحقيق غاية الفاعلية الانسانية. وعندئذ لن يظل التوجس من العلم، أو من تقديسه، على السواء، مسوغا مشروعا، مادام قد تيسر لوعينا استرداده لعالم الإنسان. فكري عبدالمطلب