بيان الكتب في توقيت شديد الأهمية لمعرفة كل ماهو أمريكي ـ صدر كتاب الكونجرس الأمريكي ـ المؤسسة المنسية عربيا كخطوة على طريق طويل في حقل الدراسات الأمريكية المكتوبة بالعربية من جهة معرفية ـ وكبداية للالتفات لتلك المؤسسة التي تضيع العالم والتي نحن أول المتضررين منها على أصعدة سياسية. الكتاب ـ عكس مايتوقع القارئ ـ ليس سجالا ايدلوجيا ضد الأمريكانية ـ ولا عروجا على التيمة الكلاسيكية وهي سيطرة اللوبي اليهودي®. بل هو يكاد لا يحتوي في طياته حكما قيميا أو وصفيا واحدا للواقعة الأمريكية ليس لأن صاحبته د.منار الشوربجي ليست ممن يرون أمريكا من تلسكوب ـ الأمبريالية أو الشيطان الاعظم أو روما 2000 أو الاحتكارات ®. بل لأن الكتاب هو رسالة علمية رصينة اهتمت فيها الباحثة بالمعلومة ومنهج بحثها والاستخلاص منها والتدقيق فيها ـ موضوعها ـ الاداء السياسي الأمريكي. اختارت الباحثة أن تدرس الكونجرس لأنها ترى أننا ركزنا كثيرا على المنتج السياسي الأمريكي دون أن نتلفت الى آلية تصنيعه ـ بلغة البحث ركزنا على المخرجات وليس على المدخلات و المسارات، واختارت موضوعي حالة Cases هما قضية الرعاية الصحية وقضية مكافحة الجريمة ترصد عبرهما ـ كيفية اتخاذ القرار في الكونجرس ـ ومجموعات الضغط ـ والتداخلات السياسية وذلك في دورة كونجرس متصلة هو الكونجرس 103. في تفسيرها لاختيار هاتين الحالتين تستند د.منار الشوربجي الى عدد من الاعتبارات ـ اهمها أن هاتين القضيتين مازالتا تتصدران الأولوية عند الرأي العام الأمريكي ـ وان احدى هاتين الحالتين تم اقرار مشروع قانون حول مكافحة الجريمة والثاني فشل الكونجرس في تمريره مشروع قانون الرعاية الصحية ـ وان الحالتين نموذج مثالي لاختبار الأطروحات المختلفة المتعلقة بجماعات الضغط ـ كما ان الحالتين مناسبتين لبنيات قضية التوازن بين سلطة الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. ويرجع اختيار الكونجرس 103 عند الباحثة الى أنه كان آخر حلقة من حلقات سيطرة الحزب الديموقراطي على الكونجرس وانه الوحيد منذ نهاية السبعينيات الذي انتمت فيه الأغلبية الى نفس حزب الرئيس ـ بما يسهل درجة تحت تصنيف الحكومة غير المنقسمة والتي درجت الأدبيات على توقع غالبية فاعلية أكبر لها. ينقسم الكتاب الى ستة فصول الأول يركز على المدارس المعنية بدراسة الكونجرس ـ والثاني عن عموم العوامل المؤسسة والثالث عن الكونجرس 103 ذاته والرابع والخامس عن مشروعي مكافحة الجريمة والرعاية الصحية والاخير عن نتائج الدراسة. فيما يتعلق بالمدارس المعنية بدراسة الكونجرس فتبدأ الباحثة بالمدرسة التوزيعية Distributive Theory والتي تركز على مسألة التمثيل السياسي من حيث يأخذ شكل المندوب Delegate أم الوصي - Trustee وتميل الى الرأي الغالب في الفهم السياسي الأمريكي الآن أن العضو يأخذ شكل المندوب بمعنى انه يمثل دائرته وليس عموم الأمة بمعنى انه يعبر عن المصالح المباشرة للدائرة وليس المصلحة العامة للبلاد ـ ويتبع اقرار هذا المفهوم ـ اقرار اخر منطقي يتعلق بالرابطة الانتخابية Electoral Connection عن علاقة العضو بالدائرة وسلوكه وأولوية اعادة انتخاب في تفكيره، في عبارة أخرى فإن الكونجرس طبقا للمدرسة التوزيعية ـ مجموعة من الأفراد أتوا الى واشنطن وكل منهم يحمل معه تفاصيل وتفصيلات دائرته التي تتقاطع بالفعل مع مصالح دوائر أخرى ـ ومن ثم فعليه أن يعقد مفاوضات ومساومات Logroling . للوصول لاتفاقات ومن ثم ينشأ الأساس التوزيعي. أما المدرسة المؤسسية الجديدة New institutionalism فترى الباحثة أن نشوءها ارتبط برؤية البعض أن تطورات البنيات السياسية مثل حركة الحقوق المدنية وحركة مناهضة حرب فيتنام أحدثت تغيرات في المجتمع الأمريكي أصبح فيها الترتيب المؤسسي للكونجرس ـ أو مايسمى حكم اللجان لا يعبر عن هذه التطورات ومن ثم كانت المؤسسية الجديدة ـ وتوجد الباحثة الجذور الأولى للتحولات في الجماعات الديموقراطية للدراسات Democratic study group والتي انشأها النواب الليبراليون داخل الكونجرس 1959 ـ كما ترصد كفرع المؤسسية الجديدة الى ثلاثة تيارات ـ الخيار الرشيد - Rational Chice والرشادة المقيدة Bounded Rationality والانغماس الثقافي Social Embeddedness كذلك تتابع الجدل الفكري داخل المؤسسة الجديدة ـ وترصد ظاهرتين مهمتين هما ضعف دور الأحزاب السياسية و محورية وسيادة حكم اللجان وتنتهي الى ضرورة تصميم نموذج نظري خاص بالدراسة يشمل جوانب اغفلتها النظريات مثل موقع مجلس الشيوخ المختلف جوهريا عن مجلس النواب والقادم تاريخيا أملا لحماية حقوق الأقلية وصاحب الاجراءات التقويتية المختلفة كما يشمل دراسة حزب الاقلية وكذلك جماعات المصالح التشريعية وهي شيء اخر غير جماعات المصالح ـ اذ تقصد بها هنا المشرعين أنفسهم ويشمل أيضا دور الجهاز الفني وهو أيضا شيء غير الهيئات المساعدة مثل مكتب المحاسبة العامة ويشمل حالة قتل المشروع - Kill The bill وهو أيضا أمر غير تأخير المشروع أو تجميده بل السعي لقتله بالمعنى النهائي . في الفصل الثاني ترصد الباحثة دور العوامل المؤسسية في الكونجرس وهي عوامل منصوص عليها دستوريا كالهيكل الدستوري والهياكل الدائمة مثل اللجان الدائمة والاحزاب التشريعية والجهاز الفني والهيئات المساعدة، وعوامل غير رسمية مثل جماعات المصالح والتقاليد والتفاعلات بين الكونجرس والرئاسة. وتلقي الباحثة الضوء على نقطة في غاية الاهمية وهي فلسفة نشوء مجلسين ـ شيوخ ونواب في الولايات المتحدة ـ اذ تشير الى أن وراء ذلك صيغة توفيقية بين مطالب الولايات الكبيرة والولايات الصغيرة سكانيا والتي انضمت الى الاتحاد الفيدرالي حيث أن التمثيل النسبي على اساس عدد السكان سيضر بمصالحها. كذلك تعطي الباحثة مساحة واسعة لوضعية اللجان الدائمة لاهميتها البعض اثناء الحرب الباردة كان يساوي بين دكتاتورية اللجان ـ ودكتاتورية البروليتاريا !! كما تعطي اهتماما خاصا للتفاعلات المؤسسية الخاصة بين الرئيس والكونجرس ـ وهي نقطة حقيقية عانت من تبسيطات مخلة في الكتابات العربية عن امريكا من حيث تبسيطها اما من نافذة الانبهار أو الهجوم . في الفصل الثالث ـ يستعرض الكتاب الكونجرس 103 ـ والذي جاء بانتخابات 1992 في ظل مزاج شعبي اتسم بالغضب بعد سلسلة فضائح مالية وشخصية تورطت فيها النخبة الأمريكية ـ وفي ظل انتخابات رئاسية اسفرت عن هزيمة بوش الأب ـ حيث صوت ضده 57% من الأمريكيين بينما فاز كلينتون بـ 43%. ميزت دورة الكونجرس 103 جملة اعتبارات ـ اهمها الاتيان بمئة وعشرة اعضاء جدد وفوز الديموقراطيين بالاغلبية في المجلسين، أما على المستوى الداخلي الحزبي فقد قلصت ائتلاف المحافظين والذي يضم يمين الحزب الديمقراطي ويسار الحزب الجمهوري ويلعب دورا هاما منذ الثلاثينيات وشهدت هذه الحقبة صعود نجم الجمهوري نيوت جينجرتش ليضع قضاء خاصا للحزب. تعرج الباحثة الى قضية الجريمة في الولايات المتحدة وتعقيداتها واسبابها مثلا أحد التعقيدات هل هي ومكافحتها وعقابها قضية ولائية أم فيدرالية ـ وترصد أن البعض يرى ان الثقافة الأمريكية تشكل خلفية لها بل أن الدستور نفسه يدعم ذلك. تنتهي الباحثة في كتابها الى انها عبر الدراسة توصلت الى انه فيما يتعلق باللجان والاحزاب السياسية فانه لا يمكن القول بأن أحد هذين العنصرين يكون الأكثر تفسيرا للعملية التشريعية دون آخر ففي مشروع الرعاية الصحية ـ اتسم دور الزعامة الحزبية بالضعف بينما لعبت الزعامة الحزبية دوراً اهم في بناء ائتلاف مشروع الجريمة كما توصلت الى أن دورة حياة كل كونجرس هي جزء من سلسلة متصلة ذاكرة الكونجرس وان غياب عنصر التفاعل بين المجلسين من تحليل العملية التشريعية يؤدي لنتائج غير دقيقة. كذلك تختم الباحثة دراستها بقولها انها خالفت النمط العربي التقليدي في تناول سياسات الولايات المتحدة والذي اهتم بالخارجي على حساب الداخلي وبالرئاسة على حساب الكونجرس وركز على جماعات المصالح وتحديدا اللوبي اليهودي. وترى أن هذا المنهج قاصر في اختراق الحالة الأمريكية ـ لخصوصية النظام السياسي الامريكي ولطبيعة الاحزاب الامريكية ولطبيعة النظام الانتخابي الأمريكي ولاختلاف مصدر شرعية الرئاسة والكونجرس. ونحن بالطبع لا نختلف مع الباحثة في هذه النقاط ـ لكننا ايضا نتصور ان الكتاب الرسالة؟ بدا أقرب الى كونه جزءا من أبحاث أو دراسات أمريكية وليس جزءا من المكتبة العربية للدراسات الأمريكية بما يتضمن ذلك من تسخير البحث لدراسة الحالة بينما كان قارئه العربي يحلم بتسخير ـ دراسة الحالة لمعرفة أوسع فضاء وتفاعل ممكن لجماعات الضغط ليس فقط اللوبي اليهودي كما اشارت د.منار الشوربجي وانما لوبي التبغ مثلا ـ اللوبي الذي يضغط ضد كيوتو مثلا وغير ذلك ـ وبما يتضمن ذلك ايضا ـ ان ذاكرة العربي على ذكر ذاكرة الكونجرس ما زالت في حوار ابتدائي في تفهم التاريخ التشريعي الأمريكي كذلك ايضا ـ بدا التطور التشريعي منفصلا عن تاريخيته بمعنى تطور النصوص كان في حاجة الى ربطها بتطور وقائع سياسية. القاهرة ـ خالد محمود