هل جربت الاحساس بقطار يأتي من البعيد فيما تكون واقفاً على السكة الحديدية بلا حراك؟ ذلك هو بالضبط ما تحسه مع تقدم قطيع بطيء من الفيلة في البرية، حيث تتوقع ان شيئاً ما سيحدث قبل ان تراه، ومثلما تجعل عجلات القطار الحديدية قضبان السكة تهتز على بعد أميال أمامها كذلك تشعر بارتعاش الأرض تحت أقدامك مع اقترب الفيلة منك. بعدها بقليل يأتيك صوت الحفيف بعد أن تبدأ برؤية الغبار المثار، ثم يظهر القطيع أمام ناظريك أخيراً، كما هو في البرية، لا صور تلفزيونية ميتة ولا حدائق حيوان مصطنعة بل هيئ نفسك لمواجهة الفيلة في موئلها الطبيعي داخل الأدغال والسهوب تتقدم الفيلة واثقة وئيدة وهي تطيح بالشجيرات أمامها بحركة ايقاعية مستمرة من خراطيمها غير مهتمة بوجود هذه المخلوقات التي تدعى بشراً والذين ما فتئوا يهددون حياتها ومعاشها، ولعل أول ما يغلب الانسان من أحاسيس وهو يقف وجهاً لوجه أمام حوالي 20 فيلاً هو الاحساس العميق بالضآلة والصغر. في مساء يوم من أوائل فبراير الحالي بدت محمية يالا الوطنية السريلانكية أشبه بأطراف شرق أو جنوب أفريقيا، وتقع المحمية فيما تسمى هناك بالمنطقة الجافة من الجزيرة فلا مطر معظم أيام السنة وحينما يأتي موسم المطر يأتي معه بالعواصف الماطره العنيفة وهو ما جعل المنطقة خالية إلا من بضع مئات من البشر، حيث تركها الانسان لتبقى مسكونة بعالم الحيوان والطيور فقط. ولعل ما يثير الدهشة في جزيرة سريلانكا هو كيف جمعت هذه البقعة الصغيرة من الأرض أنماطاً عديدة متباينة من التضاريس والمناخ فأبعد منطقة من البلاد عن العاصمة كولومبو لا تبعد أكثر من 8 ساعات بالسيارة على طرق وعرة وبسرعة معتدلة لكن المسافر عبر هذه المسافة يحسب وأنه عبر قارة بأكملها لكثرة التنوع الطبيعي والسكاني على جانبي الطريق. فالعاصمة السريلانكية لا تقل صخباً وضجيجاً وازدحاماً عن أي عاصمة أخرى من كبريات مدن العالم، مثل اسطنبول أو القاهرة أما السواحل الغربية للبلاد فتجعلك تحس انك في بلاد البحر الكاريبي، فيما الغابات الاستوائية المطيرة لا تختلف عن غابات حوض الأمازون مع ان التلال الرطبة الخضراء في وسط الجزيرة لا تختلف في شكلها عما تجده مثلاً في الأرياف الانجليزية. محمية يالا الوطنية الواقعة في الزاوية الجنوبية الشرقية من جزيرة سريلانكا هي امتداد واسع من السهوب العشبية المنبسطة التي تقطع امتدادها البحيرات والغابات وتصل إلى سواحل المحيط الهندي. وفي المنتجعات السياحية الموجودة داخل المحمية تعتبر كلمتا «بارد» و «مريح» كلمات سحرية في السياسة التسويقية لها ذلك انه حتى في شتاءات سريلانكا تكون النهارات حارة جداً. ويجد الزائر نفسه مضطراً للاستيقاظ مبكراً مع خيوط الفجر الأولى أو الانتظار حتى العصر ليتجنب غضبة الشمس الحارقة في الضحى والظهيرة وحتى في مثل هذه الأوقات يجد السائح نفسه بعد بضع ساعات من التجول في سيارات الطرق الوعرة داخل المحمية بأمس الحاجة لحمام يخلصه من الغبار والحرارة. لكن قائمة سكان يالا من عالمي الحيوان والطيور ليست بالقائمة الكبيرة التي تضاهي الافريقيات نتيجة الصيد المكثف للّهو وللجد ثم انتهاكات قوانين حظر الصيد لاحقاً حتى اليوم ومع ان الفيلة تحتل مكانة مميزة في تقاليد وأعراف القوم في هذه الجزيرة فقد تعرضت لضغوط كبيرة من جانب النشاطات البشرية بشكل حشرها في الزاوية، ولهذه المخلوقات دورها المهم في المعتقدات الدينية هناك، حيث لا يمكن اجراء حفل زفاف أو عيد ديني بدون مشاركتها، غير ان الفيلة البرية في الانحاء الأخرى من البلاد تشكل أيضاً تهديداً لمحاصيل الأهالي وبيوتهم القروية الهشة. وفيما كان الانسان يوسع من مناطق نفوذه كان الفيل يخسر مناطقه وتراجعت أعداد الفيل السريلانكي الأصغر حجماً من نظيره الأفريقي حيث لم يبق منها الآن سوى 20 فى المئة فقط من أعدادها التي كانت تعيش على الجزيرة قبل مئة عام. والفهود أيضاً كانت يوماً ما وفيرة في يالا، أما الآن فلم يبق منها سوى مجموعة صغيرة تعيش في المنطقة المغلقة أمام العامة في المحمية، وعلى السياح ان يقنعوا أنفسهم بالاكتفاء بأخذ الصور لأنفسهم بجانب الرسومات والصور الجميلة لهذه المخلوقات التي تزين جدران فنادق المحمية ومتحف الحيوانات فيها. غير انه في المقابل يوجد الكثير من الأحياء التي يمكن للزوار مشاهدتها وتتنوع هذه الأحياء بين الثيران البرية والتماسيح والغزلان المتنوعة والقرود والطواويس. والطواويس تحديداً تعتبر من الأشياء التي تفخر بها سريلانكا جداً. وفي متحف المحمية التي أعلنت عام 1938 يمكن للزائر ان يرى الغزلان وهي تسرح بحرية كما يوجد أيضاً سجل للزوار منذ تأسيسها والملاحظ في هذا السجل هو اعداد الزوار السنوية الكبيرة دوماً والتي تقطعها أحياناً سنة تكون فيها الأعداد منخفضة جداً، فعلى سبيل المثال تجد احدى السنوات وقد سجلت 211 ألف زائر وفي السنة التي تليها مباشرة يكون العدد 95 ألفا فقط، ولتفسير الأمر يمكن مراجعة سجلات الاخبار. في يناير من عام 1996 تعرض المصرف المركزي في البلاد لهجوم عنيف شنه مقاتلو التاميل في الجزيرة تسبب بسقوط عدد كبير من القتلى واحتاج الأمر أربع سنوات كاملة بعد ذلك الهجوم حتى تعود حركة السياحة للتعافي، لكن ما ان تم ذلك حتى وقع في يوليو الماضي هجوم عنيف آخر على مطار كولومبو مما أسفر عن مقتل 20 شخصاً وتدمير أكثر من نصف طائرات الخطوط الجوية السريلانكية حالاً، وفي غضون ساعات فقط من الهجوم ألغيت سريلانكا تماماً عن الخريطة السياحية للعالم. جلال الخليل


