بيان الكتب: بيير نويل جيرو مؤلف هذا الكتاب هو خريج مدرسة «البوليتيكنيك» الشهيرة في فرنسا. يعمل استاذا لمادة الاقتصاد في جامعة «باريس ـ دوفين». سبق له ونشر عدة كتب منها: «جيوبوليتيكية الثروات الانسانية» و«اليابان تحت المجهر» و«هل الاقتصاد هو الشيطان الاكبر؟». كما يساهم المؤلف بالكتابة في العديد من الدوريات المختصة. في هذا الكتاب الجديد يركز المؤلف على تحليل دور التمويل الحديث في الدورة الاقتصادية التي فرضتها آليات العولمة.. ولكنه يبدأ اولاً بتقديم فكرة تاريخية عن دور المال في المكان والزمان. انه يتعرض في هذا السياق لما يسميه «قصة زكريا، التاجر الايطالي من مدينة جنوة» الذي وجد نفسه ذات يوم امام تساؤل عريض حول فائدة المال؟ «وانطلاقاً من هنا يقوم المؤلف بنوع من «تقريب» قواعد «اللعبة المالية» لاذهان غير المختصين. الفكرة الاساسية التي يطورها مؤلف هذا الكتاب هي القول بان «التمويل» انما هو نوع من «تجارة الوعود التي لا يمكن ضمانها في المستقبل. ولعل أهم ما يوضح مبدأ «الوعد» في ميدان المال انما يتمثل في اسواق البورصة التي لا يمكن لأحد أن يحدد بشكل واضح ومسبق كيف ستتطور مستقبلاً إذ ان معرفة ذلك بدقة لابد وان تلغي جميع المضاربات.. لذلك تقوم الاسواق المالية دائماً وفي جوهرها على العلاقة بين ما هو حقيقي مادي وما هو محتمل ممكن. من هنا يمكن فهم الاسباب التي تجعل المضاربين في الاسواق المالية يقيمون «استراتيجياتهم» على اساس اللحظة والدقيقة. كذلك يركز المؤلف على دور الدورة المالية في مجمل النشاط الاقتصادي. هذا على الرغم من ان العديد من الاقتصاديين لا يولون هذا الدور الأهمية التي يستحقها على اساس انها ليست «سلعة» تنطبق عليها القواعد الانتاجية «الموضوعية» التي تخضع عامة لمنطق الاسباب والنتائج. ان المؤلف لا ينفي واقع عدم امكانية تطبيق مبدأ «السلعة» على العمليات المالية ولهذا يرفض بالتحديد النظريات القائلة بامكانية معرفة مستقبل الاسواق المالية. بالمقابل يؤكد بأنه لا يمكن لاصحاب الشركات ومدراء المؤسسات على مختلف مستوياتهم ان يتجاهلوا الدور الكبير الذي يلعبه المال في الالة الاقتصادية كلها. وقد غدا هذا الدور اكثر تعاظماً في ظل اقتصاد السوق الذي فرضته العولمة حيث تعاظم موقع قطاع الخدمات. وضمن هذا السياق يقوم «بيير نويل جيرو» بدراسة آثار العولمة على البشر العاديين الذين اصبح يعتريهم الاحساس بانهم قد اصبحوا خارج دائرة الفعل في المجتمعات التي يعيشون فيها والتي اصبحت تدار بواسطة اليات معقدة «تسمو» على تهمهم. والنتيجة المباشرة لمثل هذا التعقيد الى جانب السرعة ـ هي جعل اغلبية الناس في ظل وطأة حالة من الاحساس بـ «العجز». ولاشك بان هذا الكتاب يحتوي على بعد «تربوي» مهم وذلك من حيث انه يحاول «توسيع» دائرة اولئك الذين يدركون قواعد «اللعبة المالية». ويمكن القول بان بيير نويل جيرو قد نجح في رهانه الذي حدده منذ الصفحات الاولى، والمتمثل في «تبسيط» الرهانات المالية في المجتمعات الحديثة وجعلها اكثر قرباً من فهم العامة. «التبسيط» ولكن دون الاسفاف او المساومة على القيمة «العلمية» للافكار المقدمة. ان الفكرة الاساسية التي يحاول المؤلف شرحها لقرائه تتعلق بمسألة زيادة التفاوت، بل حدة التفاوت، بين الاغنياء والفقراء حيث اصبحت البلدان الغنية اكثر غنى والبلدان الفقيرة اكثر فقراً هذا على الرغم من حالة الازدهار التي رافقت ثورة الاتصالات وعصر المعلوماتية وشبكات الانترنت. وضمن هذا السياق ايضا يشرح المؤلف عددا من الافكار المطروحة على اذهان الكثيرين مثل آليات المنطق الذي يحكم دورة رؤوس الاموال. وقواعد الاسواق والبورصات المالية التي تزدهر وتتنامى في الكثير من البلدان، والاسباب الحقيقية الكامنة وراء الازمات المالية الكبرى مثل تلك التي شهدتها بعض البلدان الاسيوية في خريف عام 1997 وعمل البنوك ومستلزمات الاقتراض فيها وخلفيات اسواق الاسهم والسندات.. والعديد من المسائل الاخرى التي تتردد كثيرا دون ان يدرك الجمهور العريض «كنه» المقصود بها بشكل دقيق. ويحاول المؤلف في احد فصول هذا الكتاب الاجابة عن السؤال التالي: هل فقدت الدولة ـ اية دولة ـ من سلطتها الاقتصادية لصالح الاسواق؟ ان الاجابة عن مثل هذا التساؤل ترتبط في الواقع بطبيعة العولمة ذاتها وقواعد اقتصاد السوق الذي يتبنى عامة الايديولوجية الليبرالية الجديدة التي تقول بالحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لبلدانها وفتح الباب عريضا امام الشركات في مجال الانتاج والمنافسة، ان مثل هذه الايديولوجية تشجع كثيراً ازدهار الاسواق المالية و«قوانينها».. ويؤكد المؤلف في المحصلة بان مثل هذا الواقع يحمل في طيّاته الخوف والقلق ذلك بسبب الطبيعة «غير الثابتة» لما يمكن ان يخبئه المستقبل.. لاسيما في افق «الجنوح» الممكن للاسواق المالية العالمية وما يمكن ان يترتب على هذا من ازمات يدفع البشر العاديون ثمنها. كتاب اعتبره عدد من النقاد بانه لا يخضع لمستلزمات «الفكر الأوحد»، او ما كان عبر عنه البعض بـ «الفكر الجاهز» مما يوحي بـ «الألبسة الجاهزة»، ان المؤلف لا يتردد في توجيه نوع من الاتهام للباحثين الاقتصاديين «التقليديين» الذين اهملوا كثيرا دراسة تأثير القطاع المالي. وهكذا بدا عمل المؤلف وكأنه بمثابة «رفع الغطاء» عن حقيقة قائمة وقوية الاركان لكنها كانت «مهملة» الى حد كبير. وهذا ما دعا احد المعلقين الى القول: «ان كتاب تجارة الوعود يشكل وسيلة مناسبة تماماً لتعريف عالم المال. وعند قراءة كتاب بيير نويل جيرو، يفهم القاريء الاسباب التي تجعل العمليات المالية مصدرا للخوف اذ انها لا تقوم سوى على اساس التوقعات المتأرجحة بطبيعتها». من جهة اخرى، يبدو مؤلف هذا الكتاب بعيدا كل البعد عن اي «حنين» الى ازمنة «خلت». واذا كان يؤكد، الى هذه الدرجة او تلك، على أهمية الدور الذي تلعبه الدول في الحياة الاقتصادية لبلدانها، خاصة فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي لخطط التنمية التي ينبغي ان يكون الانسان ـ وليس الربح فقط ـ هو هدفها الاساسي، كما اثبتت تجارب التاريخ كله، فانه اي المؤلف، لا يرى سوى «الوجه الاسود» للعولمة «المالية»، انه يؤكد على ضرورة القيام بعمليات ضبط «مستمرة وراعية» كي لا تجنح الاسواق المالية نحو نوع من «التطرف» في بحثها عن الهيمنة الكاملة على الحياة الاقتصادية.. وقد قام المؤلف ضمن هذا الاطار بتوظيف مختلف الملاحظات والتحليلات التي قدمها، وكذلك تطبيقاتها على حالات عيانية، من اجل الوصول الى نوع من «التوازن الصعب» بين قوانين السوق وخطط التنمية. وفي المحصلة النهائية قدّم مؤلف هذا الكتاب اطاراً «واقعياً» للعولمة «المالية» التي كانت وكأنها تنتمي بالاحرى الى «المجرّدات»، وهذا ما يشير اليه قول مدير احدى الشركات: «انني انصح جميع كوادرنا قراءة هذا الكتاب، اذ ان ذلك سوف يساعدهم اخيرا على فهم رهانات عالم المال العالمي». وكان مؤلف الكتاب نفسه قد أكد على «تعقيد» مشاكل المال واسواقه لكن «المشاكل الاكثر تعقيداً في هذا الميدان قد تمّ التطرق لها وبلغة طبيعية وبطريقة متدرجة». كتاب في الاقتصاد يرمي الى القاء الضوء على عالم اليوم عبر الكثير من الحكايات الصغيرة والوقائع وسير العديد من الشخصيات ذات العلاقة الوثيقة بعالم المال. تجدر الاشارة الى ان هذا الكتاب قد حاز على الجائزة الكبرى لعام 2001 المكرّسة للكتاب الأكثر اهمية في مجال الادارة الاستراتيجية والتي تنظمها منذ ثماني سنوات مجلة «اكسبانشن مانجمنت». قصة المال... ووعوده... وتجارتها