بيان الجمعة: الحمد لله الذي ميز الاسلام عن سائر الأديان باهتمامه البالغ بحسن تربية الفرد لينشأ نشأة اسلامية كما أرادها الله عز وجل، وجاء توضيحها في كتابه الكريم وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ولقد رأينا اثر الالتزام بالمنهج الاسلامي في تربية الابناء فيما مضى من حياة السلف الصالح، ولكن وللأسف ان كثيرا من الآباء والامهات تركوا هذا المنهج ليجعلوا ابناءهم يقاسون وحشة الظلم والفساد وضنك الحياة، حتى ان الكثير من هؤلاء الآباء كان يشكو ضياع ابنائه حال كبرهم ولا يدري على من يلقي بطائلة اللوم، وقد جعل الاسلام لهذه التربية العظيمة الأثر البالغ في الدنيا والآخرة بالنسبة للفرد المربي وللمجتمع ككل، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن اليهن فله الجنة» رواه أبو داود وفي رواية «من كان له ابنتان فرباهما فأحسن تربيتهما كن له سترا من النار» ويقول ايضا: «اذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به، وصدقة جارية وولد صالح يدعو له» رواه مسلم 1631. ولا يكون الصلاح في العادة الا اذا كان الأب صالحا والبيئة طيبة. ومعنى التربية الاسلامية هي تلك الأساليب التي يتخذها المربي لتقويم سلوك الفرد وصياغة شخصيته وفق مباديء الاسلام وأفكاره وآدابه التي تقوم على الايمان بالله والعمل الصالح وقد اهتمت هذه التربية بجميع جوانب الفرد الدينية والبدنية والعقلية والخلقية والاجتماعية منذ فجر طفولته وحتى ترسخ عقيدته ويكتسب الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة وقد راعى الاسلام جمع مراحل الحياة التي يمر بها الانسان منذ مرحلة الطفولة الأولى وحتى الشيخوخة، وجعل لكل منها اسلوبا خاصا في أساليب التربية بعضها موضح في القرآن الكريم والبعض الآخر قد وضحته السنة المطهرة، وها نحن نستعرض هذه المراحل بشيء من الاختصار لأن الحديث عنها يطول. المرحلة الأولى: هي مرحلة الطفولة المبكرة وهي مرحلة الرضاعة وقد جعل القرآن الكريم اقصى حدها الى السنتين لمن أراد ان يتم الرضاعة حيث يقول الله تعالى: «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد ان يتم الرضاعة» البقرة: 233. وهذه الرضاعة الطبيعية من الأم لولدها مما أدره الله عليها من اللبن الذي لا يوازيه اي نوع من انواع الحليب او الاطعمة الاخرى مهما بلغت من جودتها ونقائها، أقول: هذه الرضاعة الطبيعية لها دور كبير في نشأة الابن بجسم سليم قوي حيث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» رواه مسلم 2664. والقوة هنا عامة مطلقة اي انها تشمل قوة البدن والعقيدة وغيرهما وحتى يتخرج هذا الطفل صالحا للدعوة الى الله لابد ان يكون قويا في بدنه ليتحمل الصبر على الشدائد في سبيل هذه الدعوة، وقد وصف الله تعالى طالوت بسعة علمه وقوة بدنه حيث يقول: «ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم..» البقرة: 247. ويا أسفاه فقد تركت كثير من الامهات هذا الامر واستبدلته بأنواع شتى من الحليب الذي لا مقارنة بينه وبين حليبها لتترك ابنها عرضة للأمراض التي تنتشر يوما بعد يوم وتجعل المقاومة عند طفلها حقيقة جدا وذلك سعيا منها وراء المحافظة على رشاقتها وجمال مظهرها. اما المرحلة الثانية: وهي مرحلة ما قبل التمييز وفي هذه المرحلة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود الا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه» رواه البخاري 1358. والفطرة هي الاسلام ومعنى هذا ان المولود يتأثر كليا بما يجري حوله من تصرفات لوالديه فهما القدوة الاولى والأهم في حياته فالأب هو المثل الاعلى لافراد اسرته والأم هي النموذج الامثل لبناتها، لهذا فمن المستحسن ان يستفيد الآباء والامهات من هذه الثقة في التأثير بأبنائهم منذ الصغر ليكونوا قدوة صالحة في أخلاقهم واستقامتهم. وفي هذه المرحلة يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيف نربي أبناءنا بما يقدمه الآباء من نموذج أمام ابنائهم. فقد أثر عنه عليه الصلاة والسلام انه كان يلاعب الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقبلهما ويصلي امامهما. ان ذلك يترك أثرا طيبا في قلوب الصغار، ونحن مثلا نصلي امام الطفل ونسمح له ان يقف معنا في الصلاة دون وضوء، وان نقرأ القرآن أمامه ونسمعه اشرطة القرآن والتفسير وغيرها مما يجدي له نفعا في مستقبله وان لم يع منها شيئا في وقته الحاضر. وانظر الى سهل بن عبدالله رضي الله عنه ماذا يقول عن نفسه: كنت ابن ثلاث سنين وأنا اقوم بالليل انظر الى صلاة خالي محمد بن سوار، فقال لي خالي يوما ألا تذكر الله الذي خلقك؟ قلت كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك ثلاث مرات من غير ان تحرك لسانك: الله معي، الله ناظر الي، الله شاهدي. فقلت ذلك ليال. فوقع في قلبي حلاوته. فما كان بعد سنة قال لي خالي: يا سهل من كان الله معه وهو ناظر اليه، وشاهد عليه، هل يعصيه؟ اياك والمعصية فحفظت القرآن وأنا ابن ست او سبع. منهاج القاصدين ـ ابن قدامة ص 161. اما المرحلة التي تليها وهي مرحلة التمييز ولابد ان يكون الأبوان على قسط وافر من الوعي والادراك. لأن الطفل في هذه المرحلة يحاول معرفة كل ما يجرب حوله ويحاول ايضا التقليد بكل شيء يراه من قبل والديه والبيئة التي يعيش فيها فيتسع مجاله الفكري. لذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأب هو المسئول الاول عن تصرفات ابنائه وبعده الأم في تحمل هذه المسئولية العظيمة. حيث يقول عليه الصلاة والسلام: «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته... والرجل راع في بيته وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية على أهل زوجها وولده وهي مسئولة عنهم..» رواه البخاري. ولابد في هذه المرحلة توجيه الأطفال وقد بلغوا سن التمييز، لابد من توجيههم الى الخير والاحسان وعبادة الله حيث يقول تعالى على لسان لقمان عليه السلام «يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم» لقمان: 13. ويوجه ابنه ويعظه فيقول: «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ان ذلك من عزم الأمور» لقمان: 17. وفي ذلك توجيه للآباء كيف يعاملون ابناءهم بأسلوب اللطف والنصح والارشاد والترغيب والترهيب. ومن السنة المطهرة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «علموا أبناءكم الصلاة أبناء سبع واضربوهم عليها أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع» ففي هذه المرحلة يكتفي فيها بالنصح والارشاد والتوجيه مصحوبا باسلوبي الترغيب والترهيب اي اسلوب التشجيع والمكافأة اذا احسن والعقاب اذا اساء متعمدا. وتلي هذه المرحلة مرحلة تستوجب من الآباء التوجيه المكثف والنصح والارشاد والمراقبة لأبنائهم ومتابعتهم بل وحتى انتقاء الاصدقاء لهم الذين يعينونهم على الخير والابتعاد بهم عن صحبة السوء وبيئة الفساد وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الامر حيث قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك اما ان يحذيك واما ان تبتاع منه واما ان تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير اما ان يحرق ثيابك وإما ان تجد منه ريحا خبيثة» رواه البخاري 5534. اما مرحلة الشباب وما بعدها ففي العادة تكون قد استقرت لدى هذا الشاب العقيدة الصالحة ومجموعة الآداب الحسنة والعادات والقيم التي زرعها فيه الابوان مع ما احيط به من بيئة وحينها يصدق فيه المثل القائل: من شب على شيء شاب عليه. ولابد فيها من مراقبة الأبوين لأبنائهم وتوجيههم وزيادة غرس الوعي الثقافي والديني والاجتماعي بأسلوب الرفق والحنان والعطف والعقلانية التي تظهر لهذا الشاب مدى حرص والديه عليه انطلاقا عن محبتهم له وحرصهم على مصلحته. ولله در الشاعر اذ يقول: ربوا بنيكم صغارا قبل كبرتهم فليس ينفع بعد الكبرة الأدب ان الغصون اذا قومتها اعتدلت ولا يلين اذا قومته الخشب قاسم الصماوي باحث اردني