ضمن فعاليات موسمها الثقافي الخامس عشر استضافت ندوة الثقافة والعلوم بدبي الدكتور أحمد سعيد البازعي استاذ الشعر الحديث والنقد في جامعة الملك سعود في محاضرة قدمها بلال البدور، أمين سر الندوة وتناولت الحركة الثقافية في المملكة العربية السعودية عبر العشرين عاماً المنصرمة، بحضور عدد من اعضاء مجلس ادارة الندوة والمهتمين بالحركة الثقافية. استهل الدكتور احمد البازعي ورقته بالاشارة الى ان العشرين سنة المنصرمة من عمر التجربة الثقافية في المملكة شهدت العديد من التطورات والمنجزات التي كان من الطبيعي ان تستدعي العديد من التحديات مثلما ان هذه التطورات والمنجزات كانت استجابة لتحديات سابقة، غير ان هذا التحدي لا يكون طبيعياً بالضرورة، فثمة تحديات من تركيبة المجتمع نفسه ومن الموروث الثقافي أو من الظروف الاقتصادية والسياسية والبناء الثقافي تتفاعل بشكل ملموس مع هذا النوع من التحديات، ففي مرحلة التأسيس كان التحدي الثقافي الاكبر الذي واجهته المملكة العربية السعودية هو الامية المطبقة على مختلف أرجائها المترامية ومختلف فئات المجتمع، وكان المتعلم هو من يعرف القراءة والكتابة، اما المثقف النادر آنذاك كان يعيش وحشة غريبة، أما اليوم فلم تعد المشكلة في غياب المعرفة وانما في تطورها الى حد التراكم الذي يستثير تحديات مختلفة تتمثل في كيفية التعامل مع تلك المعرفة بتنظيمها وتحويلها الى نظم تعليمية تربوية بالشكل الذي يخدم الأهداف الكبرى. فبعد قرن من التأسيس احتلت المملكة مرتبة عالية في التعليم سواء في عدد الجامعيين والعلماء والاطباء والمهندسين او في عدد المؤسسات التعليمية في مختلف مراحل التعليم، كما ان انظمة التعليم قد وصلت الى مراحل متقدمة واعتمدت فيها أحدث الانظمة المعاصرة، وفي الوقت ذاته كانت التحديات تنمو أيضاً لتستدعي منشآت وأنظمة وتفكيراً مغايراً لما هو سائد. المرأة والقطاع الخاص ومن المظاهر الثقافية المتميزة خلال العقدين المنصرمين التي تناولها المحاضر حضور المرأة التي دخلت الحياة الثقافية وبتحد أكثر في السنوات العشر الماضية من خلال الكتابة والتدريس والمحاضرات والندوات، وكانت انجازات المرأة باهرة بالمقاييس المعتادة. وكاد كثير من الأقسام الطبية في المستشفيات والجامعية في التعليم ان يكتفي، بل ان مراحل تعليمية بأكملها مكتفية الان بالمعلمات المواطنات، كما ان الصحف تزخر بالحضور النسائي الوطني الذي تجاوز الدور التقليدي في اطار برامج وصفحات الاسرة والشئون النسوية، فالمرأة السعودية الان تسهم في مجالات الفكر والادب وتحليل الاحداث مؤلفة ومحققة ومحاضرة، والى جانب ذلك يمكن رصد دخول القطاع الخاص في النشاط الثقافي بشكل عام وفي العملية التعليمية بشكل خاص من خلال المدارس والمعاهد ما قبل الجامعية ومن خلال التعليم الجامعي الخاص. الى جانب ذلك دخل هذا القطاع في عملية اقامة المنشآة الثقافية وتقديم الجوائز في ميادين التفوق العلمي وفتح القنوات لإسهام ذلك القطاع في تمويل الابحاث العلمية في الجامعات وإنشاء الكراسي الجامعية لدعم توجهات بحثية وعلمية محددة، لكن هذه المكتسبات لم تخل من المشاكل من ابرزها البعد التجاري الاستثماري والذي يهدد العملية التربوية عن طريق التعليم الخاص في مختلف مراحله، ان لم ينضبط ضمن معايير محددة وتحت رقابة كافية. غياب البيروقراطية في هذا السياق، أشار الدكتور أحمد سعيد البازعي الى ان المتابع للنمط الطاغي على المؤسسات الثقافية هو البعد النسبي عن التعقيد الاداري المرتبط عادة بإجراءات الحكومة، فنتيجة لغياب وزارة الثقافة ورغبة الدولة الواضحة عبر العشرين عاماً الماضية في تجنب او تأجيل تلك الوزارة، اقتربت الحركة الثقافية أكثر واكثر من الوضع شبه الحكومي والخاص، ذلك ان الجهات المعنية بالحركة الثقافية كالمؤسسة العامة لرعاية الشباب ووزارتي المعارف الاعلام تقوم بدور اشرافي ومتفاوت تفاوتاً بيناً من حالة لأخرى، هذه العلاقة الاشرافية اتاحت لتلك المؤسسات قدرا جيدا من استقلالية الممارسة الثقافية من خلال مجالس ادارة يأتي اعضاؤها من سائر المثقفين والفنانين والكتاب وأساتذة الجامعات وتعمل وفق انظمة شديدة المرونة، لكن هذه المؤسسات تعرضت للنقد لعدم الاستفادة من المرونة المتاحة للقيام بأنشطة متنوعة وبالافادة من الطاقات البشرية على المشاركة من خلال مجالس إدارتها. المؤسسات شبه الحكومية على مستوى آخر، شهد النشاط الثقافي شبه الحكومي والخاص تطوراً ملحوظاً ومن خلال المكتبات ودور التوثيق من ابرزها مكتبة الملك عبد العزيز العامة ودارة الملك عبد العزيز التي تقوم بحفظ وتوثيق كل ما يتصل بتاريخ المملكة الحديث. وتعقد أنشطة ثقافية متعددة من ندوات ومؤتمرات بالإضافة الى اصدار دورية محكمة. أما مكتبة الملك عبد العزيز العامة فبالاضافة الى تميزها كمكتبة تستقبل جمهور القراء، فإنها تقوم بدور حيوي في احتضان المؤتمرات الثقافية بمختلف أنواعها، وتصدر الكثير من المؤلفات والترجمات المتعلقة بالمملكة والجزيرة العربية عموماً، إلى جانب المهرجانات الثقافية الشعبية كمهرجان الجنادرية الذي يقيمه الحرس الوطني. لقد كان الاسهام الثقافي للقطاع الخاص ودعم الدولة شبه الخاص من اندية وجمعيات من ابرز تطورات الحياة الثقافية في المملكة في العقدين الأخيرين، والمؤمل ان يستفيد هذان العنصران من المنشآت الثقافية. ومن المؤكد ان المملكة لا تعاني من نقص في المنشآت بل من قدرات الطاقات البشرية او استعدادها للاستفادة من تلك البنية. وخلص المحاضر الى ان العنصر البشري هو بمثابة القلب لأية حركة ثقافية، ومع ان الخطط التنموية ركزت كثيراً على هذا العنصر فإنه لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله لزيادة وتطوير الفاعلية البشرية. فالأندية الادبية تشكو من قلة المرتادين وجامعي الثقافة تؤمّها ثلة قليلة من المهتمين والمؤتمرات والندوات باستثناء ما كان يحمل الطابع الجماهيري الاسلامي وأمسيات الشعر الشعبي، كما ان المرأة لا تزال بحاجة الى المزيد من العون المؤسسي لتطوير انشطتها، كما يمكن ملاحظة ان فئة لا بأس بها من المثقفين او من يتوقع منها الاسهام في العمل الثقافي قادرة على الركون الى العزلة والكسل وإلقاء اللوم على غيرها دونما عمل. وختم قائلاً: في كافة الأحوال فقد شهدت الحركة الثقافية في المملكة العربية السعودية الكثير من الانجازات وهي مؤهلة للمزيد منها وشهادة الحق تقتضي القول إن المملكة العربية السعودية في عهدها الحاضر كانت فاعلة في هذا المجال، لكن الامر يتطلب المزيد من التفاعل البناء معها. كتب حازم سليمان: