بيان الكتب:ولدت الروائية والفيلسوفة والكاتبة المسرحية الايرلندية جين ايريس ميردوخ في دبلن في 1919، وعاشت سنوات طفولتها المبكرة في لندن، وتخرجت من جامعة اكسفورد في 1942 ونشرت أعمالها الادبية والفلسفية خلال عملها محاضرة في الفلسفة في جامعة اكسفورد وباكورة هذه الاعمال رواية «تحت الشبكة» الصادرة في 1954 التي تضاف الى رصيدها من الأعمال المشتملة على عناصر فلسفية وهزلية غير عادية. لاشك في ان التحقق من موهبة ميردوخ كروائية يستلزم اعادة أعمالها الجادة المتجهمة شديدة التعقيد والتميز المتسمة بخصائص الرواية القوطية والحديثة حيث شخصياتها تبدو شخصيات معزولة بعيدة عن أي مؤثرات اقتصادية أو ثقافية تحيط بها توحي بأنها تعيش فقط لتلعب دورا غريبا كريها وخطيرا جدا مع بعضها، وكلها لا تخرج عن هذا الاطار سواء أكانت في رواية «وحيد القرن» التي تقع أحداثها في بيت صغير في الريف الايرلندي أو رواية «الجرس» التي تتكشف من خلالها المواجهة التي تدور على نحو غير عادي بين عناصر الالتزام وعناصر التمرد. يطلق الناقد البريطاني مالكولم برادبري الكثير من التسميات على شخصيات ميردوخ التي تتمحور بالنسبة له حول شخصية الكاهن الساقط أو الساحر الغريب وأسير الحب أو الطفل الممسوس وساعة الاحتضار المليئة بالتأمل البيروقراطي الذي يستمد معرفته من الكتب دون ان يكون قد خاض أية تجربة عملية في الحياة والمرأة السعيدة المحبة. من جهة اخرى، يسعى برادبري الى التقاط النبرة الفلسفية المعهودة لدى ميردوخ وذلك في افتتاحيته التي يقول فيها عن أسلوبها الروائي على نحو شديد من السخرية: «تقول فلافيا ان هوجو أخبرها بأن أوجستينا تحب فريد» الشيء الذي تقابله بالفعل الاجابة العملية المفهومة «من الذي يقول من الذي أخبره عمن يحب من؟». وعلى الرغم من ذلك، فإن العقبة الكبرى كما تبدو لقاريء ميردوخ ليست في الرواية نفسها، وإنما هي تكمن في الحقيقة التي تصدمه في النهاية، حين يفجر في ذهنه هذا الاسلوب السؤال حول علاقة ذلك بميردوخ الفيلسوفة. من وجهة نظر العديد من النقاد، ومن بينهم برادبري، فإن فلسفة ميردوخ تبدو كما لو انها قد تشكلت على نحو مضاد لثقافة مرحلةالحرب العالمية الثانية بكل ما تضمنته من خيبة أمل وضياع للقيم الجوهرية الانسانية. وعلى الرغم من انها أمضت معظم تلك المرحلة في الالتزام بمباديء الحزب الاشتراكي الا انه لا هذا الالتزام ولا حتى الالتزام البسيط تجاه مستقبل الحضارة الغربية قدم له في النهاية النجاة من تداعيات الحرب وعلى وجه التحديد تداعياتها الكوارثية. وفي حين يتساءل آخرون عن ابطالها الوجوديين الميلودراميين المثيرين الانانيين الرومانسيين المناوئين للمباديء الاشتراكية، فإن هذه الشخصيات لا تأتي من فراغ، ويمكن النظر اليها باعتبارها بعض افرازات تلك المرحلة. هذه الشخصيات التي تمثل طرازا بدائيا قديما يعود الى الخمسينيات لا يقيم اعتبارا لأي سلطة وتتحمل مسئوليتها عن تصرفاتها التي تمليها ارادتها المستقلة وتوجد مبادئها وقيمها الشخصية كلما استمرت في طريقها، فهذا البطل مثلا «ينخر بصوت عال، ويرتدي ملابس من الجلد، ويتسكع في المقاهي، ويدخن سجائر الجلواز» وهناك رواية اخرى يقوم فيها بكل هذه الاشياء، وهو يضع قبة اكليركية. إن تأثير أفلاطون وجمهوريته وما الى ذلك يبدو واضحا لدى ميردوخ التي يكتشف المرء انها لا تجد المفردات التي تبحث عنها في النظريات اللاهوتية الحديثة فقط، وإنما تواصل البحث عنها لدى فلاسفة قدماء، مثل افلاطون، وآخرين محدثين من أمثال جي.ايه مور، فحسبما يعتقد مور فإن الصلاح والطيبة في الأساس صفة فوق حسية غامضة وانها أداة للمعرفة على الرغم من اننا لا نستطيع الا ان نجربها فقط من دون ان نعرف شيئا عن كيفية معرفتنا لها، والطيبة خاصية مغناطيسية يتحتم عليها ان تجر رغبة أولئك الذين يلمسونها. وما يراد قوله هنا هو ان ميردوخ قد أضافت الى ذلك التصور الذي أخذته من افلاطون المعروف برواية الكهف التي يرى فيها ان معرفة الخير داخلية وروحية وانها خاصية مكونة عن الرؤية الواعية الشفافة. وكما يفهم المرء من روايتها الأخيرة «آلة الحب المقدسة والمدنسة» فإن هذا العمل الروائي يلخص ما يعتقد بأنه السؤال حول الموضوعات التي تناقشها دراما الاخلاق والبحث عن عناصر الخير. ويعل أكثر ما يلح عليك كقاريء هنا هو السؤال عن عناصر الخير وكيف نعرف اننا قد وصلنا اليها. وعلى الرغم من هذا يبدو سؤالاً صعباً لا يمكن الرد عليه بسهولة، الا ان بامكاننا ان نتأكد من شيء واحد هو الاعتقاد بأن العائق الرئيسي للرؤية النقية الشفافة هو النفس البغيضة، الأنا المستغرقة في الوهم والزيف. وفي استعراض السلطة وفي انكار حقيقة الاشياء وعلى وجه الخصوص حقيقة الآخرين. إن ميردوخ في رواية «هزيمة جديرة بالاحترام الى حد ما» تجسد هذا المفهوم في شخصية جوليس كنج الفيلسوف الساخر الذي يسيطر على الآخرين بسبب ضعفهم وبسبب اعتقاده بأن الخير غير واضح وان الشر يضرب بجذوره عميقا في النفس البشرية. بالنسبة لميردوخ يتطلب الخلاص من الشر السمو والتجاوز، وهي رؤية متطابقة تماما مع مباديء الفن العظيم، حيث الفن يذيب الجمال ويحول طاقاتنا الرئيسية الممزوجة بالتسلط والفضول والحسد والتطرف العاطفي. وبالتالي فإن تجربة الجمال والنقاء في الفن هي المفتاح الذي يفسح المجال للقيام برحلة تتأكد لنا من خلالها الحقيقة، حقيقة الخير والجمال التي يتحتم علينا ان نعرفها. وإذا كان افلاطون قد ألغى الفنانين من جمهوريته فإن ميردوخ تنظر اليهم باعتبارهم من يقدم الرؤية الصحيحة للحقيقة والخير. في احدى مقالاتها، قالت ميردوخ ان الفلسفة والأدب مختلفان بشكل جلي، فالأولى تهدف الى التفسير والتوضيح والثانية تهدف الى الامتاع. وبينما يوفر الأدب المتعة لقارئه فإنه يفعل ايضا أشياء كثيرة اخرى فيما تبقى الفلسفة مسئولة عن شيء واحد. ومن جهة أخرى فإن الادب يعلمنا كيف نرسم الاشياء وكيف نفهم المواقف الانسانية. وهنا يقع جزء من المفارقة، فبينما تمتلك ميردوخ رؤية سوداوية واحيانا رؤية مختلطة فإن هذا كما يرى عدد من نقادها ربما كان يلقي الضوء على حياتها الخاصة في مرحلة ما قبل زواجها من الناقد الأدبي جون بيلي المرحلة التي كانت تتميز على نحو واضح بتورطها في علاقات انسانية مهزوزة لم يتأت لها من خلالها ان تعرف الحقيقة. في مقالة نقدية نشرتها صحيفة «الاندبندنت» مؤخرا كتب الناقد والمؤلف البريطاني مارك بوستردج عن ايريس ميردوخ التي قال انه يعرفها، وجاء في مقالة في احدى المرات وبينما كنا نقوم بتصوير لقطات من فيلم «ايريس» في اكسفورد تقدمت من جودي ديننش (الممثلة التي تظهر في دور ايريس) امرأة يبدو انها كانت تعرفها جيدا، وطلبت منا ان نذهب الى بيتها لترى الملابس التي كانت ترتديها. ومما لاشك فيه فإن ميردوخ كانسانة عادية كانت قادرة على نحو استثنائي على ايجاد علاقات صداقات وطيدة بينها وبين الآخرين. وحول هذا الموضوع تدور احداث الفيلم المأخوذة قصته من مذكرات جون بيلي المنشورة سنة 1998 تحت عنوان «ايريس». وعلى الرغم من انني لم أكن صديقا لميردوخ إلا انني كنت قد قابلتها عندما كانت في المرحلة الأخيرة من مرضها وكانت المرة الأولى منذ السبعينيات في الفترة التي شاهدتها فيها وانا تلميذ في المدرسة التي كانت تزورها في ذلك الوقت، كانت انسانة شديدة التأثير بتفكيرها المعقد الذي تستطيع ان تعبر عنه بلغة شديدة الجمال والوضوح. ان عبقرية ميردوخ العظيمة كانت من أجل الحياة. ككاتبة يمكن القول بأن ميردوخ كانت غزيرة الانتاج وان أعمالها كانت تتمتع بنصيب وافر من الاقبال عليها من قبل القراء، وان أهم هذه الأعمال ربما تكون روايتها الأولى «الجرس» سنة 1958 وهي رواية تقع أحداثها في مرحلة الاربعينيات وتتميز ببنائها الروائي المحكم الذي يبدأ وينتهي بوصف بطلتها «دورا جرينفيلد» التي يشعر القاريء بأنها هي التي تصنع العمل الروائي فيما تبدو غيرها من الشخصيات غير ملائمة أو سوية الى حد الاقناع وهي تتعاطى مع أزمتها الحادة التي تتلخص في عدم قدرتها الرد على السؤال المتعلق بالطريقة التي يمكن لها ان تستمتع بواسطتها بالحياة رغم محاولة المؤلفة تقريبها الى القاريء. ترسم ميردوخ في هذه الرواية صورة ذكية لبطلتها دورا التي لا ينتابها وخز الضمير أو الخوف لأنها رغم معرفتها بأن الحياة من الممكن لها ان تكون مليئة بعوامل الخوف الا انها ترغب في الاستمرار فيها وفي الاستمتاع بلذاتها الحسية. لكن هنا يتضح للقاريء ان المعاناة الوحيدة التي أرادت ميردوخ ان تدخل فيها دورا هي المعاناة من عدم القدرة على الفصل بين الحسية وبين الخوف فيما يرمز الجرس الى هذا الشعور بالخوف. وفيما تستمر بطلتها في الابتعاد عن زوجها والعودة اليه تستمر ميردوخ في تقديم لغة ساخرة وفلسفية تليق بهذا الصراع الذي ينتهي بانفصالها عنه مبررة ذلك بأنه ظل يهيمن عليها بساديته سنوات طويلة معلنة انتصار الخير على الشر على الرغم من عدم اكتمال صورة الخير كجزء من طبيعته أصلا. إن موهبة ميردوخ تتجلى بوضوح باعتبارها روائية فقط بل فيلسوفة ايضا تحتوي موضوعاتها الروائية على افكار وصور وموضوعات معقدة تحتاج الى اعادة قراءتها اكثر من مرة، وما يبدأ لديه من سخرية رقيقة يزداد حدة لكن دون ان يفقد جوهره الفكاهي المرح ومع انه يبدو طويلا الا انه لا يكون مملاً. وفي سنة 1978 نالت رواية ميردوخ «البحر... البحر» جائزة بوكر للأدب الروائي، وفي أعقاب ذلك قال عنها النقاد انها رواية تستحوذ على الذهن بتفاصيلها الواضحة الشفافة وما تتميز به من قوة الملاحظة وفوق ذلك الأسلوب المثير للعاطفة والاعجاب الذي تمكنت بواسطته من نسج روايتها الاسطورية السحرية. تدور احداث هذه الرواية التي تعتمد فيها المؤلفة على تقنية الراوي التي يقوم بها بطلها تشارلز أوربي الممثل الشهير المعتزل المصاب بشيء من جنون العظمة والانانية والذي يقوده هذا الشعور الى نهايته المؤلمة حول مأساة هذا البطل. أوربي الشخصية الرئيسية في «البحر... البحر» يقرر كتابة مذكراته فيختار لنفسه نوعا من الحياة التي يعتقد بأنها ستساعده على شحذ ذاكرته المملوءة بصور المعجبات من النساء اللواتي كانت تربطه بهن علاقات غرامية، وعندما يتهيأ له المكان المعزول الهاديء المطل على البحر بعيدا عن الاضواء تتداعى في ذهنه الذكريات، ذكريات عن نفسه وعن موقفه الأساسي من المرأة التي لم تكن أكثر من أداة متعة بالنسبة له، لكنه عندما يشرع في البحث عنها بعد سنوات من عدم الاكتراث لا يجدها. في احدى أسوأ المفارقات المعروفة في تاريخ الابداع الأدبي تسقط ايريس ميردوخ الفيلسوفة والمفكرة والكاتبة الروائية المتميزة ضحية مرض خبيث تم تشخيصه في سنة 1994 على انه مرض الزهايمر الذي ظل يؤثر بشكل تدريجي على قدرتها على التفكير والتذكر وبهذه المناسبة قام زوجها الناقد الأدبي والكاتب المعروف جون بيلي بكتابة مذكراته تحت عنوان «مرثية لايريس» وهو عمل قريب من السيرة الذاتية يرصد من خلالها أبعاد هذه المأساة الانسانية. في الخمسينيات التقى بيلي وميردوخ للمرة الأولى وبعد ذلك ربطتهما زيجة استثنائية غير عادية، شكل فيها استقلال كل منهما عن الآخر وارتباطه الشديد به في الوقت نفسه أهمية خاصة بالنسبة لكل منهما على الصعيد الشخصي والابداعي. وفي ظل هذه العلاقة أحب بيلي ايريس المرأة لا المفكرة وظل يكن لها مشاعر الحب حتى في أسوأ لحظات حياتها وبالنسبة له كانت الحياة مع زوجته في تلك الأثناء شبيهة بالحياة مع جثة هامدة تربطه بها علاقة غرام من نوع استثنائي. يقدم بيلي في كتابه «مرثية لايريس» صورة حميمية لميردوخ، لا تعتمد على علاقته الشخصية بها فقط وإنما تتسع دائرتها لتشمل ايريس الكاتبة والفيلسوفة المبدعة والانسانة المحبة للحياة في بيتها وخارجه بما في ذلك حبها للطبيعة والبساطة وبعدها عن التصنع والادعاء وهي ما يقول بأن أعمالها الروائية كانت قد تضمنت جانبا منه. ولعل هذه الحميمية هي الشيء الذي ظل مستمرا حتى لحظة كتابته المرثية. والواقع ان كتاب بيلي على الرغم من انه كان قد أشيد بالمستوى الفني والفكري والابداعي الذي ظهر عليه، الا انه من جهة اخرى كان قد اشتمل على جانب من الانتقاد العنيف للآخرين ممن كانت تربطهم بها علاقات صداقة قوية اعترف في النهاية انها كانت تشكل اعاقة حقيقية لعلاقتهما الزوجية على الرغم من ظهورها بشكل مثالي للغاية. ترصد رواية تحت «الشبكة» (أول عمل روائي لميردوخ) حياة بطلها من خلال رؤيتها المثالية للارادة المستقلة لدى الانسان فبطلها جاك انسان وجودي يتمحور تصوره للحياة حول مفهومه الضيق لأمور كالعمل والحب والثروة والشهرة. القصة الرئيسية التي ترويها ميردوخ تتحدث عن حياة جاك بطلها الطامح لأن يتحول في المستقبل الى كاتب كبير الذي يجد في البحث عن فلسفة سهلة تبرر له هذا الطموح وهو يزاول حياته العادية كمتشرد واحيانا حتى كعالة على الآخرين. والمفارقة الوحيدة التي توجدها ميردوخ في حياته هي النهاية المشابهة للبداية التي تضع حدا لكل طموحاته في الحياة والتي يكف من اجلها عن الحلم بأن يكون كاتبا أو غنياً أو مشهوراً بالنظر الى عدم توفر اطار عملي يتيح له الاستمرار. هذا العمل الروائي الساخر يضرب بجذوره عميقا في الحياة في مجتمع لندن في الخمسينيات في حين يرمز بطله الى الحقيقة وهو على الرغم من قسوته ومبالغاته الكثيرة الا انه يشتمل على الكثير من المثاليات التي تطرحها ميردوخ ووجهات النظر المناوئة لغيرها من المفكرين الوجوديين وغيرهم ممن تعرضوا للانتقاد على يدها ومنهم سارتر. غير ان ما أرادت ميردوخ قوله هو ان ما يفترض ان يدفعنا لتحقيق غاياتنا في الحياة هو الاسلوب العملي الذي نزاول حياتنا من خلاله، الجدل القديم الدائر بين اصحاب النظريات الفلسفية المختلفة الذي تمكنت من تحويله من نظرية فلسفية الى عمل روائي. تقول ميردوخ في هذه الرواية «ان جوهر حياتي حوار خاص مع ذاتي يتحول الى حوار شبيه بتدمير الذات». ومن هنا يشير جاك الى نفسه كانسان لديه الرغبة في كيف يعيش على نحو جاد وباستخدام أشياء بسيطة كغريزة حب الحياة والتنازل عن الأنانية. في رواية «هزيمة مشرفة الى حد ما» تطرح ميردوخ من خلال الكوميديا السوداء الاشكالية التي يقع فيها بعض المفكرين على نحو يعيد الى الأذهان الاسلوب الذي يتعامل به برناردشو أو ابسن مع شخصياتهما وموضوعاتهما المليئة بالفلسفة والاخلاق. وعلى الرغم من اختلافها كعمل روائي، الا انك كقاريء تتصورها ايضا كعمل صالح لعرضه على خشبة المسرح تماما كما هي مسرحيات ابسن أو شو. يدور الموضوع الرئيسي لهذه الرواية حول سعي جوليس المفكر الساخر الميال الى انتقاد الآخرين الذي يريد ان يتحقق من صحة نظريته القائلة بأن أي علاقة انسانية سواء كانت علاقة حب أو صداقة أو اخوة قابلة للتدمير الذي يحدث على يد أقطابها. وبدورها ترسم ميردوخ صورة دقيقة يظهر من خلالها بطلها وهو يعبث بشخصياتها الاخرى بفوقية مستغلا ميلها الى حب الانخراط في صراعاتها الجانبية ومواجهاتها من أجل الوصول الى صيغة تصالحية مع الآخرين. من جهة تبدو ميردوخ على الرغم من سردها التقليدي قادرة على البحث عن اشكالية التورط في جدلية الصراع والأزمات والعلاقات الانسانية بأسلوب فلسفي ممتع ساخر في بعض جوانبه يكفي لأن يتنبه القاريء في النهاية الى انها ترمز من خلاله الى موضوع أكثر أهمية بالنسبة لها هو الصراع بين الخير والشر. أحد أهم موضوعات ميردوخ الفلسفية تجسده رواية «الجميل والطيب» في قالب روائي مختلف ربما كانت تجربة للمرة الأولى حيث لم يسبق للقاريء التعرف عليها ككاتبة لقصص الجريمة والغموض التي تدور أحداثها حول ملابسات حوادث الموت والسعي الى تفسيرها رغم صعوبة الوصول الى حقائق من خلال التكهنات. في هذا العمل تعالج ميردوخ موضوع الصراع بين الخير والشر بالقاء الضوء على مأساة موظف حكومي مصاب بالنرجسية يموت في مقر عمله ويجدّ الآخرون في البحث عن ملابسات الحادث بلا جدوى محاولين في الوقت ذاته جمع أكبر قدر من المعلومات عن علاقته بالآخرين خاصة علاقاته الغرامية المشبوهة. مريم جمعة فرج