لو كانت الأميرة مارجريت فجّرت حكايا صباها في عصر القنوات الفضائية والبابارتزي لكانت جنازتها اليوم أضخم حشداً وأعمق حزناً وأكثر ورداً وأكثف أضواء من ذلك التشييع التلفزيوني الذي رافق ديانا في رحلة عودتها الأخيرة إلي بيت أبيها الريفي. لم تكن مارجريت في صباها أقل أناقة من ديانا. وإذا كانت أميرة ويلز حظيت بقدرٍ من التعاطف الاستثنائي عبر محاولاتها الدؤوب لكسر الأطواق الملكية ومغامرات التمرد على بروتوكول القصور وتقاليدها العائلية والتودد إلى العامة والتقرب من ذوي الاحتياجات، فإن مارجريت سبقتها إلى كل ذلك وفي وقت مبكر وفي ظروف لم تكن مهيأة وعلى نحو أكثر جرأة وأكثر في الوقت نفسه وقاراً. كان ظهور الأميرة الصبية تدخّن علناً كافياً لإشعال الجدل في الوسط اللندني والحديث الجارح حول العائلة المالكة، غير أن لفافة التبغ لم تكن سوى مقدمة لحريق كبير أشعلته شقيقة الملكة في الوسط المخملي على اتساع أوروبا بأكملها. فقد تورطت شقيقة الملكة الصغرى والوحيدة في غرام أحد الذين عملوا في خدمة أبيها الراحل. كانت تلك أكبر مفاجأة ـ إن لم نقل لطمة ـ تلقتها العائلة المالكة البريطانية في غضون 40 سنة. كانت تلك حكاية الحب المثيرة الثانية التي لم تحتملها الأسرة البريطانية وأصبحت حدثاً عاماً. أما الحكاية الأولى فكانت قصة غرام إدوارد الثالث الذي تنازل عن العرش في العام 1936 وفاءً لحبه. لم تكن مارجريت أقل وفاء لحبها من إدوارد بالتأكيد لكنها كانت أكثر وفاءً لشقيقتها الكبرى الجالسة على العرش، لذلك تنازلت عن حبها حفاظاً على كبرياء الملكة فتجنّبت بريطانيا أزمة دستورية. ربما من البداهة أن تنتهي تجربة الزواج التي خاضتها مارجريت مجبرة مع مصور إلى الفشل والطلاق. بالتأكيد لم يكن أنطوني أرمسترونج جونز الذي انتقل من «الدارك رووم» إلى بهو القصر الملكي مصدر ذلك الإخفاق. الأميرة المتمردة لم تكن منسجمة في حياتها الزوجية لذلك انطلقت في رحلات صاخبة إلى جزر الكاريبي واشتهر رودي لوالين بعشيق محبب للأميرة البريطانية. كان ذلك الفتى يصغر مارجريت بثمانية عشر عاماً وكان عاش جانباً من صباه في معسكرات «الهيبيز» في الجنوب الإنجليزي. ولم تكن مغامراتها الصاخبة في الكاريبي غائبة عن عيون الصحافة لكن العلاقة لم تدمغ بالفضائحية التي تفضي إلى الموت في نفق الخيبة على نحو ما انتهت ديانا. ربما يعكس لوالين نفسه جانباً من عقلنة الحكاية الغرامية رغم انفلاتها. إذ أن الرجل الذي هجر الأميرة لم يسمح لنفسه بالخوض في شأن العلاقة على الملأ. من المؤكد أنه تلقى إغراءات لكنه لم يستسلم على النحو الذي فعل الذين تورطت ديانا معهم في علاقات مشابهة ونشروا غسيلها على الجميع. مارجريت أصبحت أكثر من عشيقها وفاء لمغامراتها الكاريبية عندما أوصت بحرق جثمانها ونشر رماده في جزيرة موستيك التي كانت مسرحاً لذلك الحب الجيّاش فتكسر مارجريت ثانية تقاليد البلاطات الأوروبية. جوهر تجربة مارجريت يتمثل في أنها أول حالة تمرد نسائي داخل الوسط المخملي الأوروبي في مجتمع ما بعد الحرب العالمية الثانية وعظمة التمرد أن قائدته أميرة داخل البلاط الإنجليزي على وجه التحديد. تلك سابقة لا شبيه لها على صعيد القارة العجوز. مضى وقت غير قصير حتى ظهر في استكهولم الأمير كارل جوستاف بمغامراته مع حسناوات سويديات يراقص بعضهن ويسهر مع أخريات في علب الليل فتتحدث الصحافة عن ذوق ولي العهد الرفيع في اختيار النساء ومستواه الأكاديمي المتواضع إذ أكمل دراسته بدرجة جيدة في الجغرافيا وعلامات سيئة في الرياضيات ومستوى متوسط في المواد الأخرى. كان بين صويحبات الأمير نجمات سينما مثل بياد جرماك التي رأى المخرج بودير بيرج صورتها تراقص جوستاف فاختارها نجمة لفيلم حاز على الأوسكار. أكمل الأمير السويدي تمرده على التقاليد الملكية فاختار مضيفة انتقاها في دورة ميونيخ الأولمبية عام 1972 قرينة وهي ابنة رجل أعمال ألماني. ومع ذلك لم يُحدث انفلات كارل جوستاف رد فعل مثيراً كما فعلت مارجريت، ليس لأنه رجل فقط وإنما لأن المجتمع السويدي كان في منتصف السبعينيات مغايراً تماماً لحالة المجتمع البريطاني على عتبة الستينيات. فهناك انفتاح مقابل انغلاق تقليدي موروث منذ قرون. انقضت فترة كذلك قبل أن يعبر الأمير رينيه حاكم موناكو الأطلسي ليختطف إلى قصر غارمالدي العريق ممثلة أمريكية هي جريس كيللي. بذلك تكون مارجريت لعبت ضربة البداية في كرة الثلج التي تدحرجت بعد ذلك على مضمار الأرستوقراطية الأوروبية على نحو مكشوف وشملت مغامرات لمشاهير في مجال الصناعة والسياسة والفنون من أبرزها مغامرات أرستوتاليس أوناسيس أشهر أساطين المال في اليونان، غير أن شهرته اتسعت عالمياً بعد حكاية عشق عاصفة مع نجمة الغناء الأوبرالي ماريا كالاس ثم زواجه من أرملة جون كنيدي جاكلين. كانت حكايات أوناسيس وكالاس تتزامن تقريباً مع مغامرات مارجريت الأولى التي أسبلت عينيها وغرقت في نومتها الأخيرة لتبقى بعدها سيرة امرأة من طراز نادر. ربما لعنة كالاس أصابت أوناسيس الذي تحولت نهاية حياته إلى دراما يونانية غريبة تستحق هي الأخرى التأمل