بيان الكتب: تعمل سوزان سولومون في الادارة العلمية لمختبر الفيزياء الفضائية وادارة المحيطات والاحوال الجوية في كولورادو، ويحظى هذا المختبر بشهرة عالمية معترف بها على صعيد الدراسات الخاصة بتضاؤل نسبة «الاوزون» في الجو. وكانت المؤلفة قد نالت الوسام القومي الامريكي للعلوم عام 1999 من اجل الاعمال والدراسات التي قامت بها حول الاسباب الكامنة وراء «ثقب الاوزون» في مناطق القطب الجنوبي، كما حصلت ايضاً على العديد من الميداليات والجوائز ومن بينها تسمية احدى المناطق الجليدية في القطب الجنوبي باسمها. موضوع هذا الكتاب «مارس الأكثر برودة» هو القصة المأساوية التي عرفها الكابتن الانجليزي روبرت والترسكوت ومرافقوه. وكان هذا الضابط المغامر قد بدأ رحلة اكتشافية في شهر نوفمبر من عام 1911 عبر ثلوج منطقة القطب الجنوبي وكتلتها الجليدية الهائلة.. كان طموحهم هو ان يكونوا اول من وصل الى القطب الجنوبي المتجمد. وبعد ان قطعوا تسعة آلاف ميل وصلوا الى الهدف الذين كانوا قد وضعوه نصب عيونهم في شهر يناير من عام 1912، ولكن مفاجأتهم كانت صاعقة عندما وجدوا ان مجموعة مؤلفة من خمسة اشخاص نرويجيين قد سبقوهم الى هناك قبل شهر من الزمن. وفي طريق العودة هلك «سكوت» ورفاقه الاربعة لتصبح مغامرتهم موضوع نقاش تراوحت الاراء فيه بين من اعتبرهم ابطالاً شجعاناً ومن رأى بهم مجرد بحارة تنقصهم الكفاءة.. وهذا الكتاب هو ربما آخر وأكمل دراسة حول رحلة «سكوت» ورفاقه، وخاصة من حيث مردودها العلمي. ولكن من هو «روبير فالكون سكوت»؟ من مواليد عام عام 1868، دخل الى المدرسة البحرية منذ سن الثالثة عشرة واصبح ضابطاً في البحرية الملكية البريطانية كي يتسلم بعد ذلك قيادة الرحلات الاكتشافية للقطب الجنوبي. كانت الحملة ـ الرحلة ـ التي قام بها مع اربعة من رجاله الى القطب الجنوبي في نهاية عام 1911 والتي لم يعد منها انما هي الرحلة الثانية. اذ كان «روبير فالكون سكوت» قد قام قبل ذلك برحلة اولى خلال فترة 1901 ـ 1904، وفي معرض الحديث عن هذه الرحلة الاولى تعود المؤلفة الى البحث في تاريخية محاولات اكتشاف منطقة القطب الجنوبي من قبل البريطانيين كان «السير جيمس روس» قد قام بمحاولة عام 1840، ثم توقفت هذه الرحلات الاكتشافية لفترة طويلة من الزمن بسبب نقص الامكانيات المادية المطلوبة لبناء سفينة كاسحة للجليد الى ان تبرع رجل أعمال لندني عام 1899 بمبلغ خمسة وعشرين الف جنيه استرليني ووعد البرلمان بدفع خمسة واربعين ألفاً، اي المبلغ المطلوب لبناء السفينة «ديسكوفري» التي بلغ طولها 45 مترا وكانت مصنوعة من الخشب ومقوّاة بالفولاذ. كانت تلك هي المرّة الاولى التي يقوم فيها البريطانيون بصناعة سفينة مكرّسة للاكتشافات العلمية. وبتاريخ 6 اغسطس 1901 غادرت السفينة «ديسكوفري» جزيرة «وايت» في مهمة اكتشافية علمية متعددة الاهتمامات اذ كان القصد منها اجراء ابحاث بيولوجية وجوية ومغناطيسية وجيولوجية وخاصة بعالم المحيطات. هكذا كان في عداد طاقم السفينة اطباء وباحثون علميون وبالطبع بحّارة متمرسون. لكن ومنذ بداية الرحلة تبيّن بان السفينة تمخر البحار ببطء شديد كما انها تستهلك كميات كبيرة من الوقود، كما انها عرفت بسرعة عدداً من نقاط الضعف حيث تسلل الى داخلها بعض الماء مما جعل مطلوباً القيام بعمليات ضخ مستمرة طيلة الرحلة مع اللجوء بين الحين والاخر الى أحد الموانيء للتزود بما تتطلبه متابعة الابحار. وبتاريخ 23 ابريل 1902 دخلت السفينة في منطقة الليل القطبي الطويل والبارد والذي استمر بالنسبة لسكوت ورفاقه حتى 22 اغسطس من السنة نفسها ليروا الشمس من جديد. واعتباراً من شهر سبتمبر 1902 بدأ «سكوت» واثنان من فريقه متابعة الطريق نحو هدفهم، القطب الجنوبي، بواسطة زحّافات تجرها كلاب ليصلوا في نهاية شهر ديسمبر الى أقرب نقطة وصلها البشر من القطب الجنوبي، لكنهم لم يستطيعوا الذهاب ابعد اذ لم يكن قد بقي لديهم سوى سبعة كلاب من اصل 19 عند انطلاقهم، كما اصيب احد اعضاء الفريق الثلاثة «شاكلتون» بمرض الحفر، اي «الاسقربوط».. ولم ينج الثلاثة من الهلاك الا عندما اكتشفهم فريق من بحارة «ديسكوفري» كان قد جاء للبحث عنهم في مطلع شهر فبراير من عام 1903. واستمر الطريق كاملاً باجراء التجارب حتى مطلع عام 1904 ليعود من بقي على قيد الحياة الى بريطانيا حيث تم استقبالهم كالابطال. بدأت فكرة رحلة الاكتشاف الثانية لمنطقة القطب الجنوبي تترسخ في رأس «روبرت فالكون سكوت» منذ عام 1909 مع هدف محدد هو بلوغ القطب الجنوبي واجراء اكبر قدر ممكن من التجارب العلمية. انطلقت الرحلة في الاول من شهر يونيو 1910.. والتحق «روبرت فالكون سكوت» بها في جنوب افريقيا حيث كان ينتظر الفريق المرافق له ومعهم 34 كلباً و19 من البغال السيبيرية.. هكذا انطلق «سكوت» مع رفاقه من السواحل الافريقية في مطلع عام 1911 مع كل ما يلزم من اجهزة علمية لدراسة مختلف مظاهر الحياة والطبيعة في القطب الجنوبي.. وفي اواخر شهر يونيو من عام 1911 بدأ فريق مكوّن من ثلاثة باحثين من الطاقم المرافق لسكوت برحلة استكشافية علمية. كانت الظروف المناخية والطبيعية قاسية حيث كانت درجة الحرارة تبلغ 61 تحت الصفر. وبعد ان انتزعت عاصفة ثلجية كل ما كان لدى اعضاء الفريق الثلاثة ولم يبق معهم سوى غطاء النوم الذي كانوا يحملونه على ظهورهم اضطروا للعودة حيث وصلوا في مطلع شهر اغسطس. اما رحلة «سكوت» الاخيرة نحو القطب الجنوبي، والتي تركز المؤلفة اهتمامها عليها، فإنها قد بدأت في 24 اكتوبر 1911. وكانت تتكون عند نقطة الانطلاق من 13 رجلاً و34 كلباً و19 بغلاً و13 زحّافة وزحّافتي ثقل مجنزرتين ومزودتين بمحرك تقلان ثلاثة اطنان من المؤن والمعدّات. كانت فكرة «سكوت» هي ان ينطلق نحو القطب الجنوبي بفريق كبير ثم تتم التصفية في الطريق بحيث يعود البعض الى قاعدة الانطلاق بحيث بقي معه في النهاية اربعة فقط للمرحلة النهائية. كانت المشكلة الحقيقية الاولى التي واجهتهم هي اكتشافهم بان البغال «السيبيرية» ليست مؤهلة بشكل جيد لسبر هذه المناطق الثلجية اذ انها أبدت انهاكها بسرعة، مما دفع لاستبدالها بالبشر. وعندما تم الوصول الى بعد 43 كيلومتراً فقط من القطب الجنوبي لاحظ الرجال الخمسة آثار اقدام بشرية على الثلج.. وعندما وصلوا الى الهدف الذي كانوا قد حددوه وجدوا ان النرويجيين قد سبقوهم. بعد فترة مكوث قصيرة في القطب الجنوبي كان على المكتشفين قطع مسافة الـ 1500 كيلومتر التي تفصلهم عن القاعدة التي انطلقوا منها وهم في حالة انهاك شديد من مشقة الوصول وايضاً من «خيبة الامل» بسبب «انتصار» النرويجيين. اضف الى هذا كله البرد القارس ومرض الحفر «الاسقربوط» الذي كان ينتظرهم. وبالتوالي سقطوا واحداً بعد الآخر. الاول يوم 17 فبراير 1912 والثاني يوم 16 مارس، وفي 21 مارس. وجد «سكوت» نفسه مع الاثنين الآخرين على قيد الحياة وسط الجليد وبدون نقطة وقود. ان الجملة الاخيرة من اليوميات التي تركها «سكوت» تشير الى انه كان ورفيقاه على بعد 18 كيلومتراً فقط من مستودع المؤن. ولكن لم يتم اكتشافهم الا بعد ثمانية اشهر بواسطة فريق نجدة كان يبحث عنهم وهم ملفوفون بأغطية «اكياس» نومهم بينما يحضن «سكوت» اليوميات التي كان قد كتبها والتي سمحت فيما بعد بمعرفة ما تعرّضوا له اثناء رحلتهم. لقد بكى البريطانيون عندما سمعوا الخبر، بطلهم «روبرت فالكون سكوت»، وبدأ المختصون بدراسة «نتائج» حملة سكوت ورفاقه الى منطقة القطب الجنوبي. واذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تقدم سيرة حياة «روبرت فالكون سكوت» بكثير من التعاطف والاعجاب الانسانيين، فإنها توضح أيضاً الآفاق العلمية التي فتحتها خاصة في مجال الرصد الجوي والمعطيات الجيولوجية لمنطقة القطب الجنوبي. كتاب عن مدى الشجاعة وقدرة التحمل والاخلاص وحب المعرفة، كما تتجسد في تجربة عدة اشخاص وعبر حياتهم وموتهم، وكتاب على «تقاطع الطرق» بين العلم والمجتمع