لقد تميز الإسلام بجعل الفرد المسلم لا يعيش لنفسه فقط، وإنما يغرس فيه شعورا بالمسئولية عن غيره، ممن يعايشونه ويعمرون مجتمعه، فيعتقد ان هذه المسئولية دين واجب التقرب به الى الله، فإن قصر المسلم في القيام بهذه المسئولية، فربما تسبب هذا التقصير في نكبة عامة لا تخص المقصر وحده، وإنما تودي بسلامة المجتمع كله، التي لا تتحقق إلا بحرص الجميع على سلامته، وبتضافر الجهود على تجنيبه عوامل الفساد، وليس هذا فقط، وإنما لابد من تقوية هذه الروابط الاجتماعية بين الأفراد حتى تتحقق السلامة تحقيقا كاملا، وقد عمل الإسلام على دعم هذه الروابط دعما قويا لصلاح أمر الأمة المؤمنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». ومن هنا فإن الإسلام يؤكد وجود صلات فيما بينهم أنبتها الإيمان ورعاها الله عز وجل وأثاب عليها الجزيل، وحمى الجماعة من الأخطار التي تجلبها الفرقة والتشرذم، فيقول الحق تبارك وتعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم). والحق ان رعاية الله عز وجل لهذه العلاقة هي من قبيل ولايته ونصره وعونه وتأييده لهذه الجماعة جزاء حياة هذه المشاعر بين أفرادها وعدم اندثارها وانطواء كل فرد حول همومه الخاصة وأثرته بنفسه، وصدق رب العزة إذ يقول: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وإذ جعل النور فردا والظلمات جمع ظلمة، كانت كناية عن تعدد الأهواء وكثرتها، فإن الأهواء تهوى بأصحابها الى الجحيم، إن لم تكن موحدة مطبوعة بطابع الإيمان والالتزام بنهج النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق صاحب الشريعة إذ يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به». وقد أراد النبي لأمته أن تشملهم الرحمة الإيمانية، وتتجه القلوب نحو اسباغ هذه الرحمة والمودة على أمشاج الجماعة المسلمة، فقال: «لا يدخل الجنة إلا رحيم، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم نفسه وأهله خاصة، ولكن رحمة الناس كافة» وصح عنه كذلك قوله: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» أي ان أهم مقدمات الرحمة الربانية ان يبذل الناس مستطاعهم من الرحمة حيث تقع الرحمة المبذولة من الخلق لاخوانهم موقع التقدير ففي الحديث الصحيح: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة». وإن النبي صلى الله عليه وسلم ليرفع من قدر التراحم وبذل المعروف وتيسير أمر المسلمين وبذل النفع لهم كعبادة يثاب عليها الإنسان، حينما يسأله سائل: يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ فيجيب عليه الصلاة والسلام: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس». وقيل له: إن فلانة تكثر الصلاة والصيام والصدقة إلا انها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: هي في النار». ويرتفع بتقدير اللمسة الحانية والنظرة الرحيمة لمسلم في موقف عسر يتلهف طلبا للغوث، فيجعل جزاءها المغفرة الواسعة والرحمة الندية التي يتمناها كل إنسان من ربه، فيقول صلى الله عليه وسلم: «إن رجلا لم يعمل خيرا قط، وكان يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا.. فلما هلك، قال له ربه: هل عملت خيرا قط؟! قال: لا.. إلا انه كان لي غلام، وكنت أداين الناس، فإذا بعثته ليتقاضى قلت له: خذ ما تيسر واترك ما عَسُرَ، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا.. قال الله له: قد تجاوزت عنك». ولك أن تعجب أخا الإسلام حين تكتشف هذا التقدير الكريم لمبادرة الخير والرحمة، حتى إنها لتعلو على العبادات الأخرى، وتجلب الصفح والغفران، والنجاة من النار، حتى انه ليروي أبو ذر رضي الله عنه فيقول: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله. قلت: يا نبي الله، مع الإيمان عمل؟ قال: ان تعطي مما رزقك الله. قلت: يا نبي الله، فإن كان فقيرا لا يجد ما يعطي؟ قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.. قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بمعروف، ولا يستطيع أن ينهى عن المنكر؟ قال: فليعن الأخرق. قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: فليعن مظلوما. قلت: فإن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟ قال: ما تريد أن تترك لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس. قلت: يا رسول الله، أو إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: ما من عبد مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة». علي عيد